قبة "علويان".. إرث معماري يختزن قروناً من التاريخ والفن الإيراني
- الأخبار صورة و تعلیق
- 2026/05/30 - 12:01
وكالة تسنيم الدولية للأنباء ـ في قلب مدينة همدان العريقة، حيث تتقاطع صخب الحياة الحديثة مع سكينة الماضي، ينتصب هذا الصرح التاريخي شامخاً كأنه خرج من أعماق الزمن. آجراته تفوح بعبق قرون من العبادة والتأمل، فيما تحتفظ جدرانه بذكريات خطوات أبناء العصر السلجوقي، لتغدو هيبته أكثر حضوراً في صمته من أي حديث.
ومنذ النظرة الأولى، تأسر عظمة البناء أنظار الزائرين؛ فهو مبنى رباعي الأضلاع، متين البنيان، يقف وسط المدينة كحصن غامض يكتنفه الوقار. وتكتسب آجراته الحمراء تحت شمس همدان لوناً يذكر بغروب الأزمنة السحيقة، فيما تضفي عليها برودة الشتاء مسحة من الغموض، كأن روح التاريخ لا تزال تجوب أروقته.
ورغم أن البناء لا تعلوه اليوم أي قبة، فإنه ما زال يعرف باسم "علويان" وهو اسم بقي شاهداً على ماضٍ مجيد.
صرح وُلد من تلاقي الإيمان والفن
شُيدت قبة "علويان" في أواخر العصر السلجوقي، نحو القرن السادس الهجري، وهي فترة بلغت فيها العمارة الإيرانية ذروة ازدهارها، حين كان الفنانون يحولون الآجر والجص إلى أعمال فنية تنبض بالشعر والجمال.
وقد أنشأت أسرة "علويان"، التي كانت من الأسر البارزة وذات النفوذ آنذاك، هذا المبنى لإقامة المراسم والشعائر الدينية. وفي مرحلة لاحقة أضيف إليه سرداب تحوّل إلى مدفن لعدد من كبار الشخصيات العلوية.
ويعود اسم "علويان" إلى هذه الصلة الدينية، إذ عُرف أهالي همدان منذ القدم بولائهم ومحبتهم لأهل البيت والإمام علي (عليه السلام)، كما أن دفن شخصيتين بارزتين من العلويين في هذا المكان أسهم في ترسيخ هذه التسمية. وفي عام 1931م أُدرج المبنى ضمن قائمة الآثار الوطنية الإيرانية.
عندما تتحدث الآجرات بلغة الفن
تُعد قبة "علويان" إحدى روائع العمارة السلجوقية، حيث يمتزج الجلال بالدقة الفنية في تناغم فريد. ويبلغ ارتفاع المبنى نحو 11 متراً، وقد شُيد على هيئة مكعب رباعي، تتوزع في زواياه الأربع أعمدة أسطوانية ضخمة يزيد ارتفاعها على تسعة أمتار، تقف كحراس صامتين يراقبون تعاقب القرون.
ويُعد القوس الشمالي الضخم من أبرز معالم المبنى وأكثرها إبهاراً؛ إذ يرتفع قرابة عشرة أمتار، ويبدو كأنه بوابة تؤدي إلى عالم آخر، عالم يلتقي فيه الفن بالروحانية.
غير أن ما يخطف الأنظار حقاً هو الزخارف الفنية التي تكسو الجدران. فقد نُفذت أعمال الآجر المزخرف بدقة وإتقان يثيران الدهشة، حتى يصعب تصديق أن هذه التحف أُنجزت بأدوات بسيطة. وتمنح النقوش الهندسية والزخارف النباتية والتكوينات المتناظرة للمبنى جمالاً استثنائياً.
وفي الجهة الجنوبية الغربية يقع المحراب التاريخي، الذي يعد تحفة فنية من فنون الجص الإيراني وأحد أجمل نماذج الزخرفة السلجوقية. وتتداخل نقوشه الدقيقة على الجدران كنسيج من الضوء والجص، في مشهد يختزل براعة الفنانين آنذاك.
جوهرة السياحة في همدان
تُعد قبة "علويان" اليوم واحدة من أشهر المعالم السياحية في همدان، وتكاد تكون محطة أساسية في جميع البرامج السياحية المخصصة لزيارة المدينة.
ويتميز الموقع بقربه من مرقد ابن الإمام عبد الله وساحة القضاة، ما يسهل الوصول إليه، فيما تضفي المساحات الخضراء المحيطة به مزيداً من الجمال والهدوء.
ويُعد فصلا الربيع والصيف أفضل أوقات الزيارة، عندما تداعب نسمات همدان المعتدلة أشجار المنطقة وتنعكس أشعة الشمس على الآجر الأحمر للمبنى. أما شتاء المدينة، فيمنح المكان أجواءً ساحرة؛ إذ يبدو البناء تحت الثلوج وكأنه خرج من صفحات أسطورة بيضاء.
وخلال النهار تبرز تفاصيل الزخارف الآجرية والجصية بكل وضوح، بينما يتحول المبنى ليلاً إلى مشهد أشبه بالحلم بفضل الإضاءة التي تكسوه. ففي ظلمة الليل تتلألأ قبة "علويان" كجوهرة مضيئة في قلب المدينة، فيما يروي صمتها المهيب حكايات التاريخ.
ولا تمثل قبة "علويان" مجرد بناء أثري، بل هي جزء من الذاكرة الثقافية الإيرانية؛ مكان تلتقي فيه صفحات التاريخ وروائع الفن وعمق التدين وجمال العمارة لتروي قصة قرون مضت، لكنها ما زالت تنبض بالحياة بين جدرانها. ولذلك فإن زيارة هذا المعلم لا تعني مشاهدة أثر تاريخي فحسب، بل خوض تجربة حية في رحاب عظمة الحضارة الإيرانية وإرثها العريق.
/انتهى/