25 أيار 2000: يوم انتصرت الأرض على الاحتلال ودخلت الكرامة إلى تاريخ الأمة

أمل شبيب

 ومنذ ذلك اليوم، تحول هذا التاريخ إلى عيد وطني جامع للمقاومة والتحرير، يُخلد ذكرى استعادة الأرض والسيادة، ويُرسخ درساً خالداً بأن الاحتلال يزول متى توحدت الإرادة وتسلحت بالصبر والتضحية.

 ليس يوماً عادياً، بل ميلاد أمة من تحت الرماد

في الخامس والعشرين من أيار من عام الألفين، لم يقرع جرس المدرسة في قرية حدودية، ولم تفتح الأمهات نوافذهنّ على غير العادة. بل كان هناك شيء مختلف في رائحة الهواء، شيء يشبه الخبز الطازج بعد غياب، يشبه المطر بعد جفاف، والحياة بعد موت طويل.

ذلك اليوم لم يكن يوماً عادياً في ذاكرة اللبنانيين، ولا مجرد محطة عسكرية أخرى في سجل الصراع المفتوح مع الاحتلال الإسرائيلي. كان لحظة تاريخية نادرة، خرج فيها الجنوب من زمن الاحتلال إلى زمن الحرية، وخرج معها اللبنانيون من شعور العجز إلى يقين القدرة على الانتصار.

ففي ذلك اليوم الذي لا يُنسى، لم تنسحب "إسرائيل" فقط من القرى الحدودية التي احتلتها لسنوات طويلة، بل انسحبت أيضاً من صورة القوة التي لا تُهزم. بعد أن سقط مشروعها أمام شعب تمسّك بأرضه، ومقاومة صنعت من الدم والصبر معادلة جديدة في المنطقة.

لم يكن الرابع والعشرون من أيار، بل الخامس والعشرون، يوماً عابراً في التقويم، بل كان بمثابة ولادة وطنية جديدة للبنان، يوم عاد الجنوب إلى أهله، وعادت معه الكرامة إلى وجدان الأمة العربية التي أنهكتها الهزائم والانكسارات لعقود طويلة.

 

الجنوب قبل التحرير... حين كانت الأرض أسطورة والوجع وطناً

جغرافيا الألم: الجنوب ليس مجرد خريطة

على امتداد سنوات الاحتلال الطويلة، لم يكن الجنوب اللبناني مجرد مساحة جغرافية تحت السيطرة العسكرية، كان ساحة مفتوحة للوجع والصمود في آنٍ معاً. كل شبر فيه كان يحكي حكاية: حقل زيتون شهد مجزرة، بيت هدمته الجرافات، طريق زرعته الدموع قبل الإسفلت.

هناك، في القرى الحدودية التي عاشت تحت القصف والاعتقالات والمجازر اليومية، كتب الأهالي حكاية الصمود الحقيقي. لم تكن مجرد صمود بالشعارات، بل صمود بالجوع، بالبرد، بالخوف، وبالإصرار الغريب على البقاء.

أمهات الشهداء لم يُسلمن أبناءهن للنسيان. كنَّ يحفظن أسماءهم كما تحفظ السورات، ويُخرجن صورهم في كل مناسبة وكأنهم أحياء بينهن. والأرض بقيت مزروعة رغم الدبابات. كان الفلاح يذهب إلى حقله تحت نيران القناصة  ويقول للاحتلال: "هذه الأرض لي، وسأزرعها رغم أنوف كل الأعداء".

والبيوت التي هدمها الاحتلال كانت تعود لتُبنى من جديد بأيدي أصحابها وإرادتهم. لم يكن الإعمار هناك مجرد إسمنت وحديد، بل كان إعلان تحدٍ، وكان رسالة بأن هذا الجنوب لن يموت.

 

المقاومة كإمتداد طبيعي للناس

لم تكن المقاومة في الجنوب جسماً منفصلاً عن المجتمع، بل كانت امتداداً طبيعياً له، وابنته الشرعية. خرج المقاومون من الحقول والبيوت والأحياء الفقيرة. لم يكونوا طائفة واحدة، ولا حزباً واحداً، بل كانوا لبنان الصغير الذي قال "لا" للاحتلال.

أولئك الرجال، الذين بدأوا بالحجر وبالكلمة، ثم تطور سلاحهم مع تطور التحدي، حملوا قضية شعب كامل. شعب قرر أن الاحتلال، مهما طال أمده، لن يتحول إلى قدر دائم. وأن الأرض، مهما سالت عليها الدماء، ستبقى للأحفاد كما كانت للأجداد.

ولهذا، حين بدأ الاحتلال الإسرائيلي يتهاوى تحت ضربات المقاومة، لم يكن يسقط أمام السلاح فقط. كان يسقط أمام بيئة كاملة رفضت الاستسلام، وأمام وعي جمعي لا يعترف بشرعية الاحتلال، وأمام إرادة لا تموت حتى لو مات أصحابها.

 

معاناة يومية لا توصف

قبل التحرير، كان الجنوب أشبه بسجن مفتوح. قرى بأكملها محاصرة، طرقات موصدة، حظر تجول، تفتيش على الحواجز، ومداهمات ليلية تنتهي باعتقالات أو اغتيالات. العيش تحت الاحتلال كان يعني أن حياتك ليست ملكك، وأن أنفاسك مرهونة بإذن جندي في دبابة.

كبر الأطفال وهم يعرفون "الحاجز" قبل "المدرسة"، وتعلمت النساء إخفاء السلاح وتحويل البيت إلى قلعة صامتة. لكن الأصعب كان العيش في خوف دائم على الغائب، حيث كل جرس هاتف أو طرق باب قد يكون نهاية حلم أو خبرًا مفجعًا.

 

سنوات الاستنزاف... عندما تتعلم المقاومة كيف تصنع المستحيل

من الحجر إلى الصاروخ: تطور طبيعي للصراع

لم تبدأ المواجهة مع الاحتلال في التسعينيات فحسب، بل هي تمتد جذورها إلى عمق الوجود الإسرائيلي في الجنوب. لكن مرحلة التسعينيات شهدت تحولاً نوعياً في أدوات المقاومة ووسائلها.

تطورت العمليات النوعية، وازدادت دقة التوقيت، وارتفعت كلفة الاحتلال. لم تعد المقاومة تكتفي بعمليات الكر والفر، بل بدأت تزرع العبوات الناسفة في الطرق التي تسلكها آليات الاحتلال، وتنصب الكمائن المحكمة للدوريات الراجلة، وتستهدف مواقع العدو بالصواريخ والقذائف.

كل يوم كان يمر، كانت المقاومة تتعلم شيئاً جديداً. كيف تخترق التحصينات، كيف تستخدم التضاريس، كيف تقرأ تحركات العدو، كيف تستثمر دروس الأمس لتحسين أداء اليوم.

 

استنزاف الجيش الإسرائيلي: معركة طويلة الأمد

واحدة من أهم استراتيجيات المقاومة كانت فكرة "الاستنزاف الطويل". إدراك أن الاحتلال لا يمكن هزيمته في معركة واحدة، بل هو أشبه بجبل جليدي، ما يظهر منه فوق السطح هو الأقل، لكن العمق الإسرائيلي يعاني من هشاشة داخلية.

 

الجيش الإسرائيلي، رغم تفوقه الجوي والتكنولوجي، كان يعاني من استنزاف يومي. الجنود يقتلون أو يجرحون يومياً. صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية كانت تنشر أرقام الخسائر يومياً. أربعة جنود هنا، ضابطان هناك، كمين متقدم هنا، عبوة ناسفة هناك. وهكذا تحولت الحرب في جنوب لبنان إلى جرح مفتوح في الجسد الإسرائيلي، ينزف يومياً دون أن يظهر أفق للحل.

 

عملية "عناقيد الغضب" 1996: محاولة يائسة لكسر الإرادة

في نيسان 1996، حاولت "إسرائيل" الكيان الغاصب تغيير قواعد اللعبة بعملية عسكرية واسعة تحت عنوان  "عناقيد الغضب". القصف طال المدنيين، واستهدف قرى بكاملها، وارتكبت مجازر بحق الأبرياء، أبرزها مجزرة قانا التي ارتقى فيها أكثر من مئة مدني بينهم أطفال ونساء.

لكن النتيجة كانت عكسية تماماً. فبدلاً من أن ترهب المجازر الجنوبيين، زادتهم إصراراً. وبدلاً من أن تنكسر المقاومة، ازدادت قوة وتنظيماً. وبدلاً من أن تخيف "إسرائيل" اللبنانيين، جعلت العالم كله يشاهد مذابحها على الهواء مباشرة.

تلك العملية كانت بمثابة علامة فارقة، أظهرت أن الاحتلال مستعد لفعل أي شيء، لكنها أظهرت أيضاً أن المقاومة مستعدة لتحمل أي شيء، وأن الشعب الذي يريد الحرية لا يُرهب بالموت.

 

 الانهيار النفسي للجيش الإسرائيلي

بحلول أواخر التسعينيات، بدأت تظهر بوادر واضحة على انهيار الروح المعنوية داخل الجيش الإسرائيلي. تقارير استخباراتية إسرائيلية كانت تتحدث عن "فقدان الشغف بالقتال" و"تراجع الدافعية" و"تصاعد حالات الرفض للخدمة في جنوب لبنان".

كان الجنود الصهاينة يطلقون على أنفسهم أسماء مثل "جنود الاحتياط الباكيين"، وكانت أيام الخدمة في "الشريط الحدودي" بمثابة كابوس لا ينتهي. الخوف من العبوات الناسفة، من الكمائن، من القناصة، حوّل الحياة العسكرية إلى جحيم يومي.

هذا الانهيار النفسي كان ربما أكثر أهمية من أي انهيار عسكري، فهو يعني أن العدو لا يملك الإيمان بعدالة قضيته، وبأن النصر غير ممكن، وبأن التضحية لها معنى. وعندما يحدث ذلك في جيش، فإن الهزيمة تصبح مسألة وقت فقط.

 

أيار 2000... لحظة الحسم ومشاهد الانهيار

في الأيام التي سبقت أيار 2000، كان الوضع أشبه بفيلم رعب إسرائيلي. كانت المقاومة تضرب بقوة، والمواقع العسكرية تسقط الواحد تلو الآخر، وحلفاء "إسرائيل" في الداخل اللبناني (ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي") كانوا يشعرون أنهم أصبحوا عبئاً ثقيلاً بدلاً من أن يكونوا نافعة.

أدرك حينها أن الكيان الإسرائيلي كان  يواجه خيارات مستحيلة: إما أن يبقى ويستمر في الخسائر، وإما أن ينسحب ويعلن الهزيمة. وكلاهما مؤلم. لكن في النهاية، اختار الانسحاب، بعدما اجبرتها المقاومة على الإندحار.

 

 انهيار "جيش لبنان الجنوبي": كارثة العملاء

مع بدء الجيش الإسرائيلي بالانسحاب من المواقع الأمامية، انهارت ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" بشكل مذهل. هؤلاء الذين راهنوا على أن الاحتلال سيبقى إلى الأبد، وجدوا أنفس فجأة بلا سند، وبلا خلفية، وبلا شعب يحميهم.

قادة الميليشيا فروا ليلاً على متن الزوارق الحربية الإسرائيلية إلى أراضي الاحتلال، تاركين جنودهم وعملاءهم لمصيرهم. الجنود العاديون وأفراد العائلات المتعاونة فروا بأي طريقة ممكنة، بعضهم عبر الحدود، وبعضهم اختبأ في منازل خوفاً من انتقام أهالي الجنوب بسبب المجازر التي ارتكبوها ضد الشعب هناكظ.

أما بقية العملاء الذين لم يستطيعوا الهروب، فقد تم أسرهم ومحاكمتهم. والمشاهد التي انتشرت في وسائل الإعلام لأسر العملاء وهم يلقون أسلحتهم ويصرخون طلباً للأمان، كانت من أقسى المشاهد التي أرغمت الإسرائيليين على مشاهدتها.

 

بنت جبيل... حين تحدثت المقاومة بلغة الكرامة بخطاب غيّر المعادلة

 

بعد أيام من التحرير، وقف الشهيد الأقدس السيد حسن نصر الله في مدينة بنت جبيل، المدينة التي تحولت إلى أيقونة للصمود، وألقى خطابه الشهير الذي لم يكن مجرد خطاب سياسي، بل كان بياناً تاريخياً تجاوز حدود لبنان ووصل إلى العالم كله.

المشهد نفسه كان مهيباً: الأعلام وصور الشهداء وجموع غفيرة من المحتفلين الذين كانوا بالأمس تحت القصف وصلوا الى مدينة بنت جبيل، تلك المدينة التي كانت على خط النار طوال سنوات، والتي دفع أهلها أثماناً باهظة، ووسط الزغاريد والدموع، أطلق العبارة التي دخلت الوعي السياسي العربي والعالمي: "إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت".

  لماذا "بيت العنكبوت" تحديداً؟

لم تكن تلك الجملة مجرد كلمة عابرة، ولا مجرد توصيف سياسي أو عسكري. كانت لحظة كسر نفسي وتاريخي لصورة الكيان الذي ظل لعقود يظهر كقوة لا تُقهر، وجيش لا يُغلب، ودولة لا تُهزم.

بيت العنكبوت هو أضعف البيوت على الإطلاق، رغم أنه يبدو منظماً، جميلاً، وقد يبدو قوياً، لكنه لن يصمد أمام هبة ريح او لمسة، وتشبيه "إسرائيل" ببيت العنكبوت يعني أن قوتها وهمية، وأن هيكلها هش، وأن ما يبدو مهابة هو في الواقع قابل للانهيار في أية لحظة.

لكن الجملة كانت أكثر من تشبيه، كانت إعلاناً عن نهاية عصر، عصر الخوف من "إسرائيل"، وعصر الهزائم النفسية، وعصر الشعور بأن الاحتلال قدر لا يمكن تغييره.

 

  بنت جبيل تصبح عاصمة الانتصار

بعد ذلك الخطاب، لم يكن اللبنانيون يحتفلون فقط بانتصار عسكري تحقق على الأرض. بل كانوا يشهدون ولادة خطاب عربي جديد يتحدث بلغة الثقة والكرامة، بعد سنوات طويلة من لغة الهزيمة والإنكسار.

ومع هذا الخطاب تحولت بنت جبيل من مدينة حدودية صغيرة إلى عاصمة رمزية للانتصار العربي. وفيها تأكد العالم أن الشعوب إذا آمنت بقضيتها واستعدت للتضحية من أجلها، فإن المستحيل يصبح ممكناً. وأن الجيوش الحديثة والطائرات المتطورة لا تنفع أمام شعب يريد الحرية، وإرادة لا تنكسر.

 

بنت جبيل عاصفة النصر: كيف حوّلت المقاومة الإحباط العربي إلى يقين بالتمكين؟

الخطاب الذي ألقى في بنت جبيل، وكذلك ما تبعها من تصريحات وتحليلات، حملت دروساً مهمة للعالم العربي:

أولاً: أن الانتصار على "إسرائيل" ممكن، وليس مجرد حلم بعيد.

ثانياً: أن المقاومة ليست مجرد سلاح، بل إرادة، وصبر، وتنظيم، وحاضنة شعبية.

ثالثاً : أن الوحدة الوطنية هي السلاح الأنجع، وأن الفرقة هي أخطر أعداء الانتصار.

رابعاً: أن الدعم الخارجي مهم، لكنه لا يغني عن الاعتماد على الذات.

خامساً: أن الصورة التي يرسمها الإعلام عن "إسرائيل" كقوة خارقة هي مجرد وهم، وأن الواقع مختلف تماماً.

 

الجيش والشعب والمقاومة... معادلة صنعت الردع

أثبت تحرير جنوب لبنان أن الانتصارات الكبرى لا تصنعها الجيوش وحدها، ولا الشعارات وحدها، بل تصنعها معادلة وطنية متكاملة تجمع بين الجيش والشعب والمقاومة.

هذه المعادلة لم تأت من فراغ، بل نتاج تجربة مريرة ومؤلمة. لبنان تعلم من حروبه الأهلية أن الفرقة تقود إلى الهزيمة، وتعلم من احتلال الجنوب أن الوحدة هي الطريق الوحيد للتحرير.

فالجيش اللبناني، رغم محدودية إمكانياته مقارنة بالجيش الإسرائيلي، بقي عنوان السيادة الوطنية. كان حاضراً في مواقع القتال، يؤازر المقاومة، ويحمي المدنيين، ويحافظ على العلم اللبناني مرفوعاً حتى في أصعب الظروف.

أما الشعب، فشكل الحاضنة التي منحت المقاومة القدرة على الاستمرار. أبناء الجنوب فتحوا بيوتهم للمقاومين، وشاركوهم طعامهم وشرابهم، وقدّموا أبناءهم شهداء على طريق التحرير. لم يكن هناك فصل بين المقاوم والمواطن، بل كان الجميع في خندق واحد.

والمقاومة، بدورها، حملت العبء الأكبر في المواجهة المباشرة مع الاحتلال. خططت ونفذت وضحت، درّبت مقاتليها وصنعت أسلحتها وابتكرت أساليب قتالية جديدة أربكت أعتى جيوش المنطقة.

 

معادلة الردع: كيف حمى التحرير لبنان؟

من أهم نتائج تحرير الجنوب، بل ربما الأهم، هي "معادلة الردع" التي أقامتها المقاومة مع الاحتلال. بعد أيار 2000، عرفت "إسرائيل" أن لبنان لم يعد ساحة سهلة، وأن أي اعتداء جديد سيقابل برد قاسٍ.

هذا الردع لم يكن مجرد تصريحات إعلامية، بل أثبت فعاليته في أكثر من مناسبة. في حرب تموز 2006، حاولت "إسرائيل" تدمير قدرات المقاومة، لكنها فوجئت بمستوى الصمود والقوة النارية الذي تجاوز كل توقعاتها. وفي نهاية الحرب، اضطرت لقبول وقف إطلاق النار دون تحقيق أهدافها الكبرى.

معادلة الردع تعني أن الاحتلال لم يعد يستطيع أن يقرر متى وأين وكيف يشن حرباً، لأن المقاومة تملك القدرة على فرض قواعد اللعبة، وتملك أيضاً القدرة على جعل العدو يدفع ثمناً باهظاً لأي عدوان.

25 أيار… من انسحاب الاحتلال إلى عيد المقاومة والتحرير

بعد اكتمال الانسحاب الإسرائيلي من معظم مناطق الجنوب اللبناني عام 2000، اتجه لبنان رسمياً وشعبياً إلى تثبيت هذا التاريخ كمحطة وطنية جامعة، تُجسّد لحظة انتهاء الاحتلال وبداية مرحلة جديدة من السيادة على الأرض الجنوبية، ومعه اعتمدت الدولة اللبنانية يوم 25 أيار عيداً وطنياً تحت اسم «عيد المقاومة والتحرير»، ليصبح مناسبة سنوية تُحيي ذكرى الانسحاب وتُعيد التأكيد على معاني التحرير في الوجدان الوطني.

جاء ترسيم هذا اليوم عيداً رسمياً ليعكس الإجماع الواسع الذي رافق الحدث آنذاك، حيث اعتُبر الانسحاب نتيجة مسار طويل من المواجهة والاستنزاف، تداخلت فيه عوامل عسكرية وشعبية وسياسية. كما تحوّل هذا التاريخ إلى رمز جامع يتجاوز الاصطفافات السياسية، باعتباره يوماً لاستعادة الأرض وترسيخ فكرة أن الاحتلال ليس قدراً دائماً.

ومع اعتماد 25 أيار عيداً للمقاومة والتحرير، اكتسب الحدث بعداً رمزياً إضافياً، إذ لم يعد مجرد ذكرى عسكرية، بل مناسبة وطنية تُستعاد فيها تجربة الجنوب بكل أبعادها، من الصمود الشعبي إلى المواجهة الميدانية، وصولاً إلى عودة الأهالي إلى قراهم. كما أصبح هذا اليوم محطة سنوية لإعادة قراءة تجربة التحرير في الخطاب السياسي والإعلامي، والتأكيد على معاني السيادة والدفاع عن الأرض في الوعي اللبناني العام.

الذكرى لا تموت والدروس مستمرة ومشاهد العودة التي لا تُنسى

كانت لحظة العودة مهيبة، السيارات المحملة بالأعلام اللبنانية وصور الشهداء، والنساء يبكين فرحاً وحزناً معاً، فرحاً بالتحرير، وحزناً على من لم يعودوا ليروا هذا اليوم.

في الخامس والعشرين من أيار من كل عام، لا يحيي اللبنانيون فقط ذكرى تحرير أرضهم، بل يحيون أيضاً ذكرى كرامتهم التي استعادوها، يستذكرون شهداءهم، ويؤكدون لأنفسهم ولمن حولهم أن الدم الذي سال لم يذهب هباء.

لكن هذه الذكرى ليست مجرد مناسبة للاحتفال، بل هي أيضاً فرصة للتفكير في الدروس التي لا تزال مطلوبة حتى اليوم. فالجنوب الذي تحرر من الاحتلال لا يزال يواجه تحديات كبيرة: تحديات اقتصادية، سياسية، اجتماعية، وأمنية.

فبينما يستعيد اهالي لبنان والجنوب تحديداً مشاهد وذكرى يوم طُرد فيه الاحتلال مدحوراً، يعيش أهله اليوم تحت وطأة حرب جديدة، لم يشهد لها الجنوب مثيلاً منذ ذلك الانتصار. قذائف تحرق ما بناه الصابرون، ومجازر يرتكبها ذات الكيان، وحرب إبادة ممنهجة بدأت منذ شهر رمضان، وتهجير ونزوح  وما زالت لغاية اليوم مستمرة.

وهكذا، يتجدد السؤال هذه الأيام، ليس فقط عن معنى النصر، بل عن معنى الصمود في وجه آلة لا تعرف الرحمة، وعن قدرة شعب تعوّد على الوجع على كتابة سيناريو جديد للانتصار، رغم كل القصف والحصار

وتبقى العبارة الخالدة التي خرجت من بنت جبيل صدى يتردد في كل زمان ومكان: "إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت". وتبقى ذكرى أيار 2000 حية في الضمير الجمعي، ليس كذكرى عابرة، بل كنموذج حي على أن الإرادة قادرة، إذا توفرت لديها الإرادة، على صناعة المعجزات.

إن 25 أيار هو يوم من أيام الله، شهد فيه العالم أن المستضعفين يورثهم الله الأرض إذا صبروا واتقوا. في كل عام، يتجدد العهد بأن المقاومة باقية، وأن التحرير قادم، وأن الكرامة العربية ستعود مهما طال الطريق. والتأكيد يبقى راسخاً: أن طريق الشهداء لم يمت، وإن دماءهم أثمرت هذا النصر، وإن ذكراهم خالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فلا تهنوا ولا تحزنوا، فإن العاقبة للمتقين.

/إنتهى/