قلعة الشقيف.. "إن لله على أرضه رجالاً إذا أرادوا أرادوا": ملحمة صمود من 2006 إلى 2026

أمل شبيب

قلعة الشقيف: أيقونة أرنون التي نسفت غطرسة الاحتلال مرتين

لقلعة الشقيف (بوفورت) تاريخ عظيم واهمية استراتيجية عبر العصور، فهي القلعة التي شيدها الصليبيون قبل 900 عام، تتربع على هضبة صخرية شاهقة في جنوب لبنان، وتُشرف على الجليل الأعلى المحتل ونهر الليطاني، وتُعدّ أعلى نقطة في قطاع الجنوب، إذ تصل إلى ارتفاع 720 متراً عن سطح البحر، مما يجعل السيطرة عليها مكافئة للسيطرة على عمق جغرافي إستراتيجي يمتد لعشرات الكيلومترات.

 وتكمن أهميتها الإستراتيجية في أنها تُشرف مباشرة على مستوطنة المطلة التي تبعد أقل من 4 كيلومترات، وعلى الجليل الأعلى بأكمله، و تسيطر على المنطقة الممتدة بين نهرَي الليطاني والزهراني، وتُعدّ بوابة عبور نحو إقليم التفاح وجبل الريحان، كما وتوفّر رؤية كاملة لبلدات مثل الطيبة ودير سريان والقنطرة والنبطية الفوقا وزوطر شرقي وغربي، وتحتوي على أنفاق وممرات تاريخية تعود إلى العصر الصليبي تصل حتى نهر الليطاني، مما يمنحها قيمة دفاعية إضافية.

وتحظى القلعة بوضع حماية معززة من قبل منظمة اليونسكو بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954، مما يُلزم أطراف النزاع بإحترام حرمتها كملكية ثقافية. وقد تعرضت القلعة لأضرار جسيمة في الماضي، لا سيما عندما فخخها ونسفها الاحتلال الإسرائيلي قبل انسحابه عام 2000 على الرغم من النداءات الأممية.

قلعة الشقيف في حرب تموز 2006.. حين أرعبت المقاومة أسود الميركافا

شكّلت قلعة الشقيف مسرحاً لمواجهات بطولية خلال حرب تموز 2006 التي شنّها العدو الصهيوني على لبنان واستمرت 33 يومًا. ففي تلك الحرب، كان أبطال المقاومة الإسلامية في حزب الله لهم بالمرصاد لقوات الاحتلال حول القلعة، وكانت المعركة الأبرز بتاريخ 26 يوليو / تموز 2006، حين حاولت قوات العدو التقدم نحو القلعة عبر وادي الطيور، غير أن كمائن أبطال المقاومة أفشلت هذا التقدم، وأوقعت القوات الإسرائيلية في فخ محكم، وقد أظهرت مشاهد بثتها آنذاك حجم الخسائر التي تكبدها العدو أمام صمود المجاهدين.

 ومن أبرز اللحظات الخالدة في تلك الحرب:

- استهداف آليات العدو: حيث تمكّن مجاهدو حزب الله من تدمير عدة دبابات إسرائيلية من نوع ميركافا حول القلعة باستخدام الصواريخ الموجّهة، في مشاهد أثارت الذهول في صفوف العدو.

- الضربات النوعية: رغم التفوق الجوي والتكنولوجي للعدو، استطاعت المقاومة تنفيذ ضربات نوعية أظهرت أن القلعة ليست مجرد هدف، بل نقطة انطلاق للكرات النارية التي حاصرت الاحتلال.

- الصمود الأسطوري: لم يتراجع المقاتلون لحظة واحدة، وكانوا كالصخر الأشم في وجه الغزو، مسطّرين أروع صور التضحية والفداء.

والأهم أن هذه القلعة التي لم يتمكن الاحتلال من تثبيت أقدامه فيها، شهدت هزيمة الاحتلال وإعلان انسحابه من الجنوب، لتتحول إلى أيقونة نصر عربية وإسلامية.

 

معركة الجغرافيا والإرادة: كيف تستخدم المقاومة الجبل سلاحاً والمسيّرات رصاصاً؟

مع محاولات الاحتلال الجديدة لرفع العلم على القلعة، يكرر أبطال المقاومة الإسلامية اليوم في لبنان السيناريو ذاته، لكن بأدوات أكثر تطوراً وخبرة متراكمة، فالطريقة التي يخوض بها حزب الله المعركة اليوم تعتمد على أسس ثابتة أثبتت نجاحها:

استغلال الجغرافيا والطبيعة: إذ يشير الخبراء العسكريون إلى أن أي قوة مقاومة تتمكن من الانتشار بحرية حول قلعة الشقيف تكتسب أفضلية تكتيكية هائلة في مناورة الصواريخ وإدارة الكمائن وإخفاء البنية التحتية القتالية داخل التضاريس الجبلية. فالقمة الصخرية الوعرة التي بنيت عليها القلعة، إضافة إلى الكهوف والممرات التاريخية، تجعل من المستحيل تقريباً على العدو تدمير موقع للمقاومة هناك بمجرد تمكنها من التمركز داخله.

إدارة الكمائن وإرهاق العدو: أظهرت المقاومة قدرة فائقة على استنزاف قوات الاحتلال من خلال نصب الكمائن المحكمة في الوديان المحيطة بالقلعة، خاصة وادي الطيور وسلوقي، والضرب ثم الاختفاء في المتاهات الصخرية، مما يحبط محاولات العدو لتثبيت السيطرة، إضافة إلى قطع خطوط الإمداد عن القوات الإسرائيلية المتوغلة.

 التطور النوعي في التسليح :ولو توقفنا اليوم في كل ما تملكه المقاومة، لوجدنا أنها باتت تمتلك من القدرات الصاروخية والمسيّرات ما يفوق ما كانت تملكه في 2006. وهذا ما تؤكده العمليات الأخيرة، حيث أعلن الاحتلال مقتل جنوده جراء هجوم بطائرات مسيّرة انقضاضية شنّتها المقاومة بإستمرار.

  الهجمات الاستباقية والرد السريع: لم تنتظر المقاومة وصول الاحتلال إلى القلعة، بل كانت الاشتباكات تدور في محيطها لأيام قبل السيطرة عليها. ففي الفترة من 28 إلى 30 مايو 2026، شنّ حزب الله 19 هجوماً مسلحاً على الأقل، أفادت التقارير خلالها بتكبيد العدو خسائر في الأفراد والعتاد، وهذه الاستراتيجية الهجومية أثبتت أن المقاومة لا تدافع فقط، بل تهاجم وتستبق.

 

الشقيف بين الأيدي والأرواح.. لماذا لا ينام جندي الاحتلال في القلعة؟

هنا يكمن السر الأهم في عبقرية المقاومة، فالفرق شاسع بين الوصول إلى محيط القلعة وبين السيطرة المستقرة عليها، ولتثبيت السيطرة على القلعة، يحتاج الاحتلال إلى خطوط إمداد مؤمنة بشكل كامل، وسيطرة نارية كاملة على محيط القلعة، ومنع أي التفاف أو كمائن من المقاومة، وتفوق دائم في المراقبة والاستطلاع.

وهذه الشروط يكاد يكون من المستحيل تأمينها في منطقة جغرافياً مرتبطة بأرنون ويحمر وزوطر وإقليم التفاح والأودية المؤدية إلى الليطاني. وهذا ما يجعل القوات الإسرائيلية تعيش في حالة ترقب دائم، تنتظر الضربة القادمة من تحت صخر أو من داخل نفق.

 

قلعة الشقيف.. حلم النصر التكتيكي الإسرائيلي وكابوس الفخ الميداني: جرح لا يلتئم وعين لا تنام

بناءً على ما سبق، تشكل قلعة الشقيف للاحتلال الإسرائيلي هاجساً أمنياً واستخبارياً دائماً، فالقلعة تشكل "عقدة استراتيجية" للجيش الإسرائيلي، فهي ليست مجرد حجارة، بل "عين تراقب" كل تحركاته في الجليل الأعلى والمستوطنات المحاذية، ووجود المقاومة هناك يعني أن أي تحرك عسكري إسرائيلي في الشمال يكون تحت المراقبة والاستهداف المباشر.

كما تشكل القلعة اختباراً لقدرته على فرض "الردع" ، فبالنسبة للاحتلال، السيطرة على القلعة هي محاولة لإثبات أنه قادر على تغيير المعادلات الميدانية بعد حرب تموز 2006. عندما يرفع العلم هناك، يريد أن يقول للعالم: "أنا الذي أقرر متى وأين". لكن فشله في تثبيت السيطرة يتحول إلى إحراج سياسي وعسكري كبير.نومن هجة أخرى هي نقطة ضعف في خطوط إمداده، فالقلعة موجودة في قلب منطقة وعرة ومليئة بالأودية (وادي الطيور، سلوقي)، هذا يعني أن أي قوة إسرائيلية تصل إلى القلعة تكون معزولة، وخطوط إمدادها طويلة ومكشوفة، والمقاومة تستغل هذا الشيء لتتحول القلعة من موقع قوة للاحتلال إلى فخ يوقع فيه جنوده.

أما من الجانب النفسي، تشكل القلعة جرحاً مفتوحاً من حرب 2006، ففي الوجدان العسكري الإسرائيلي، قلعة الشقيف ترمز للهزيمة حيث خرجوا منها عام 2006 مذلولين بعد أن فشلوا في تدمير المقاومة هناك. واليوم، أي محاولة للعودة هي محاولة "لطي صفحة" تلك الهزيمة،  لكن كل قتيل يسقط هناك يعيد فتح ذلك الجرح العميق.

كما تشكل القلعة ورقة ضغط سياسي وتضليل إعلامي، وما رفع العلم  وتصور الجنود، ومحاولات إعلان  "النصر التكتيكي" سوى تضليل إعلامي للرأي العام والمشاهد، لأن هذا العدو يعلم جيداً أن هذا لا يساوي شيئًا طالما أن المقاومة قادرة على استهدافهم بالصواريخ والمسيرات من تحت أراضيهم.

لهذا، فإن قلعة الشقيف بالنسبة للكيان الغاصب والعدو المحتل هي كابوس استراتيجي وجرح مفتوح وفخ ميداني وواجهة دعائية فاشلة، وكلما حاولوا الإمساك بها، تحرق أصابعهم، وكلما رفعوا علماً أعادت المقاومة إسقاطه تحت نيرانها.

حيث يكتب رجال الله النصر بالدم قبل الرصاص

تقف قلعة الشقيف اليوم شامخة، تقول لكل من يحاول المساس بأرض لبنان وعزّته: مهما طالت يد الاحتلال، ومهما رفع من أعلام مزيفة، فإن أبناء هذه الأرض المجاهدين سيبقون الأوفياء لدماء الشهداء. القلعة ليست مجرد أثر، القلعة رمز من رموز الصمود في وجه أعتى آلة حربية في المنطقة.

لقد أثبتت المقاومة مرتين (في 2000 و2006) أن كل محاولات الاحتلال للبقاء في هذه القلعة ستنتهي بالفشل والانسحاب المخزي. واليوم، ومع امتلاكها لأنفاق الماضي وأسلحة المستقبل، فإنها تواصل كتابة فصول جديدة من البطولة.

إن طريقة خوض المقاومة للحرب، باستغلال الجغرافيا، وإدارة الكمائن، وتطوير التسليح، والهجمات الاستباقية،  تثبت أن الروح والقوة والقرار تبقى بيد المجاهدين الذين يحرقون الليل بالسجود ويفجرون الصباح بالصواريخ.

‏الاسرائيلي كيان مغتصب محتل وقوي ومن اقوى الجيوش وبميزان القوى سبقنا بالكثير، لكن القوة وحدها لا تصنع النصر، لأن النصر الحقيقي لا يُمنح لأقوى سلاح، بل لأعظم روح.

والمشاهد التي تبثها قنوات العدو الإسرائيلي اليوم، بأنها وصلت إلى قلعة الشقيف في جنوب لبنان، ما هي إلا فيلم دعائي، حلقة جديدة في مسلسل الحرب النفسية الطويل الذي يمارسه هذا الكيان الغاصب منذ عقود. هم يوثقون لحظة احتلال قلعة أثرية، ويصورون جنودهم وهم يرفعون علمهم، ويحسبون أنهم كسبوا. لكن هل صدق أحد؟ هل ارتعب أحد؟ هل تراجع أحد؟ بالعكس، هذه المشاهد لن تؤدي إلا إلى شيء واحد: تمسّك أهل الجنوب ومقاومته بهذه الأرض أكثر من أي وقت مضى.

العدو يتحدث كأنه اقتحم معقلًا محصنًا، وكأنه دخل على عرين المجاهدين، وكأنه قلب موازين المعركة. لكن الحقيقة أن قلعة الشقيف هي معلم سياحي أثري، وليست حصناً يسكنه مقاتلون. لم تكن القلعة يوماً قاعدة للمقاومة، ولا تعني هذه المشاهد والصور أن الاحتلال انتصر.

رغم قوة العدو، رغم طغيانه واستبداده، رغم كل ما يملكه العدو الإسرائيلي، فإن مجاهدي المقاومة الإسلامية لا يزالون هناك، يقاومون ويقاتلون بقلوب مليئة بالإيمان برب العالمين وبالنصر الموعود، يفكرون، يخططون، يثبتون، يضربون، ثم يختفون كما دخلوا، تاركين وراءهم جنود العدو يتساءلون: من أين أتت الضربة؟

هذه المشاهد الدعائية لن تحبط المقاومة ولا شعبها، لأن شعب الجنوب ليس وليد اليوم، هو شعب تربى على عطاء الدم، على المقاومة، على الصبر، على المواجهة. الروحية التي يقاومون بها، الإخلاص، الوفاء للأرض وللأهل، الصمود الأسطوري الذي لا تجد له مثيلًا في أي جيش بالعالم، هي التي ستهدي النصر من قلعة الشقيف. نصر ليس فقط لحزب الله أو للبنان، بل نصر لكل إنسان شريف يقف مع الحق ضد الباطل، وسيرى المتخاذلون والمرجفون، الذين راهنوا على قوة العدو وضعف المقاومة، من هم الرجال الذين قيل فيهم، "إن لله على أرضه رجالاً إذا أرادوا أراد". يعني إذا أرادوا النصر أراده الله، وإذا أرادوا الصمود أعطاهم من قوته، وإذا أرادوا التضحية فتح لهم أبواب السماء، هؤلاء هم رجال الله على الأرض، وهم موجودون، وهم هناك، يكتبون اليوم، على صخور قلعة الشقيف، فصلاً جديدًا من كتاب النصر الإلهي.

 

/إنتهى/