تركيا بعد ايران...
- الأخبار الشرق الأوسط
- 2026/06/30 - 15:45
ومع تصاعد الخطاب الإسرائيلي ضدها، تبقى العلاقة معها أشبه بمنطقة رمادية تعيد رسم نفسها بهدوء، بعيداً عن الصدام المعلن لكن قريباً من إعادة تعريف النفوذ في إقليم لا يعرف الاستقرار.
تركيا ليست خارج الحسابات، لكنها ليست في قلب المواجهة المباشرة أيضاً. هي في قلب الإقليم، لكنها ليست دولة عادية على الخريطة، هي عقدة توازن تتحرك بين خطوط تماس متعددة، وتعريفات مختلفة للنفوذ. في السياسة، التصريحات لا تأتي منفصلة، بل تتراكم بصمت، ثم تظهر دفعة واحدة في العلن، لذلك حين تُقرأ التصريحات الإسرائيلية بعد مرحلة التصعيد مع إيران، فإن المسألة لا تتعلق بكلمات منفردة، بل بإيقاع كامل يتحرك في المنطقة.
في بعض الخطابات السياسية الإسرائيلية، خصوصاً المتعلقة بنفتالي بينيت، تم توصيف تركيا بأنها "إيران الجديدة"، في إشارة إلى تصاعد دورها الإقليمي بعد مرحلة إيران، ولم يكن بينيت الوحيد في تصعيد الخطاب ضد تركيا، ففي 27 فبراير 2026، دعا وزير الدفاع الأسبق يوآف غالانت الدول الغربية لإعادة النظر في صفقات الأسلحة مع أنقرة، رغم أن تركيا عضو في الناتو وثاني أكبر جيش في الحلف، وفي 12 مايو 2026، أعلن جدعون ساعر أن حكومته ستقدم اقتراحاً للاعتراف بـ"الإبادة الأرمنية" أمام الكنيست، في خطوة وصفت بأنها "ستؤجج التوتر مع تركيا".
أما على الأرض، ففي 3 أبريل 2026، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن خطة لإنشاء منطقة عازلة في جنوب سوريا لمنع النفوذ التركي من الاقتراب من الحدود الفلسطينية، في مشهد يعكس تنافساً على الأرض بين التمدد الإسرائيلي جنوباً والتركي شمالاً، وسط فراغ سوري يطرح أسئلة حول ما إذا كانت هذه الساحة ستظل ساحة نفوذ متوازن أم نقطة احتكاك مباشر. وفي تصعيد لافت، هدد إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، الرئيس أردوغان خلال مقابلة تلفزيونية في فبراير 2026، قائلاً: "أردوغان يهدد؟ دعه يحاول. إذا حاول، سنقضي عليه".
تهديد لم يُستنكر رسمياً، مما يعطي انطباعاً بأنه يعكس مقبولية داخل الدوائر السياسية الإسرائيلية. هذا الخطاب يعكس تحولاً في طريقة قراءة بعض الدوائر السياسية الإسرائيلية لموقع تركيا داخل معادلة النفوذ الإقليمي، ففي السنوات الأخيرة، تغيّر الخطاب من "خصم محدد" إلى مفهوم أوسع: "بيئة تهديد إقليمي"، وهذا التغيير فتح باب التأويل: من هو داخل الحسابات، ومن هو على أطرافها؟ في هذا السياق، ظهرت قراءات إعلامية وتحليلات تعتبر أن تركيا باتت لاعباً إقليمياً متوسع النفوذ، في سوريا، وشرق المتوسط، والقوقاز، وبعض هذه القراءات ذهبت أبعد، ورأت أن التنافس في المنطقة لم يعد محصوراً بطرف واحد فقط، لكن المشهد الحقيقي لا يتحرك في مستوى واحد، فهناك خطاب رسمي، وخطاب إعلامي، وهناك تحليل استراتيجي يستشرف المستقبل، وكل مستوى منها لا يعيش بمعزل عن الآخر.
وهنا تبدأ المنطقة بالضبابية، حين يصبح الفرق بين الوصف والتحليل والتوقع غير واضح تماماً، والسؤال لم يعد: ماذا قيل؟ بل: كيف يُصنع المعنى حول ما قيل؟ وكيف يمكن لهذا المعنى أن يعيد تشكيل إدراك الأدوار والنفوذ في الإقليم؟ اليوم، العلاقة بين أنقرة والكيان الإسرائيلي ليست صداماً مباشراً، وليست علاقة طبيعية بالكامل أيضاً، هي مساحة تقاطع: طاقة، نفوذ، تحالفات، وساحات مفتوحة على أكثر من اتجاه، وفي النهاية، لا تبدو الصورة كتهديد معلن، بل كمنطقة تعيد رسم نفسها بهدوء، حيث الكلمات قد تكون أوسع من الأفعال، والتحليل قد يتحول إلى جزء من صناعة الواقع، لا مجرد تفسير له.
ويبقى السؤال الأخير: هل ما نراه اليوم مجرد خطاب وتلميح؟ أم أننا نقترب من لحظة تتحول فيها الإشارات إلى أفعال، حين تتغير قواعد اللعبة في الإقليم؟ تركيا ليست خارج الحسابات، لكنها ليست في قلب المواجهة المباشرة أيضاً، لكنها، في كل الأحوال، في قلب الإقليم، وليست دولة عادية على الخريطة، وهذا ما يجعلها دائماً محوراً للقراءة والتحليل، وأداةً لإعادة تعريف التوازنات في منطقة لا تعرف الاستقرار.
/إنتهى/