الأمن الغذائي الأمريكي مرهون بتأمين الأسمدة الكيميائية
- الأخبار الأقتصاد
- 2026/08/06 - 05:04
وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن التوترات التي أوجدتها أمريكا في منطقة الخليج الفارسي وما نتج عنها من اضطراب في حركة الملاحة عبر هذا الممر الاستراتيجي، لم تعد تقتصر آثارها على سوق النفط العالمية، بل باتت تهدد أيضًا سلاسل إمداد المواد الغذائية.
ويؤكد خبراء أن جزءًا كبيرًا من الأسمدة الكيميائية التي يحتاجها العالم يُنقل إلى الأسواق الدولية عبر الخليج الفارسي، وأن استمرار هذه الأوضاع قد يضع الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي في العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، أمام تحديات جدية.
وبحسب الخبراء، فإن الأمن الغذائي الأمريكي، رغم اعتماده على الاكتفاء الذاتي في إنتاج الغذاء، يبقى مرتبطًا بتوافر إمدادات مستقرة من الأسمدة الكيميائية. وتشير الإحصاءات إلى أن 15% فقط من إنفاق الأمريكيين على الغذاء والمشروبات يعتمد على الواردات المباشرة، فيما يتم توفير 85% من خلال سلسلة التوريد المحلية؛ وهي سلسلة تستند إلى نشاط نحو مليون و870 ألف مزرعة وتولد ما قيمته 10.4 تريليونات دولار من النشاط الاقتصادي.
ويشير تقرير صادر عن وزارة الزراعة الأمريكية إلى أن القطاع الزراعي يؤدي دورًا محوريًا في الاقتصاد الأمريكي، إذ يضم نحو مليون و870 ألف مزرعة تمتد على مساحة 874 مليون فدان. كما يدعم قطاعا الغذاء والزراعة معًا نحو 48.7 مليون فرصة عمل، منها قرابة 24.3 مليون وظيفة مرتبطة مباشرة بالزراعة والإنتاج والتصنيع والتوزيع والتجزئة والخدمات الغذائية. ويولد هذا القطاع أكثر من 10.4 تريليونات دولار من القيمة الاقتصادية، أي ما يعادل نحو 20% من الناتج الوطني الأمريكي.
غير أن قراءة هذه الأرقام تكشف أيضًا أن الأسمدة المعدنية مسؤولة عن إنتاج أكثر من نصف الغذاء في العالم، وأنها تمثل منذ عام 2020 ما يصل إلى 44% من تكاليف إنتاج الذرة و45% من تكاليف إنتاج القمح.
ومن ناحية أخرى، فإن الارتفاع الحاد في أسعار الأسمدة خلال عام 2026 لم يكن ناتجًا عن عوامل داخلية، بل جاء نتيجة تطورات خارجية. فقد أدت الحرب إلى إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو نصف تجارة الكبريت العالمية، ما تسبب في تراجع حركة ناقلات النفط بنسبة قاربت 90%. وفي الوقت نفسه، أدت الهجمات الأوكرانية والقيود التي فرضتها روسيا إلى انخفاض صادرات الأمونيا الروسية بنسبة 80% مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
كما فرضت الصين قيودًا على تصدير ما يصل إلى 40 مليون طن من الأسمدة، في حين حظرت كل من روسيا وكازاخستان تصدير الكبريت بشكل كامل. ويتوقع البنك الدولي أن ترتفع أسعار الأسمدة بأكثر من 30% خلال العام الجاري.
ولا تقتصر التهديدات التي تواجه إمدادات الأسمدة في الولايات المتحدة على التوترات الجيوسياسية فحسب، بل إن بعض الحكومات الأجنبية، ومن بينها الصين، تستخدم مسألة الوصول إلى المواد الغذائية باعتبارها أداة استراتيجية. ففي الوقت الذي تعد فيه الولايات المتحدة أحد موردي المواد الخام الأساسية المستخدمة في صناعة الأسمدة، فإن الدول التي تستورد هذه المواد، وخاصة الصين، تغلق أسواقها أمام الدول الأخرى.
وبالتالي، ورغم أن الولايات المتحدة تصدر المواد الأولية اللازمة لصناعة الأسمدة، فإن المنتجات النهائية المصنعة في الخارج لا تعود إلى السوق الأمريكية، وهو ما يهدد أمن الإمدادات الغذائية المحلية.
ومن اللافت أن الكبريت، وهو المادة الأولية الأساسية في هذه السلسلة، أصبح العامل الأبرز في ارتفاع التكاليف؛ إذ ارتفع سعره من نحو 100 دولار للطن إلى أكثر من 1200 دولار، أي بزيادة تبلغ اثني عشر ضعفًا. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى نحو أربعة أطنان من الكبريت لإنتاج كل عشرة أطنان من الأسمدة الفوسفاتية، ما يعني أن القيود الحالية قد تؤدي إلى خفض المعروض العالمي من هذه الأسمدة بنسبة تتراوح بين 20 و30%.
كما أن نقص الأسمدة وتراجع قدرة المزارعين على شرائها قد ينعكسان مباشرة على التكاليف التي يتحملها المستهلكون عند شراء المواد الغذائية من المتاجر والمطاعم. ووفقًا للخبراء، فإن آثار هذه الحلقة ستظهر على المدى المتوسط في صورة ارتفاع ملحوظ في أسعار الغذاء التي يدفعها المستهلكون.
تجاهل السوق لسياسات الدعم
في المقابل، تبنى صناع القرار في الولايات المتحدة سياسة توسيع الطاقة الإنتاجية المحلية للحد من ارتفاع تكاليف الغذاء على المستهلكين، وهو مسار بدأ العمل به منذ فترة.
وفي هذا الإطار، وضعت الحكومة الأمريكية إنتاج الأسمدة ضمن أولويات الأمن القومي، وأطلقت برنامج FIELDS بقيمة 500 مليون دولار، كما فعّلت «قانون الإنتاج الدفاعي» وبدأت استثمارات واسعة لزيادة القدرة الإنتاجية المحلية.
ويرى خبراء أن على صناع القرار إعادة تفعيل أدوات الحماية التجارية، وفتح تحقيقات بموجب المادة 232، وضمان وجود سوق محلية مستقرة للطاقات الإنتاجية الجديدة، بما يضمن منح المنتجين الأمريكيين أولوية الوصول إلى المواد الخام المحلية. ويحذرون من أن تجاهل هذه القضية قد يؤدي إلى تقويض فعالية السياسات الحكومية المتبعة.
وفي السياق نفسه، اعتبر هؤلاء الخبراء أن قرار إلغاء الرسوم التعويضية المفروضة على واردات الفوسفات القادمة من المغرب كان خطوة غير صائبة، مؤكدين أن هذه الرسوم ليست السبب وراء الارتفاع الحالي للأسعار. فحتى مع وجودها، تظل أسعار الفوسفات الأمريكية من بين الأدنى عالميًا مقارنة بكبار المنتجين، وأن السبب الرئيسي للارتفاعات الراهنة يعود إلى اضطرابات إمدادات الكبريت العالمية وليس إلى الرسوم التجارية.
كما حذر خبراء القطاع الزراعي من أن إلغاء هذه الرسوم لن يسهم في خفض الأسعار على المدى القصير، بل سيضعف الصناعة الأمريكية المحلية التي تواجه بالفعل تداعيات الحرب، وسيزيد من الاعتماد مجددًا على شركة OCP المغربية المملوكة للدولة، والتي تسيطر على نحو 68% من احتياطيات الفوسفات العالمية.
ووفق النتائج الأولية للمراجعة التي أجرتها وزارة التجارة الأمريكية في يوليو/تموز 2026، وبعد استكمال التحقيق بمشاركة الحكومة المغربية وشركة OCP، خلصت الوزارة إلى أن إلغاء الرسوم قد يؤدي إلى استئناف الدعم الحكومي بنسبة تصل إلى 20.04%، وهي نسبة أعلى من المعدلات التي كانت معتمدة سابقًا. لذلك شدد التقرير على أن التعليق الذي بدأ في 29 يونيو/حزيران يجب أن ينتهي في موعده المحدد، وألا يتحول إلى أساس لاعتماد دائم على الواردات.
وفي المحصلة، يؤكد خبراء الزراعة أن ضمان الوصول إلى الأسمدة يمثل شرطًا أساسيًا للحفاظ على قدرة القطاع الزراعي الأمريكي، خاصة أن الأسمدة المعدنية مسؤولة عن إنتاج أكثر من نصف الغذاء العالمي، وتمثل منذ عام 2020 ما يصل إلى 44% من تكاليف تشغيل إنتاج الذرة و45% من تكاليف إنتاج القمح. ولذلك فإن أي ارتفاع في أسعار الأسمدة ينعكس مباشرة على المحاصيل الأساسية وعلى الثروة الحيوانية التي تعتمد عليها في التغذية، ما يستدعي تخطيطًا دقيقًا ومنطقيًا لسلسلة الإنتاج بهدف الحفاظ على القدرة الشرائية للمستهلكين.
/انتهى/