عندما يكون الإنفاق استنزافاً: أميركا تخسر حربها على إيران

أمل شبيب

 

في مشهد يعكس حجم المأزق الأميركي في إيران، وقف وزير الحرب بيت هيغسيث أمام الكونغرس للمرة الثالثة خلال أسابيع، ليس ليعلن نصراً جديداً، بل ليطلب "87 مليار دولار" إضافية لتمويل حرب لم تحقق أهدافها، وتستنزف خزينة أميركا، وتفقد واشنطن هيبتها الدولية.

هذا الطلب، الذي يأتي بعد أيام من إعلان هيغسيث أن تكلفة الحرب بلغت 37.5 مليار دولار، يكشف عن حقيقة صادمة: "أميركا تخوض حرباً بلا استراتيجية، وتدفع فاتورة بلا نهاية، وتواصل القتال ليس لأنها تريد النصر، بل لأنها تريد تجنب الاعتراف بالهزيمة".

لكن المفارقة الأعمق هي أن هذه الحرب لا يواجهها فقط صمود إيران، بل أيضاً "رفض داخلي غير مسبوق" داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث يتسع الشرخ بين الإدارة والشعب، وبين الحزب الجمهوري نفسه، وحيث تتحول الحرب من اختبار عسكري إلى أزمة سياسية واقتصادية تهدد مستقبل الإدارة الأميركية، وتضع واشنطن في مواجهة مع شعبها قبل أن تكون في مواجهة مع إيران.

 

 معضلة الكونغرس: بين استنزاف الجيوب وانهيار الهيبة

يواجه الكونغرس الأميركي معضلة حقيقية لا حل لها، فهو بين خيارين كلاهما مرّ:

-  رفض التمويل:  يعني تعريض العمليات العسكرية للخطر، والإضرار بقدرة القوات الأميركية على مواصلة القتال، وتراجع هيبة واشنطن في المنطقة، وترك القوات العسكرية في مأزق خطير، مع ما يعنيه ذلك من خسائر إضافية في الأرواح والمعدات.

- الموافقة على التمويل: يعني الاستمرار في حرب استنزاف لا نهاية لها، وزيادة العبء على الموازنة الفدرالية، وتغذية انتقادات الديمقراطيين الذين يرون في هذه الحرب "مغامرة غير مدروسة"، وتحميل دافع الضرائب أعباء إضافية لا طاقة له بها، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأميركي من تضخم وتباطؤ.

السيناتور جاك ريد عبّر عن هذا التناقض بوضوح، قائلاً إن الكونغرس يجد نفسه مضطراً لمناقشة تمويل إضافي بعد اندلاع مواجهة لم تحقق نتائج واضحة، في وقت تحتاج فيه قطاعات أمريكية أخرى إلى دعم مالي متزايد. وأضاف في تصريح لصحيفة "واشنطن بوست": "نحن نناقش تمويل حرب لا يعرف أحد متى تنتهي، بينما ينتظر الملايين من الأميركيين دعماً صحياً وتعليمياً، والبنية التحتية لبلدنا تنهار، ونحن ننفق المليارات على قصف مدن إيرانية".

 

الغضب الشعبي يواجه حرب ترامب

لم تقتصر معارضة الحرب على جدران الكونغرس، بل امتدت إلى شوارع أميركا، حيث خرجت مظاهرات "لا للملك" في أكثر من 3300 موقع، في مشهد يعكس حجم الغضب الشعبي ضد سياسات ترامب، وضد حرب يراها الأميركيون "غير ضرورية" و"مكلفة". هذه المظاهرات، التي شارك فيها مئات الآلاف من الأميركيين، لم تكن مجرد احتجاجات عابرة، بل كانت تعبيراً عن حالة من الاستياء الشعبي العميق من سياسة خارجية تعتمد على الحروب بدلاً من الدبلوماسية.

فبحسب استطلاع للرأي أجرته شبكة CNN، يعتبر 68% من الأميركيين أن الحرب على إيران "لا تستحق الخوض فيها" ، وهي نسبة تتفوق على معارضة حربي العراق وأفغانستان في ذروتهما. وهذا الرقم يعكس تحولاً دراماتيكياً في المزاج العام الأميركي، حيث لم تعد الحروب تحظى بالدعم الشعبي الذي كانت تحظى به في الماضي.

أما استطلاع مشترك لـ"واشنطن بوست" و"إبسوس"، فقد أظهر أن "أكثر من 60% من الأميركيين يعتبرون الحرب "خطأ"،  وذلك بعد أقل من شهرين من انطلاقها، وهي سرعة غير مسبوقة في التحول الشعبي ضد أي حرب أميركية. وهذا يعني أن إدارة ترامب تخوض حرباً لا تحظى بتأييد شعبي، وهو ما يضعها في موقف ضعف أمام الكونغرس والرأي العام.

 

تمرد جمهوري على ترامب: حرب إيران تهدد سيطرتهم على الكونغرس

الأكثر إثارة هو أن الانقسام حول الحرب لم يقتصر على الديمقراطيين، بل امتد إلى الحزب الجمهوري نفسه، حيث بدأ بعض أعضاء الكونغرس الجمهوريين بالتساؤل عن جدوى الاستمرار في الحرب، وتأثيرها على فرص الحزب في الانتخابات النصفية المقبلة.  فالحرب، التي كان يُفترض أنها ستكون ورقة رابحة لترامب، تحولت إلى عبء سياسي يهدد بفقدان الجمهوريين للسيطرة على الكونغرس.

وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإن قادة الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ بدأوا يشعرون بالقلق من استمرار الحرب، خاصة مع ارتفاع عدد الضحايا الأميركيين، واتساع رقعة القتال، وازدياد التكلفة المالية. بعض هؤلاء القادة بدأوا بالتلميح إلى ضرورة إيجاد مخرج للحرب، أو على الأقل، تحديد سقف زمني للعمليات العسكرية.

 

رواتب الجنود قبل الذخائر: أميركا تستجدي الكونغرس لدفع أجور عسكرها

لم يطلب البنتاغون الميزانية مجرد حزمة تمويل عسكرية إضافية، تُخصص لشراء الذخائر وتطوير الأسلحة. لكن خلف هذا الرقم الضخم، تختبئ حقيقة أكثر إيلاماً: أموال هذه الحزمة مطلوبة أيضاً لدفع رواتب الجنود الأميركيين، وتأمين إعاشتهم في قواعد عسكرية بعيدة، وصيانة معدات تُستنزف يومياً في ساحات قتال لا تُرى نهايتها.

في جلسات الاستماع أمام الكونغرس، لم يطلب وزير الحرب هيغسيث أسلحة فقط؛ بل حذّر بوضوح من أن الخزينة العسكرية أصبحت فارغة، وأن البنتاغون عاجز عن تأمين مستحقات الجنود المنتشرين في المنطقة. 

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: أميركا التي تتصدر إنفاق العالم على التسليح، تطلب اليوم من الكونغرس أن يقرر ما إذا كان الجنود سيحصلون على رواتبهم أم لا. أميركا التي تزعم أنها تدافع عن الحرية، تجد نفسها عاجزة عن دفع أجور من يحملون السلاح باسمها. الحرب التي بدأت بـ"النصر السريع" أصبحت اليوم أزمة كرامة لجنود ينتظرون في صمت.

إنها ليست مجرد أزمة ميزانية؛ إنها أزمة إنسانية، وأخلاقية، وسياسية. فعندما تطلب إمبراطورية عظمى المال كي تدفع لجنودها، فهذا ليس فشلاً مادياً فقط، بل فشل في إدارة الحرب، وفي إدارة هيبتها، وفي إدارة وعودها لمن يضحون بحياتهم.

 

أرقام تصرخ.. وإيران صامدة: 87 ملياراً تستنزف أميركا، ولا تغيّر شيئاً في طهران

87  مليار دولار" هي قيمة حزمة التمويل الطارئة التي يطلبها البنتاغون.

37.5 مليار دولار هي التكلفة المقدرة للحرب حتى نهاية سبتمبر/أيلول المقبل، بزيادة 8 مليارات عن آخر تقدير.

100 مليار دولارهي التكلفة المتوقعة إذا استمر القتال بالمستوى الحالي.

80% من التمويل المطلوب يخصص لتغطية العمليات العسكرية المباشرة.

نقص حاد  في الذخائر والأسلحة الدقيقة يتطلب تسريع الإنتاج وتعويض ما استُهلك في ساحات القتال.

 

أرقام تتحدث عن نفسها: أميركا تنفق المليارات، وتستنزف مخزونها من الذخائر والأسلحة الدقيقة، وتفقد جنودها، والنظام الإيراني لا يزال صامداً، بل أقوى مما كان عليه قبل الحرب. وهذا النقص في الذخائر يثير مخاوف حقيقية حول قدرة أميركا على خوض حرب طويلة، خاصة مع تزايد الطلب على الأسلحة في ساحات القتال الأخرى حول العالم.

 

 مليارات تُحرق.. وأهداف تتحطم

المفارقة الأكبر تكمن في أن الإدارة الأميركية تطلب تمويلاً إضافياً، بينما تعترف بأن العمليات العسكرية لم تحقق أهدافها الاستراتيجية:

-القضاء على البرنامج النووي الإيراني؟  لم يتحقق.

- إضعاف الميليشيات الإقليمية التابعة لطهران؟ لم يتحقق.

- تغيير النظام؟  لم يتحقق.

-  إجبار إيران على وقف الملاحة في مضيق هرمز؟ لم يتحقق.

-  إجبار إيران على التفاوض من موقف ضعف؟ لم يتحقق.

فما الذي تحققه أميركا إذن؟ الجواب: لا شيء سوى استنزاف نفسها، وإثبات أنها لم تعد القوة العظمى التي كانت عليها.

وزير الحرب هيغسيث نفسه اعترف بأن طهران ما زالت تحتفظ بجزء من قدراتها العسكرية، وأن الحصار البحري الذي وصفه بـ"الفعال" لم يمنع إيران من مواصلة عملياتها في المضيق. وهذا الاعتراف يعكس فشل الاستراتيجية الأميركية التي راهنت على القوة العسكرية لتحقيق أهدافها.

 

ترامب بين سندان التصعيد ومطرقة الانسحاب

في هذا السياق، تتصاعد الدعوات داخل الكونغرس للحد من صلاحيات الرئيس، حيث قدم الديمقراطيون مشروع قرار لوقف الحرب، لكنه فشل في التقدم بسبب التقسيم الحزبي. ومع ذلك، فإن الضغوط تزداد مع تقدم الحرب، ومع تزايد الحديث عن إرسال قوات برية، مما يهدد بتفكك الدعم الجمهوري.

المفارقة أن ترامب نفسه، الذي بدأ الحرب بثقة، أصبح اليوم محاصراً بين خيارين: إما التصعيد والمخاطرة بفقدان المزيد من الجنود والمال، أو الانسحاب والاعتراف بالهزيمة. وكلا الخيارين مؤلم سياسياً لرئيس يسعى لإعادة انتخابه.

 

 عندما يتحول الإنفاق العسكري إلى هزيمة إنسانية

 87مليار دولار لإنقاذ هيبة واشنطن، لكن الهيبة لا تُشترى بالمال، بل بالحكمة، والاستراتيجية، والاعتراف بالواقع. وأميركا، التي راهنت على المال لتعويض فشلها، ستكتشف أن المال لا يشتري النصر، ولا يعيد الكرامة.

في النهاية، يبقى الدرس الذي تعلّمه أميركا في إيران: القوة العسكرية وحدها لا تصنع النصر، والمال وحده لا يشتري الاستقرار، ومن يشن حرباً بلا استراتيجية، يخسرها قبل أن تبدأ. وإذا استمرت الحرب بهذا المنوال، فإن أميركا ستجد نفسها في مواجهة مع شعبها قبل أن تكون في مواجهة مع إيران، وستكون الهزيمة الأكبر هي هزيمة هيبتها ومصداقيتها في العالم.

 

/إنتهى/