أزمة هرمز تكشف هشاشة اقتصادات «آسيان» أمام صدمات الطاقة
- الأخبار الأقتصاد
- 2026/08/07 - 03:06
وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن تصاعد الحرب في إيران وانعكاساتها على سوق الطاقة العالمية أظهر بصورة أوضح اعتماد دول «آسيان» الكبير على واردات النفط من الشرق الأوسط. وقد ترافق ذلك مع اضطرابات في مسارات الشحن البحري، وتراجع قيمة العملات الوطنية، وارتفاع كلفة دعم الطاقة، والضغوط المتزايدة على الموازنات الحكومية، ما وضع اقتصادات المنطقة أمام تحديات جديدة.
تباين مواقف دول آسيان من الحرب
في أول رد فعل رسمي لها، دعت رابطة «آسيان» في بيان إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس من جانب إيران والولايات المتحدة، في موقف شابه إلى حد كبير رد فعل التكتل تجاه الحرب الروسية الأوكرانية، حيث شدد على تجنب الانحياز لأي من الطرفين.
إلا أن الدول الأعضاء تبنت مواقف متباينة. فقد ركزت الفلبين وتايلند على ضمان أمن مواطنيهما في الشرق الأوسط، بينما أدانت ماليزيا وبروناي الهجمات المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، واعتبرت كوالالمبور تلك الهجمات مخالفة للقانون الدولي.
في المقابل، سعى الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو إلى لعب دور أكثر فاعلية عبر اقتراح زيارة طهران والتوسط بين الأطراف المتنازعة. ورغم ترحيب طهران بالمبادرة وتقديرها لها، فإنها رأت أن فرص نجاحها محدودة. كما أثارت بعض الأوساط السياسية داخل إندونيسيا تساؤلات بشأن حياد جاكرتا، مستندة إلى انضمام البلاد مؤخراً إلى مجلس السلام الذي تقوده الولايات المتحدة.
إندونيسيا... أول المتضررين اقتصادياً من الأزمة
على الرغم من الجهود الدبلوماسية، كانت إندونيسيا، بوصفها أكبر اقتصاد في «آسيان»، الأكثر تأثراً بالتداعيات الاقتصادية للحرب.
فمنذ مطلع مارس/آذار 2026، فقدت الروبية الإندونيسية أكثر من 7% من قيمتها أمام الدولار الأمريكي، لتسجل أدنى مستوياتها منذ الأزمة المالية الآسيوية عام 1998. واستمرار تراجع العملة الوطنية دفع البنك المركزي إلى التدخل في سوق الصرف.
وفي الوقت نفسه، أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، قبل أن تصل في مارس/آذار إلى نحو 120 دولاراً. ورغم تراجع الأسعار إلى ما يزيد على 70 دولاراً للبرميل بحلول نهاية يونيو/حزيران، بالتزامن مع تنامي الآمال بخفض التوترات، فإن عودة السوق إلى أوضاعها الطبيعية لا تزال تحتاج إلى وقت.
وكانت موازنة إندونيسيا لعام 2026 قد بُنيت على أساس سعر نفط يبلغ 70 دولاراً للبرميل، ما جعل ارتفاع الأسعار يشكل عبئاً إضافياً على الموارد المالية للدولة.
وقبل اندلاع الأزمة أصلاً، كانت الحكومة الإندونيسية تواجه ضغوطاً مالية ناجمة عن تنفيذ برنامج الوجبات الغذائية المجانية، الذي تُقدَّر تكلفته بنحو 19.5 مليار دولار.
واستناداً إلى تجربة أزمة عام 1998 وما ترتب عليها من آثار جراء ارتفاع أسعار الوقود، وضعت الحكومة استقرار أسعار حوامل الطاقة في مقدمة أولوياتها. وتنتج إندونيسيا نحو 60% فقط من احتياجاتها من النفط الخام محلياً، فيما يتم تأمين النسبة المتبقية عبر الاستيراد. وعلى هذا الأساس، قدرت الحكومة حاجتها إلى نحو 5.9 مليارات دولار من الموارد المالية الإضافية لتعويض الزيادة في كلفة دعم الطاقة.
كما خصصت موازنة عام 2026 نحو 22.5 مليار دولار لدعم الطاقة وتعويض خسائر شركتي الدولة «برتامينا» و«PLN»، مع حصر بيع الوقود المدعوم بـ50 لتراً يومياً.
وفي إطار تقليص الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري، وضعت جاكرتا برنامج الديزل الحيوي B50 ضمن أولوياتها، بالتوازي مع جهودها لتوسيع التعاون في مجال الطاقة مع دول الخليج الفارسي والولايات المتحدة وربما روسيا.
تداعيات الأزمة على بقية دول آسيان
لم تقتصر آثار الحرب على إندونيسيا وحدها. فمنذ اندلاع المواجهات، تراجعت قيمة البات التايلندي بأكثر من 4%، والبيزو الفلبيني بأكثر من 5% أمام الدولار الأمريكي.
أما تايلند، التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على قطاع السياحة، فقد تأثرت باضطرابات النقل البحري وإلغاء الرحلات الجوية وارتفاع أسعار الوقود. وتشير التقديرات إلى أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى تراجع عدد السياح بنحو ثلاثة ملايين زائر، وإلى خسائر تصل إلى 150 مليار بات، أي ما يعادل نحو 4.6 مليارات دولار خلال عام 2026.
ولمواجهة هذه التحديات، فرضت الحكومة التايلندية سقفاً مؤقتاً لأسعار الديزل، وقيّدت صادرات الوقود باستثناء بعض الدول المجاورة، وزادت مشترياتها الفورية من الغاز الطبيعي المسال (LNG)، كما وسعت استخدام الوقود الحيوي. كذلك أجرت بانكوك محادثات مع إيران لضمان العبور الآمن لناقلات النفط عبر مضيق هرمز.
أما الفلبين، التي تستورد نحو 95% من احتياجاتها النفطية، معظمها من الشرق الأوسط، فقد أعلنت في مارس/آذار حالة طوارئ وطنية في قطاع الطاقة لتسهيل تأمين الموارد اللازمة.
وفي ماليزيا، دفعت زيادة تكاليف المشتقات النفطية الحكومة إلى إصلاح نظام الدعم. كما واجهت فيتنام ارتفاعاً في تكاليف إنتاج الكهرباء ومدخلات الإنتاج نتيجة القيود المفروضة على الإمدادات العالمية، فلجأت إلى مصادر بديلة للنفط الخام وإلى صناديق استقرار أسعار الوقود.
وفي الوقت ذاته، واجهت سنغافورة، باعتبارها أحد أبرز مراكز التكرير والخدمات اللوجستية في المنطقة، ارتفاعاً في تكاليف التأمين على النقل البحري، مؤكدة أهمية مضيق ملقا بوصفه مساراً بديلاً.
آسيان تتجه نحو تعزيز أمن الطاقة
كشفت التطورات الأخيرة بصورة أوضح مدى اعتماد «آسيان» على واردات الطاقة. فالتكتل الذي يستورد نحو 55% من احتياجاته من النفط الخام يواجه اليوم ارتفاعاً في تكاليف النقل والزراعة والسياحة.
وفي إطار اتفاقية أمن النفط (APSA)، تركز دول الرابطة على إنشاء احتياطيات نفطية مشتركة، وآليات لتبادل الوقود، وتنويع مصادر إمدادات الطاقة.
وخلال قمة مايو/أيار 2026 التي عقدت في مدينة سيبو الفلبينية، وضع قادة «آسيان» تسريع تنفيذ الاتفاقية، وإنشاء احتياطيات إقليمية للوقود، وتطوير شبكة الكهرباء الخاصة بالرابطة، وتوسيع استخدام الطاقات المتجددة والمركبات الكهربائية، إضافة إلى مشاريع البنية التحتية المشتركة، ومن بينها خط أنابيب الغاز العابر لآسيان، ضمن أولوياتهم الرئيسية.
تعزيز التعاون بين آسيان والاتحاد الأوروبي
بالتوازي مع تصاعد الأزمة في الشرق الأوسط، وسّعت «آسيان» والاتحاد الأوروبي تعاونهما الاقتصادي والاستراتيجي.
ففي مارس/آذار 2026، كشف الجانبان عن اتفاقية لتسهيل التجارة البحرية، تهدف إلى تسريع حركة النقل بين جنوب شرق آسيا وأوروبا وخفض تكاليفها وتحسين كفاءتها.
كما شدد المشاركون في الاجتماع الخامس والعشرين لوزراء «آسيان» والاتحاد الأوروبي على أهمية التعاون في مجالات الأمن البحري، وحماية البنى التحتية الحيوية، وتعزيز النظام الدولي القائم على القواعد القانونية.
وإلى جانب سعي الاتحاد الأوروبي لإبرام اتفاقيات تجارة حرة مع تايلند والفلبين وماليزيا، فإنه يعمل أيضاً على توسيع وصوله إلى أسواق جديدة وتنويع مصادر الطاقة. وفي المقابل، ستستفيد دول «آسيان» من زيادة الاستثمارات الأوروبية، ونقل التكنولوجيا، والتعاون في تطوير مشاريع الطاقة المتجددة.
/انتهى/