ألف يوم من الحرب بلا حسم: "إسرائيل" وأميركا بين النصر الموعود والهزيمة المؤجلة
- الأخبار ایران
- 2026/07/26 - 17:04
أمل شبيب
عندما تتحول الحرب إلى مرآة للقادة
الحروب ليست مجرد معارك في الميدان، هي امتحانات للقادة، ومرايا تعكس حقيقتهم. تخفي بعض الحروب فشل القادة، وتفضح بعضها الآخر عجزهم. ولكن أخطر الحروب هي تلك التي تبدأ بهدف النصر، وتنتهي بمحاولات يائسة للهروب من الهزيمة. إنها الحروب التي تتحول فيها الغايات إلى وسائل، والنصر إلى مجرد كلمة تتردد في الخطابات، بينما يتآكل الجيش، ويستنزف المجتمع، وتتبدد هيبة الدولة.
هذه هي الحرب التي تخوضها "إسرائيل" وأميركا اليوم. حرب بدأت بضربات جوية ووعود بالنصر الساحق، لكنها وبعد أكثر من ألف يوم، أصبحت مجرد استنزاف مفتوح على جبهات متعددة. على وقع هذه الحرب، تهاوت ثقة الشعوب بمؤسساتها، وتصدّعت التحالفات، وانكشف أن القوة العسكرية الهائلة لا تعني بالضرورة القدرة على تحقيق الأهداف السياسية.
ما يحدث اليوم على جبهات غزة ولبنان وإيران، ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو أيضاً صراع بين منطقين: منطق القوة الذي يظن أنه قادر على فرض الإرادة، ومنطق الصبر الذي يدرك أن النصر ليس حكراً على من يملك السلاح، بل على من يمتلك الإرادة الأطول.
الحرب التي لم تنتهِ
إذاً، بعد أكثر من ألف يوم على اندلاع الحرب، تقف "إسرائيل" والولايات المتحدة أمام حقيقة مرة: الحرب لم تُحسم على أي من جبهاتها. لا في غزة، ولا في لبنان، ولا في إيران. ورغم القوة العسكرية الهائلة التي أطلقتها "إسرائيل" بدعم أميركي كامل، ورغم الإنفاق البنتاغوني الذي تجاوز 87 مليار دولار، لم يتحقق النصر، ولم يُخضع "العدو"، بل انزلقت "إسرائيل" وأميركا معاً إلى معركة استنزاف طويلة، تركت بصماتها على التماسك الاجتماعي والسياسي في الداخلين، وألقت بظلالها الكثيفة على مستقبل التحالفات الإقليمية والدولية.
"إسرائيل".. ألف يوم من الاستنزاف بلا حسم
في الداخل "الإسرائيلي"، تبدو الصورة أشد قتامة مما تعترف به حكومة نتنياهو. فالجيش مستنزف، والمجتمع منهك ومنقسم على كل شيء: من الصراع على تشكيل لجنة تحقيق في إخفاق السابع من أكتوبر، إلى الخلافات المحتدمة حول قانون التجنيد، مع اقتراب موعد الانتخابات. هذه الانقسامات ولّدت نزيفاً حاداً في ثقة المجتمع بمؤسساته كافة، من رئاسة الحكومة إلى الجيش والشرطة والقضاء، في حالة من الاستقطاب الحاد فاقت ما كان سائداً قبيل معركة "طوفان الأقصى".
وفي مقابل هذا المشهد، لا يزال خطاب الائتلاف الحكومي يركز على "إنجازات غير مسبوقة"، يدّعي أنها تحتاج فقط إلى "استكمال". لكن الواقع يقول غير ذلك: ففي غزة، لا يلوح أفق سياسي في المدى المنظور؛ وفي لبنان، لم تُغلق المواجهة العسكرية بعد؛ أما الحرب على إيران، فلم تخمد نارها باتفاق وقف إطلاق النار، ولم تتضح نتائجها السياسية بعد.
رهان نتنياهو.. الحرب كملاذ أخير
في هذا السياق، لا يزال نتنياهو يراهن على العودة إلى الحرب، تحت شعار "إكمال المهمة" وتحقيق "النصر المطلق". يراهن على أن التصعيد سيعيد له مقاعد فقدها بسبب غياب الحسم والنصر. وهنا يأتي حديث مئير بن شبات، رئيس مجلس الأمن القومي السابق والمقرب من نتنياهو، الذي شدد على ضرورة العودة إلى الحرب على غزة، معتبراً أن "إسرائيل" لا تزال بعيدة عن حسم المعركة ضد "العدو الذي بدأ كل شيء".
لكن ثمة مستويات أخرى من التفكير في مراكز أبحاث وأوساط "إسرائيلية" مختلفة، باتت تنظر إلى الانسداد السياسي الراهن بوصفه مأزقاً استراتيجياً لا مخرج منه إلا عبر بوابة السياسة، لا عبر قرع طبول الحرب. فهناك من يرى أن إدارة الأزمة الراهنة محكومة بسياسات نتنياهو التكتيكية القصيرة المدى، والمرتبطة عضوياً بفرص فوزه الانتخابي. لكن نتنياهو، في هذه المرحلة، لن يصغي لمن يحدثه عن سبل الخروج من الأزمة، لأن الخيارات الدبلوماسية ستؤدي إلى خسارته الانتخابات القادمة.
أميركا.. حرب خاسرة ومغالطة التكلفة الغارقة
على الجانب الآخر من الأطلسي، تتراكم التقارير والتقييمات التي تعترف بأن الحرب على إيران لم تحقق أهدافها المعلنة. الأهداف الكبرى التي أقنعت واشنطن بشنّ هذه الحرب – منع طهران من امتلاك سلاح نووي، وتفكيك قدرتها على لعب دور إقليمي مؤثر – بقيت عصيّة على التحقيق، رغم كل الضربات والغارات. والأكثر إيلاماً أن إيران لا تزال تحتفظ بما يقارب 70% من قدراتها الصاروخية التي كانت تمتلكها قبل الحرب.
كما تطرح بعض القراءات الاستراتيجية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تواصل واشنطن تصعيدها العسكري محاولةً "إنهاء المهمة" التي بدأتها، أم تتراجع لتحد من حجم الخسائر التي تتضاعف مع كل يوم قتال؟
هنا تبرز معضلة استراتيجية قديمة – جديدة: "مغالطة التكلفة الغارقة". إنها ذلك الميل البشري إلى مواصلة الاستثمار في مشروع فاشل لمجرد أننا أنفقنا عليه الكثير من الأرواح والأموال. القادة يجدون صعوبة في الاعتراف بأن الحرب التي أشعلوها قد تكون خاسرة، فيواصلون القتال ليس لأنهم يرون طريقاً إلى النصر، بل لأن الانسحاب يعني الاعتراف بفشلهم.
لكن التاريخ يحذّر: الاستمرار في حرب خاسرة لا يحفظ المصداقية، بل يهدرها. في فيتنام، في العراق، في أفغانستان، تعلّمت أميركا أن الإصرار على القتال بعد فوات الأوان لا يمنحها هيبة، بل يستهلك قوتها، ويُفقدها إرادتها، ويجعلها أكثر تردداً في مواجهة تحديات المستقبل. وها هي اليوم تخوض في إيران تجربة جديدة، لكنها تُعيد إنتاج ذات الأخطاء.
ميزان الإرادة: لماذا تصمد إيران وتتعب أميركا؟
في المقابل، تقف إيران بثبات، تنظر إلى المشهد بوعي استراتيجي، وتدرك أن المعركة ليست مجرد قصف وضربات، بل هي اختبار للإرادة قبل أن تكون اختباراً للقوة. فبالنسبة لإيران، الحرب ليست خياراً، بل هي دفاع عن وجودها، وعن سيادتها، وعن مشروعها الإقليمي الذي بنته بعقود من الصبر والتخطيط.
أما بالنسبة لواشنطن، فالرهانات مختلفة. فالحرب، بالنسبة لأميركا، هي مغامرة باهظة التكلفة، لا تحقق لها مكاسب استراتيجية واضحة، وتستنزف خزينتها، وتُفقدها هيبتها الدولية. والأهم، أن الشعب الأميركي لا يرى في هذه الحرب ضرورة وجودية، ولا يرغب في دفع المزيد من الأموال والدماء من أجلها.
لهذا السبب، يظل ميزان الإرادة في صالح إيران. فهي مستعدة للصمود طويلاً، لأن الحرب بالنسبة لها مسألة بقاء، بينما هي بالنسبة لأميركا مجرد خيار يمكن التراجع عنه. وهذا ما يفسر لماذا تصمد إيران، وتتعب أميركا، وتتساقط الأقنعة واحداً تلو الآخر.
فضائل الهزيمة السريعة.. دروس من التاريخ
تقدم التجارب التاريخية قراءة لافتة في هذا السياق، حيث تثبت حروب فيتنام والعراق وأفغانستان أن الانسحاب السريع من حرب غير قابلة للانتصار قد يكون قراراً استراتيجياً أكثر حكمة من الاستمرار فيها.
ففي فيتنام، لو انتهت الحرب عام 1969 بدلاً من 1973، لكان بالإمكان إنقاذ أكثر من 21 ألف جندي أمريكي، مع الوصول إلى النتيجة نفسها. وفي أفغانستان، ضاعف أوباما الانخراط العسكري عبر إرسال تعزيزات، لكن كابول سقطت في النهاية بيد طالبان عام 2021.
أما الفائدة الثانية للانسحاب المبكر، فهي الحفاظ على القدرات العسكرية لمواجهات مستقبلية. فالولايات المتحدة أنفقت بالفعل نسباً كبيرة من مخزونها من الذخائر المتطورة، بما في ذلك نصف مخزونها من صواريخ باتريوت الاعتراضية وصواريخ توماهوك، خلال الأشهر الأولى فقط من الحرب. والسنوات التي ستستغرقها إعادة بناء هذا المخزون ستضعف قدرة الردع الأمريكية على المدى القريب والمتوسط.
بين الحرب والسلام.. مأزق نتنياهو وترامب
في النهاية، لا يبدو أن ثمة أفقاً سياسياً يلوح في مدى نتنياهو المنظور. فالرجل الذي قاد الحرب ألف يوم، ولم يعد يملك ترف الخيارات المفتوحة، يقف اليوم على حافة الانتخابات كما يقف على حافة الهاوية، يبحث عن خلاصه الشخصي في الخراب العام. الحرب بالنسبة له لم تعد فقط أداة لتحقيق أهداف استراتيجية، بل صارت الغاية في حد ذاتها: ملاذاً يلوذ به من استحقاقات التحقيق والمساءلة، ومن لعنة صناديق الاقتراع التي تتربص به.
أما في واشنطن، فالرئيس ترامب يجد نفسه محاصراً بين خيارين كلاهما مؤلم: إما التصعيد والمخاطرة بفقدان المزيد من الجنود والأموال، أو الانسحاب والاعتراف بالهزيمة. والواقع أن الولايات المتحدة، وفق ما تذهب إليه العديد من القراءات الاستراتيجية، هي الخاسر الأكبر في هذا الصراع، ومن الأفضل لها الاعتراف بهذه الحقيقة عاجلاً بدلاً من تأجيلها، لأن كل يوم إضافي من القتال يعني مزيداً من الاستنزاف، ومزيداً من تراجع المكانة، ومزيداً من إثبات أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع النصر.
الهروب من الهزيمة
ما يجمع المشهدين – "الإسرائيلي" والأميركي – هو مفارقة واحدة، تتلخص في أن "الحرب التي بدأت بهدف الحسم، تحولت إلى هروب من الهزيمة".
ففي "إسرائيل"، يراهن نتنياهو على التصعيد كي ينقذ مستقبله السياسي، متجاهلاً الاستنزاف الداخلي والخارجي الذي ينهش جبهته الخلفية. وفي أميركا، يراهن ترامب على استمرار القصف لتفادي الاعتراف بالفشل، متناسياً أن الاستمرار في حرب خاسرة لا يحفظ المصداقية، بل يستهلك القوة ويُفقد الإرادة.
أما إيران، فتصمد، وتنتظر، وتدرك أن معادلة النصر لا تقاس بعدد الصواريخ، بل بمن يملك القدرة على الصبر، ومن يمتلك مشروعاً يبرر له الاستمرار. إيران تعرف أن الحرب ليست لعبة أرقام، بل هي اختبار للإرادة قبل أن تكون اختباراً للسلاح.
وفي النهاية، يبقى الدرس أن الحرب ليست وسيلة لتحقيق النصر، بل يمكن أن تكون طريقاً للهزيمة، إذا أدارها قادة يبحثون عن خلاصهم الشخصي في خراب الآخرين، ويستعرون من النهار ليهربوا من أسئلة الليل.
/إنتهى/