أرادوا أرضاً بلا شعب.. فإذا بالشعب ينبت من الأرض

أمل شبيب

في كل عدوان إسرائيلي على لبنان، يتكرر المشهد نفسه بطريقة ممنهجة ومقصودة: البيوت تُهدم فوق رؤوس أصحابها، القرى تُسوّى بالأرض، الأماكن التاريخية والمساجد والكنائس تُقصف بدقة، وكأن العدو لا يريد فقط قتل الإنسان، بل يريد اغتيال المكان نفسه، محو الذاكرة، وطمس الهوية.

ليس هذا جنوناً عشوائياً أو "أخطاء قصف" كما يزعم الاحتلال، إنه استراتيجية نفسية وحربية ممنهجة، هدفها تحويل الإنسان اللبناني، وخاصة الجنوبي، إلى لاجئ بلا ذاكرة، بلا جذور، بلا بيت يعود إليه. لأن العدو يعرف جيداً أن البيت عند اللبناني ليس مجرد حجر وإسمنت، بل هو "الروح" قبل الجسد.

 

ذاكرة لا تموت: حين يحاول الاحتلال محو الزمن

ليس البيت في الجنوب اللبناني سقفاً وجدراناً، بل هو "ذاكرة حية" تنبض بالحياة. فيه وُلِد الأجداد، وفيه تربّت الأحلام على درب الأمل، وفيه سمعت الأمهات أصوات أطفالهن أول مرة، وفيه عُقدت الأفراح، وفيه بكى الأهل على موتاهم حتى اختلطت دموع الفرح بالحزن على نفس الجدران. ثم يأتي العدو الإسرائيلي، فيدمّر هذا البيت حجراً حجراً، وبردمه لأنقاض رسالته الصامتة للإنسان يقول: "أنت لا تاريخ لك، لا جذور لك، لا هوية لك، لا مكان لك في هذا العالم".

والأكثر إيلاماً أن العدو لا يكتفي بالبيوت السكنية، بل يمتدّ جنونه إلى الأماكن التاريخية: المساجد التي رفع فيها الأذان لأجيال، الكنائس التي صلّى فيها الأجداد ورسمت جدرانها أيقونات القديسين، البيوت الأثرية التي تروي حكايات عمرها مئات السنين، المكتبات التي حفظت المخطوطات والعلم.

هذه الأماكن ليست مجرد حجارة، هذه هي "ذاكرة الأمة"، وتدميرها يعني تدمير الدليل المادي الوحيد على أن هذا الشعب موجود على هذه الأرض منذ آلاف السنين، وهذا يعني أن العدو الإسرائيلي يريد محو الأدلة، وطمس البراهين، وتزييف التاريخ ذاته، لأن هذا العدو يعرف جيداً أن أقوى سلاح في وجه روايته المزيفة هو "التاريخ الحقيقي"،  يعرف أن الجذور الفلسطينية واللبنانية في هذه الأرض أعمق من أي جذور صهيونية وهمية،  لذلك يمارس يومياً سياسة "محو التاريخ"،  لأنه يدرك أن الحقيقة التاريخية لو بقيت، لسقطت أسطورته المزعومة.

لكنهم يجهلون أن التاريخ لا يمحى بالقصف، فالتاريخ يُكتب بالدم، ويُروى بالفم، ويُحفر في الصدور قبل أن يُحفر في الحجارة. وأن كل جدار يهدم، سيظل شاهداً على جريمة لن تسقط بالتقادم، وكل قرية تمحى، ستبقى حكايتها تتناقلها الأجيال: "كنا هنا وسنبقى، وكنا أسياداً على أرضنا وسنبقى".

 

الأرض المحروقة والروح التي لا تحترق: حين يفشل الاحتلال في كسر إرادة الجنوبي العنيد

يدرك الكيان الإسرائيلي جيداً حقيقة مرّة أنه عاجز عن هزيمة المقاومة عسكرياً، فيلجأ خلال الحروب الى إرتكاب المجازر بالأسلحة الأميركية والأوروبية التي تُصبّ على لبنان كالمطر، فيخرج منها خاسراً منهزماً أمام إرادة شعب لا يركع، فيلجأ إلى الحرب النفسية القذرة: تدمير البيوت، تخريب المزارع، تهجير الأهالي من قرى الحدود، والهدف واضح: جعل الحياة مستحيلة على الإنسان في أرضه، ليجبره على الهجرة، وتصبح الأرض "فارغة" معتمداً سياسة "الأرض المحروقة".

يظن العدو أن الإنسان اللبناني، وخاصة الجنوبي، سينهار يوماً، سيشعر باليأس، سيحزم حقائبه ويغادر وسيهجر الأرض طواعية، فيأتي هو ليحل فيها، لكن العدو يجهل أن الجنوبي ليس كمثل غيره، فالأرض عنده هي "الروح في الجسد"، والدم الذي يجري في العروق، والشرف والكرامة والعرض.

 

 عقيدة الأرض واغتيال الهوية: لماذا يخاف العدو من ذاكرة الجنوبي؟

يعرف العدو أن علاقة اللبناني بأرضه ليست علاقة سطحية، بل علاقة عقيدة ووجودية، فالجنوبي اللبناني يعتبر الأرض جزءاً منه، والبيت جزءاً من كرامته، وعندما يُهدم بيته، يحاول هذا العدو أن يحطم وعيه، أن يخلخل هويته، أن تقول له: "أنت لا شيء بدون بيتك".

يعتبر المنزل والبيت في علم النفس أول رمز للأمان في حياة الإنسان، فيه يشعر بالحماية، والدفء، والخصوصية، عندما يُهدم البيت، ينهار معه أول وأهم مرتكزات الصحة النفسية:  "الإحساس بالأمان"، وكل منزل يحمل ذكريات عمر كامل: أول خطوة للأولاد، فرحة عرس، دموع فراق، رائحة خبز، صوت جدة وحكاياتها، وعندما يهدم البيت، تُدفن هذه الذكريات تحت الأنقاض، فيشعر الإنسان بأن جزءاً من هويته قد مات وأن صفحة كاملة من كتاب حياته قد مزقت إلى الأبد. والأصعب عند من تُهدم بيوتهم أمام اعينهم، مشاهد الدمار، أصوات الأطفال، رؤية الجدران وهي تنهار على أحلام العمر، كلها مشاهد لا تمحى من الذاكرة أبداً.

 

ولدوا في الشتات فقرروا أن يدفنوا تاريخنا: عقدة الإسرائيلي وإبادة الذاكرة اللبنانية

لا يفرق العدو الإسرائيلي بين هدف عسكري وهدف مدني، ليس لأنه "يخطئ" كما يدعي في بياناته الكاذبة، بل لأن "كل شيء في لبنان هدف" بالنسبة له. يضرب المسجد أو الكنيسة، ليُوصل رسالة صامتة ووحشية: "أنا أهين إلهك قبل أن أهينك، وأنا أعلو على مقدساتك كما أعلو على دمك". ويهاجم المدرسة ليقول: "أنا لا أحارب حاضرك فقط، بل أقتل مستقبلك، وأقطع جيلاً كاملاً عن العلم والمعرفة". ويقصف المستشفى ليثبت: "أنا لا أريد لجريحك دواء، ولا لمريضك سريراً، أنا أريد الحياة نفسها أن تتوقف". ويهدم البيت ليصفع الإنسان على وجهه: "أنت لا وطن لك،  والأرض التي ولدت عليها ليست أرضك".

هذه ليست حرباً عادية ككل الحروب. هذه "حرب إبادة للذاكرة" قبل أن تكون إبادة للجسد. هي حرب منهجية هدفها أن يبقى الإنسان اللبناني جسداً بلا ماض، وحاضراً بلا مستقبل، وذاكرة بلا عنوان.

وليس هذا الأسلوب جديداً على العدو الصهيوني. هو نفس الأسلوب الذي مارسه في فلسطين منذ عام 1948، عندما محا حيفا ويافا واللد والرملة من الوجود، وحوّلها إلى مدن "إسرائيلية" بلا هوية عربية، ودفن تحتها بيوتاً ومساجد وكنائس ومدارس ومقاهي وأسواقاً كانت نابضة بالحياة.

وهو نفس الأسلوب الذي يمارسه الآن في لبنان، بقسوة مضاعفة، ودون أي رادع أخلاقي أو إنساني. لأنه يعرف أن محو الذاكرة هو الطريق الأقصر لمحو الحق، وأن الأرض عندما تخلو من أهلها ومن تاريخها، تصبح سهلة البلع، سهلة التزييف، سهلة التحويل إلى "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".

تنبع جرائم العدو بحق البيوت والحجر والشجر من عقدة وجودية عميقة يعيشها هذا الكيان منذ لحظة ولادته. فالإسرائيلي لا يملك أرضاً أصيلة يعود إليها، لا يملك بيتاً ثابتاً جذوره ممتدة في التراب، لا يملك تاريخاً محفوراً في الحجر. هو وُلد في الشتات، وعاش في الشتات، ويموت في الشتات. لذلك هو يحقد على كل من يملك بيتاً، على كل من يملك أرضاً، على كل من يملك هوية ثابتة لا تهتز.

 

يهدمون الحجر.. ويبقى الإيمان: انتصار الجنوبي بالإرادة والصمود قبل السلاح

الجواب جزء منه صبر، وجزء منه إرادة، وجزء منه أمل. الجنوبي يعيد بناء بيته بعد كل حرب، لأنه يعرف أن البيت ليس مجرد حجر، بل هو "رسالة"، رسالة للعدو: "لن ترحلنا من أرضنا، ستهدم بيتي ألف مرة، وسأبنيه ألف مرة وألف".

وهذه الروح هي التي أرعبت الكيان الإسرائيلي أكثر من أي سلاح. لأن السلاح يمكن أن يدمر، لكن الروح التي تبني من تحت الأنقاض، وتخرج من تحت الردم حية أقوى مما كانت، هذه هي التي تقهر الاحتلال في النهاية.

 

 محو المعالم بالكامل.. حين تصبح القرية لوحة بيضاء لا تقرأ

خلال الحرب على لبنان الآن، لم يكتفِ العدو الإسرائيلي بهدم البيوت بشكل منفرد، بل ذهب إلى أبعد مدى: محو القرى بالكامل من الوجود. تجوّل اليوم في جبشيت، أو بنت جبيل، أو مارون الراس، أو الخيام، أو ميس الجبل، أو رب ثلاثين، أو عيتا الشعب، أو كفركلا، أو العديسة، أو الطيبة، أو القوزح، أو طلوسة، أو حولا، أو شمع، أو الناقورة... ستتمشى على أرض لا تعرفك، وستشعر أنك تمشي على سطح القمر. لا بيت يقف، لا جدار يشهد، لا حجر يدل على أن هنا كانت حياة،  كل شيء سُوّي بالأرض.

في الخيام، حيث كان سوقها الأسبوعي يضم أهل المنطقة كلها، صار المكان كله أرضاً مستوية. كانت الخيام معروفة بأسواقها وبقلعتها التاريخية التي صمدت منذ العهد العثماني، لكن القلعة نفسها لم تسلم، والبيوت المحيطة بها سُويت بالكامل، فلا تدري أين كان بيت التاجر،ولا أين كان المقهى الشعبي.

 وفي ميس الجبل، التي كان أهلها من أوائل العائدين بعد تحرير 2000، وعاشوا فيها حياة كريمة وبنوا بيوتاً جميلة تطل على فلسطين المحتلة، تحولت اليوم إلى كومة من الركام الأعمى. كل واجهة حجرية، كل شرفة، كل حديقة صغيرة، كل درج كان يوصل إلى بيت، مُسحت كما لو أنها لم تكن.

وفي رب ثلاثين، التي اسمها يحكي تاريخاً زراعياً ضارباً في القدم، لم يبق أي أثر للحقول أو البيوت أو المعاصر القديمة. الأرض عارية من بيوتها، كأن لا إنسان مرّ عليها قط.

 وفي عيتا الشعب، التي تعتبر عمقاً استراتيجياً للمقاومة وصمدت في كل الحروب، تم تدميرها بشكل منهجي حجراً حجراً. الأزقة الضيقة التي تشبه المتاهات رُدمت بالكامل. لم يعد أحد يستطيع أن يميز أين كانت الحارة الفلانية، ولا أين كان بيت الشهيد، ولا أين كان المسجد الذي صلى فيه الأجداد.

وفي بنت جبيل، مدينة المقاومة الأولى التي أرغمت جيش العدو على الانسحاب المهين عام 2000، تلك التي سطرت أروع ملاحم الصمود، قرر العدو ألا يترك فيها حجراً على حجر. لم تكن هدفاً عسكرياً فقط، بل كانت هدفاً وجودياً، سوّاها بالأرض كما لو أنه يريد أن يقول: "هذه المدينة التي هزمتنا، يجب ألا تبقى". ساحة بنت جبيل التي شهدت أكبر مهرجانات النصر، رُدمت بالأنقاض، وأزقتها التي حفظت أقدام الشهداء، دُفنت تحت التراب. مساجدها وبيوتها ومدارسها ومستوصفاتها، كلها صارت مشهداً واحداً من الدمار الشامل.

وفي كفركلا والعديسة، البوابتين الشماليتين لفلسطين، اللتين كانتا تطلان مباشرة على المستوطنات، لم يبق فيهما حجر على حجر.

 كذلك الطيبة والقوزح وطلوسة وحولا ومروحين، القرى الصغيرة التي كانت هادئة وجميلة، والتي عاش أهلها على الزيتون والتبغ، فقد صارت كلها أرضاً مستوية.

وهكذا، تحولت هذه العوالم الصغيرة التي كانت فيها حياة، حب، حلم، خبز، ذكرى، صلاة، جيران، أفراح وأتراح، إلى كومة تراب واحدة متصلة تمتد من خط الأزرق إلى الناقورة، كأن جرافة كونية مرّت عليها فجعلتها سواءً.

الوجود يضرب على وتره الأعمق: قصة محو القرى من الخيام إلى الناقورة

ليس الهدف عسكرياً، لأن العسكري يكتفي بتدمير موقع مقاومة، أو نفق، أو مخزن سلاح، بل الهدف وجودي بحت، يرتدي ثوباً عسكرياً ليخفي وجهه القبيح.

يريد العدو أن يمحو الهوية المكانية للإنسان، فعندما تهدم كل البيوت وتتساوى الأراضي، لا يعود للإنسان مكان محدد يعود إليه. لا يقول "بيتي كان هناك بجانب الكنيسة في عيتا الشعب"، بل يقول "كانت عيتا الشعب كلها بيتي". هذا الإبهام الذي يزرعه العدو في وعي الإنسان، يقتل العلاقة التفصيلية بين الإنسان وتفاصيل أرضه، ويحوّله من إنسان له عنوان، إلى إنسان تائه بلا هوية مكانية.

ويريد أيضاً أن يطمس الذاكرة الجغرافية للأجيال القادمة، والأسوأ ما في محو المعالم بالكامل هو الرسالة النفسية الصامتة التي يريد العدو إيصالها لكل إنسان: "أنت لم تكن هنا أصلاً". وهو بذلك يضرب أعمق وتر في نفس الإنسان: وتر "الوجود" نفسه. يحاول أن يقتنص منه يقينه بأنه كان هنا، وبأن له حقاً في العودة، وبأن هذه الأرض أمه التي احتضنته.

لكن العدو يجهل أن التراب نفسه، مهما سوّاه، يحتفظ برائحة أهله. يجهل أن أول مطر سينزل على تلك القرى الممحاة، سينبت من تحت الردم وردة برية، أو شجرة خروب عتيقة كانت واقفة على طرف القرية منذ مئات السنين، وستجعل كل من يمر بها يتأكد أن تحت هذه الأرض كان ولا تزال وطناً لا يموت. وأن كل حجر مهدم، كل جدار منهار، كل سقف متساقط، سيبقى شاهداً على جريمة لن يسقطها التقادم، ولن تمحوها الأيام.

معركة الروح قبل الحجر: كيف يهزم الجنوبي سياسة الأرض المحروقة؟

في الختام، يمكن للعدو أن يهدم بيتاً، لكنه لا يستطيع أن يهدم كرامة من رفع حجارته بيديه، وأسكن فيه حلم عمره، وروى عرقه ترابه قبل أن يروي دمه جدرانه.

يمكنه أن يحرق حقلاً، لكنه لا يستطيع أن يحرق حب الأرض الذي يتدفق في عروق الجنوبي كالدم، والذي يورثه الأبناء عن الآباء، والآباء عن الأجداد، كوصية لا تموت.

يمكنه أن يُخرج امرأة عجوزاً من قريتها، يحملها على عصاها ويجبرها على النزوح تحت القصف، لكنه يستحيل عليه أن ينتزع من ذاكرتها صورة الحجر الذي وُلدت تحته، ولا أن يمحو من قلبها صوت البحر الذي كان يقرع شرفة بيتها كل صباح.

لأن الجنوبي يعرف أن الأرض ليست ملكاً يُباع ويُشترى، بل هي الأم، والأم لا تُباع، ولا تُترك، ولا تُستبدل. الأرض عنده ليست رقماً في سند ملكية، بل هي الوجود نفسه، والبقاء فيها ليس خياراً يُناقش، بل هو قدر لا مفر منه، وشهادة لا يبتغي صاحبها بديلاً.

لذلك، كلما هدم العدو بيتاً، بنى الجنوبي عشرة مكانه. وكلما أحرق حقلاً، زرع عشرين. وكلما هجر قرية، عاد إليها بألف شوق وحنين، وبإصرار من يكتب على أنقاض منزله: "هنا كنت، وهنا سأبقى، وهنا سأموت".

سيحاول العدو، وسيفشل. سيهدم، وسيبني الجنوبي. سيرحل، وسيعود الجنوبي. هذه معركة لا تنتهي إلا بانتهاء الاحتلال نفسه، لأن الإنسان الذي يمتلك أرضاً بروحه، لا يستطيع أي جيش في الأرض أن ينتزعه منها.

إن استهداف البيوت والأماكن التاريخية في لبنان ليس عشوائياً، كما يحاول الإعلام الصهيوني تبريره، بل هو استراتيجية نفسية وحربية مدروسة، هدفها محو الذاكرة، وتهجير السكان، واغتيال الهوية، وكسر الإرادة. العدو يريد أن يقتل في الإنسان الجنوبي الرغبة في البقاء، قبل أن يقتل جسده. يريد أن يحوله إلى نازح بلا بيت، لاجئ بلا أمل، إنسان بلا عنوان.

يمكنك أن تهدم بيتاً بالصواريخ، لكنك لا تستطيع أبداً أن تهدم إرادة من يبني بيته بيديه كلما سقط. وهذا هو سر صمود الجنوب اللبناني، الذي رغم كل المجازر، وكل الحروب، وكل سياسات الأرض المحروقة، لا يزال واقفاً كالجبل، لا تلين قناته، ولا تخفت روحه.

وهذا هو سبب فشل كل الحروب الإسرائيلية على لبنان، وسبب فشل كل من راهن على أن القصف يكسر الإرادة، أو أن الدمار يمحو الحلم...لأنهم يظنون أنهم يحاربون حجارة.. لكنهم في الحقيقة يحاربون روحاً لا تموت.

ستنتهي الحرب، ويسقط العدو كما سقط كل مرة، ويعود الشعب إلى قراه التي سُويت بالأرض، والمقاومة في المقدمة ترفع أعلام النصر، وتعلو الصرخة من تحت الأنقاض: نحن الذين هدمتم قرانا بأيديكم، ونحن الإرادة التي لا تُهدم. دمّرتم الحجر، فبنينا بالأمل. محوتم المعالم، فحفرناها في قلوبنا. ظننتم أننا نزحنا، لكننا كنا نستعد للعودة. ها نحن هنا... شعب لا يموت، وأرض لا تُباع، ونصر يُكتب بدم الشهداء.

/إنتهى/