وكالة تسنيم الدولية للانباء:
كانت طهران منذ ساعات الفجر الأولى على غير عادتها؛ مدينة كأنّ جميع شوارعها تصبّ في وجهة واحدة. كان فيض الجموع يتدفق من كل حدب وصوب نحو المصلّى؛ كبيرهم وصغيرهم، رجالهم ونساؤهم، أطفال على أكتاف آبائهم، وشيوخ يتوكؤون على العصا ولكن بقلوب ثابتة يخطون الخطى. وكأنّ أحداً لم يشأ أن يغيب عن هذا الوداع الأخير.
فضاء المصلّى مشوب بالدموع والدعاء والصمت. صمت يخترقه بين الحين والآخر همس الصلوات على النبي (ص)، وتلاوة القرآن، ونشيد "اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيراً". والدموع تنساب لا إرادياً على الخدود، والأنظار شاخصة نحو التوابيت، كل واحد منها يحكي فصلاً من فصول الإيثار والتضحية.
كان الزحام شديداً بحيث لم يبق مكان للوقوف. من أسطح المباني المجاورة إلى أقصى نقاط المصلّى، لم يكن يُرى سوى مشهد واحد؛ بشر جاءوا ليهمسوا بقلوب مفطورة آخر سلام.
وفي وسط هذا البحر البشري، تتشكل لوحات ستبقى في ذاكرة التاريخ سنين؛ أبناء وقفوا بأعين دامعة إلى جوار جثامين آبائهم، وأيد رُفعت إلى السماء، وشفاه تهمس بصمت بالدعاء لراحة أرواح الشهداء.
وحالما بدأت الصلاة، عمّ المصلّى صمت عميق. رفع آلاف الأشخاص أيديهم معاً بالتكبير؛ لحظة لم يُسمع فيها سوى صوت إمام الجماعة وصوت شهقات الباكين. وكأنّ الزمان توقف عن الحركة.
لكن هذا الوداع لم يكن مجرد مراسم تأبين؛ بل كان مشهداً من مشاهد التلاحم الشعبي، جاء الناس فيه ليثبتوا أن ربطهم بالمبادئ لا ينقطع برحيل القائد. ترددت الهتافات واحدة تلو الأخرى وسط الجموع، وكل موجة من الحضور كانت تنقلها إلى أخرى.
وكان كثير من الحاضرين يشبهون هذا التجمع بمسيرة الزيارة الأربعينية العظيمة؛ ليس من حيث عدد الحشود فحسب، بل من حيث الأجواء الروحية. الدموع، والدعاء، والصمت، والحب، والوفاء، كلها شكلت فضاءً يذكّر بأعظم التجمعات الدينية.
همس شيخ يتوكأ على عصاه بهدوء قائلاً: "جئت لألقي سلامي الأخير". وإلى جانبه، كان فتى يحمل راية ويذرف الدموع بصمت. أما أم فاحتضنت طفلها الصغير وحدثته عن رجال سيبقى اسمهم خالداً في التاريخ.
استمرت المراسم في بهاء ممزوج بالحزن. أخذت الجموع تنساب شيئاً فشيئاً خارج المصلّى، لكن لم يشعر أحد بأن النهاية قد حلت؛ وكأنّ هذا الوداع كان بداية فصل جديد من رواية وفاء أمة.
طهران لم تعد اليوم مجرد مدينة؛ بل روايةً من دموع، وإيمان، وذكرى، وأمل. مدينة اكتست لون الأربعين لساعات، ورسم أهلها بقلوب حزينة ولكن ثابتة مشهد الوداع الأخير؛ مشهد يذكّر قبل أي شيء بقوة التضامن والرابطة العاطفية للأمة بقائدها الشهيد.











