ناميرا "الأبدي"|دفاع الكاتب المسيحي الحاسم «إلياس الهاشم» عن سلاح حزب‌الله

أمل شبيب

 

 

في حوار صريح وجريء، يطرح الكاتب والشاعر إلياس الهاشم في حوار خاص مع وكالة تسنيم رؤية مغايرة للمشهد اللبناني والعربي، متمسكاً بلبنان "العيش المشترك" وليس مجرد "التعايش"، منطلقاً من رفض منطق التقسيم الطائفي ليؤكد أن المقاومة هي "درع الأرض المشترك" وليست حماية لفئة دون أخرى، بل هي حقٌ مشروع لكل إنسان يواجه احتلالاً.

 

المقاومة: درع الأرض المشترك، فوق الانتماءات الطائفية المسيحية والمسلمة

من الخيار المسيحي بين من يعترفون أن المقاومة حماية لوجودهم في الشرق وبين ما يخالف هذه الآراء بدأنا الحوار مع الهاشم مشيراً أن المقاومة حق مشروع لكل إنسان على هذه الأرض، طالما أن هناك ظلماً وطالما أن هناك احتلالاً، فهناك مقاومة مشروعة، فالمقاومة كما عبّر الهاشم ليست فئة من الناس تدافع عن فئة أخرى؛ المقاومة تدافع عن الأرض التي احتُلّت، وعن الأرض التي دنِّست، هذه الأرض أرضنا نحن كلبنانيين سواء كنا "محمديين" أم "مسيحيين" – وأنا لا أقول مسلمين ومسيحيين، بل أقول محمديين ومسيحيين لأننا كلنا مسلمون لرب واحد، والمسألة هنا أن المقاومة لا تحمي فئة من الناس، بل تحمي الأرض وتحمي الوطن ضد الاعتداء من العدو، وليست فقط لحماية الجنوب، بل المقاومة تحمي كل إنسان من العدو الذي يغتصب الأرض ويغتصب الحرية، ولا يفرق بين طائفة وأخرى أو بين مذهب وآخر. فالذين قُتلوا، اختلطت دماء المسيحيين والمحمديين على أرض واحدة؛ لذلك يجب أن يكون الدفاع من أجل الأرض وليس من أجل فئة من الناس.

 

الاحتلال هو السؤال.. والمقاومة هي الجواب الوحيد

وحول سؤال عن ما الذي يمكن أن يخسره لبنان  لو تخلّى عن سلاح المقاومة اليوم، بدأ إلياس الهاشم بالسؤال عن أهمية وجود السلاح ولماذا نبدأ بالحديث عن مشكلة ان وًجدت ولا نصنّف بداياتها، فهذا السلاح وُجد لأن هناك احتلالاً، لأنه كان هناك احتلال اغتصب أرضاً لبنانية وقتل شعباً، وفي مقابل هذا الإحتلال قامت المقاومة شرعياً، ويجب أن تكون في وجه الاحتلال. إذا اغتصب بيتي وأرضي فأنا أقاومه، أياً كان، لذلك فإن السلاح هو الكرامة، هو حفاظ على الوجود. أنا لا أتحدث إن زوال سلاح المقاومة أو سحبه، أنا أقول: طالما أن هناك احتلالاً فالسلاح موجود، بل لماذا لا نقول: متى ينسحب الاحتلال من أرضنا، لنقول للسلاح "قف"؟ ولكن طالما أن الأرض محتلة، فالسلاح موجود.

 

 التطبيع مع المحتل خيانة للدم.. والأنظمة قد تصافح من اغتصب الأرض، أما الشعوب فلا تنسى

وفي الحديث عن مشهد التطبيع الإسرائيلي مع بعض الدول العربية وأثره على لبنان، رأي الهاشم أنه كشاعر وكاتب وقارئ ومثقف، التطبيع هو من فعل "طَبَّع"، أي صرت من طبعه، الدول ترى مصالحها في التطبيع وترى الشراكة مع المطبِّعين، ولكن إذا طالبنا بالتطبيع، فمع من نطالب بالتطبيع؟ كيف أطبع مع الذي احتل أرضي وقتل أهلي وأولادي وهدم كنائسي ومساجدي وبيتي؟ وعلى أي أساس يُطرح التطبيع؟ مسألة السلام شيء ومسألة التطبيع شيء آخر. الأنظمة قد تطبع مع العدو، ولكن لا أعتقد أن الشعوب تطبع معه.

 

 لبنان في خطر.. والدفاع عنه واجب كل لبناني شريف

ولأن لبنان للجميع كان السؤال حول إستعداد المسيحيين في لبنان لدعم حرب دفاعية إذا شن الكيان الإسرائيلي حرباً جديدة، وفي هذا قال الهاشم أن كل إنسان شريف على هذه الأرض، مسيحي أو غير مسيحي، مسيحي أو محمدي، سني أو شيعي، من كل الطوائف، يعلم أن هذا العدو يريد محو لبنان وقتل كل من يحمل الهوية اللبنانية، ومن يقف مع المقاومة من أجل استرداد الأرض هو كل إنسان شريف بغض النظر إن كان مسيحياً أو غير مسيحي. ولكن واقعياً، بعض الأصوات تقول إنه يجب أن نميل إلى السلام لأن المسألة هي مسألة تفوق عسكري لدى العدو الإسرائيلي، ونحن لسنا بهذا الصدد.، ولكن المسألة أنه عندما تكون الأرض مهددة والحدود مهددة ووجودنا مهدد، نعم يجب أن نكون سوية في مواجهة هذا العدو.

 

لبنان رسالة "عيش مشترك" إلى العالم.. والتحدي هو في إسكات أصوات الفتنة وفتح قلوبنا لبعضنا

وعن التحدي الأكبر الذي يواجه التعايش اليوم بين جميع الطوائف في لبنان توقّف الهاشم عند عبارة "التعايش" مشيراً الى أنه يجب القول "عيش واحد" أو "عيش مشترك"، ذلك أن المسألة في لبنان، وهذا البلد هو بلد رسالة ونموذج لكل طوائف العالم،  ففي لبنان ما تجده لا تجده في دول أخرى. هنا في هذه المنطقة أرض انتشرت عليها حرية الدين والأديان، المسيحي يتعرف إلى أخيه المحمدي، والمحمدي الشيعي والسني والدرزي يتعرف إلى أخيه المسيحي، وما يجمعنا لبنان ويجمعنا الله في العبادة، كلنا نعبد الله، كلٌ على طريقته. أحترم طريقتك في العبادة وأحترم طريقتي في العبادة، وكلنا نعبد الله الواحد الأحد، والمشكلة هي عدم انفتاحنا على بعضنا البعض، المشكلة أننا نسمع للأفكار التكفيرية وللأصوات النشاز التي تدفع بها الصهيونية العالمية لتعيث في المجتمع اللبناني المسيحي والمحمدي، وتعطي الفتن وتغذيها.

وهذا يجب أن نقف في وجهه، لهذه الأصوات النشاز معترفين بإنتهاء دورها،  ومن واجبي كمثقف أن أنقل المسيحية إليك، وأنت تنقل القرآن لي، لأن القرآن هو كتاب الله، كتاب الله الذي كل الخير فيه، فلماذا لا نحتكم إلى الخير، ودائماً نسمع صوت القتل والتدمير والفتن؟ أنا كمسيحي أرى أنه من واجبي أن أكون مع أخي المحمدي في هذا الوطن لأنه أخي، عملاً بقول سيد المسيح (ع): "كلكم إخوة"، وعملاً بقول الإمام علي (ع): "الناس صنفان: إما نظير لك في الخلق، أو أخ لك في الدين". يجب أن نتعرف على بعضنا البعض، ننفتح على بعضنا البعض، نتعامل مع بعضنا البعض بكل محبة وبكل أخوة، ونبقى على شرعنا. لا نريد من أحد أن يصبح مسيحياً، ولا أريد من أحد أن يصبح محمدياً، فكلنا عيال الله.

 

 المسيحي الحقيقي: ينتمي للإنسانية قبل الانتماء السياسي.. والخلط بينهما خدمة لأصحاب الفتن

وفيما يتعلق بمعنى "المسيحي الموالِي" في الوقت الذي يذهب فيه "البعض" نحو التحالف مع الغرب بدأ الهاشم حديثه بالفصل بين "المسيحي" وبين "السياسي المسيحي"، فالمسيحي الذي يطبق تعاليم سيد المسيح (ع) لا يميل إلى الظلم ولا يميل إلى الغرب أو إلى الشرق، مستشهداً بكلام نبي الله عيسى (ع) بقوله: "كلكم عيال الله"، وأن سيد المسيح (ع) يقول: "كنت جائعاً فأطعمتموني، وعرياناً فكسيتموني وغريباً فأويتموني"، لذلك كيف أكون مسيحياً بما يتناسب مع الإنسانية ولا أكون مسيحياً مع ما يتناسب مع السياسة؟ الخلط ممنوع. ولكن هناك صهيونية داخل المسيحية وداخل المحمدية تعمل على الفتن، ونجد بعض الأصوات المسيحية وأصوات المحمدية كلها تقوم بالمعارضة من أجل المكاسب الشخصية أو الحزبية أو السياسية، لذا واجبنا التفريق بين السياسة وبين كوني مسيحياً أتبع المسيح (ع).

 

 المقاومة رديف الجيش.. والوطن لا يُدفَع ثمنه بدماء منطقة واحدة

ومن الحديث عن المسيحية الى الرؤية لمستقبل لبنان في ظل توازن بين الدولة والمقاومة اجاب الهاشم متسائلاً عن إنتماء هذه المقاومة التي هي من أبناء الوطن وهي الشريحة التي دفعت الدم في لبنان مؤكداً ان الجميع في لبنان اليوم أمام  معضلة كبيرة لان هؤلاء المقاومون هم أبناؤنا، هم أهلنا، هم أهل الجنوب، والجنوب ليس منفصلاً عن لبنان ولا يجب فقط على الجنوب أن يدفع فاتورة الوطن وأن يستشهد ابن الجنوب ويُقتل ابن الجنوب وتُحتَل أرض الجنوب، ومن هنا لا بد من إعتبار المقاومة رديفاً لسلاح الشرعية اللبنانية، ويجب أن يكون هذا السلاح في خدمة الوطن والشعب اللبناني، لأن هذه الأرض ليست لفئة من الناس، والجنوب ليس للشيعة، الجنوب ليس للمسيحيين، الجنوب ليس للسنة، الجنوب لكل لبنان وكلنا يجب أن ندافع عن هذه الأرض، كلنا يجب أن ندافع عن كل شبر وكل تراب من لبنان. يجب أن تكون هذه المقاومة ظهيراً للقوة المسلحة اللبنانية، وأن يكون هذا السلاح هو الرادع الأساسي للإحتلال.

 

بين السلام المستحيل والمقاومة الواجبة..المقاومة أعطت لبنان هويته وصانت كرامته

أما فيما يتعلق بماذا تقدّم المقاومة للبنان هذه المقاومة التي تقف أمام الإسرائيلي والأميركي، اجاب الهاشم أنه لولا المقاومة لما اعترف العالم بلبنان وبجنوب لبنان، ولم ترسل الأمم المتحدة جيشاً (يعني جيش الأمم المتحدة) إلى الجنوب إلا من خلال هذه المقاومة، ولولا هذه المقاومة لكان لبنان مثل أي دولة مطبِّعة مع "إسرائيل" وتوقع إتفاقية السلام وإلى آخره، لذا نحن لنا حق في أن ندافع عن أرضنا،  وعملية السلام بيننا وبين أعدائنا تقوم على احتفاظنا بحقنا، وأن نكون مع سلام مع عدونا، هذا مطروح، فليكن، متسائلاً عن اي سلام يتحدثون عنه وهذا العدو يأخذ بيتي، لذا أقول بأن هذه المقاومة حافظت على الوجود اللبناني كوجود لهذه الدولة، ولم تذهب.

 

حين يُهدّد بيتك.. تصبح مقاوماً، ولا وجود لنزع السلاح

وحول موضوع نزع سلاح حزب الله ورأي الطائفة المسيحية في منطقة بعلبك الهرمل تحدث الهاشم برأيه الشخصي لان على كل واحد يعرف أن أرضه أو بيته مهدد، يجب أن يحمل سلاحه ويكون مقاوماً. ولكن نحن اليوم أمام هذا العدو يجب أن نكون مع بعضنا البعض وإلى جانب بعضنا البعض من أجل إحلال السلام واسترجاع الأرض.

 

رهان العدو على الفتنة خاسر..  شعب لبنان يدفن شبح الفتنة بقيم المسيح والإنسانية

وعن ما اذا كان لبنان قادر ان يتحمل فتنة جديدة أمام ما يعيشه اليوم من ضغوطات وبعد كل الحروب التي شهدها، رأى الهاشم انه لا وجود لفتن بعد اليوم، فالشعب اللبناني تحمّل وتعلّم  ، وفي الحرب الكبرى التي شهدها لبنان عام 2024 أثبت اللبنانيون أنهم إخوة في السراء والضراء، وكان العدو الإسرائيلي يراهن على الفتنة الداخلية بأن ندمر الجنوب وينزح الشيعة إلى المناطق المسيحية، فيصبح هناك ضغط سكاني وإلى آخره، لتنشا حرب بين الطوائف، لكن هذا العدو وجد ان الشعب اللبناني فتح  بيوته وقلوبه لإخوانه، وهذه ليست منَّة من أحد، هذا مسيحنا وهذه مسيحيتنا وهذه قيمنا الإنسانية، ونحن بالتحديد في منطقة بعلبك الهرمل، لا فرق فيما بيننا. ولا أعتقد أن الفتن أو أصوات النشاز سوف تعبث بهذا المجتمع، لأن الكثيرين من العقلاء في كل الطوائف يعرفون أن هذه الأبواق لا تمر.

 

الشهيد السيد حسن نصرالله حسين العصر وأمة في رجل

وفي ختام اللقاء كان الحديث عن شهادة امين عام حزب الله سماحة السيد حسن نصرالله معتبراً أن الشهيد السيد حسن نصرالله هو حسين العصر عندما اطلق هذا التعبير في مقابلة تلفزيونية يوم دُفن السيد، بأنه هو حسين العصر، خاتماً كلامه بأنه لم ير في التاريخ ولم يجد في يومنا المعاصر رجلاً بقامة السيد حسن، زاهد في هذه الدنيا، قدم ولده على مذبح المقاومة، ورجل لا تعنيه المناصب ولا تعنيه الدنيا، بل تعنيه الكرامة ويعنيه الحق، كما مشى الإمام الحسين إلى كربلاء، أعتقد أن السيد حسن مشى إلى نهايته، ولكن السيد حسن مات في الجسد، وهو لن يموت، لأن السيد حسن هو أمة في رجل.

 

/إنتهى/