معركة الروايات.. كيف تفوقت طهران في ميدان الإعلام الرقمي

وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن الحسم في الحرب بين إيران وأمريكا لم يتحقق عبر القوة العسكرية أو التفوق التقني، بل من خلال السيطرة على السردية الإعلامية والتأثير في الرأي العام العالمي.

وتشير الكاتبة الإيرانية مريم أحمدبور إلى مفارقة لافتة؛ إذ لم تتمكن القاذفات الشبحية أو التحالف الأمريكي الإسرائيلي من فرض معادلة الردع أو تحقيق نصر حاسم، بينما نجح مقطع رسوم متحركة بسيط مصنوع من قطع “الليغو” ومرفق بأغنية راب شبابية في اجتياح منصات التواصل الاجتماعي بسرعة هائلة، متجاوزاً كل أنظمة الرقابة والحماية السيبرانية. هذا الانتشار الواسع دفع وسائل إعلام غربية كبرى إلى الاعتراف، بصورة غير مباشرة، بأن طهران تفوقت على واشنطن في “حرب الروايات” أو “الحرب الإدراكية”.

وترى أن وقف إطلاق النار الذي أنهى المواجهة العسكرية لم يكن نهاية الصراع، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً تدور خلف الكواليس الدبلوماسية والإعلامية. فالمواجهة الحقيقية انتقلت إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت المنصات الإلكترونية والخوارزميات وعقول المتلقين في المدن العالمية الكبرى هي ساحة القتال الأساسية.

وتنقل الكاتبة الإيرانية مريم أحمدبور في تحليلها أن الحرب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على السلاح التقليدي، وإنما على القدرة على تشكيل الإدراك الجماعي والتأثير في الوعي العام. وتوضح أن الولايات المتحدة اعتمدت على نموذج إعلامي مركزي ومنظم، تشارك فيه المؤسسات الرسمية والأجهزة الاستخباراتية لإنتاج خطاب موحد ومتوقع نسبياً، بينما تبنت إيران نموذجاً أكثر مرونة وفوضوية، يجمع بين الإعلام الرسمي وشبكات واسعة من الناشطين والمستخدمين المجهولين وصناع المحتوى غير المرتبطين مباشرة بالدولة.

وبحسب التحليل، فإن هذه اللامركزية منحت إيران قدرة أكبر على المناورة وإنتاج محتوى سريع ومتجدد يصعب السيطرة عليه أو توقعه. وقد وصف بعض الباحثين هذا الأسلوب بمفهوم “التحكم التأملي”، أي صناعة بيئة إعلامية تدفع الجمهور إلى تبني الرسائل المطلوبة بشكل غير مباشر، دون فرض خطاب دعائي مباشر وواضح. ومن هنا، حققت إيران ”الانتصار التكتيكي” في الحرب الإدراكية، لأنها استطاعت كسب التفاعل الشعبي والتأثير العاطفي عبر المحتوى الرقمي الساخر والمختصر، المعروف بحرب “الميمات”.

لكن الكاتبة تؤكد في الوقت نفسه أن هذا النجاح لا يعني انتصاراً استراتيجياً دائماً، لأن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة طهران على تحويل هذا الزخم الرقمي المؤقت إلى سردية عالمية مستقرة وطويلة الأمد، في مواجهة الرواية الأمريكية الراسخة التي تقدم إيران باعتبارها مصدراً لعدم الاستقرار في المنطقة.

وفي الجزء الاستشرافي من المقال، تطرح أحمدبور أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل الحرب الإعلامية حتى عام 2036. السيناريو الأول يتسم بالتفاؤل، حيث تتوقع الكاتبة أن يتحول النموذج الإعلامي الإيراني إلى مصدر إلهام للحركات المناهضة للاستعمار في دول الجنوب العالمي، خصوصاً في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا. وفي هذه الحالة، قد تتراجع هيمنة المنصات الغربية على التحكم بالمحتوى والخوارزميات، وتظهر مساحات إعلامية أكثر استقلالاً عن النفوذ الأمريكي.

أما السيناريو الثاني فيحمل طابعاً تحذيرياً، إذ ترى الكاتبة أن الإبداع الرقمي الإيراني قد يتحول إلى نقطة ضعف إذا لم يرافقه مشروع استراتيجي واضح ومتماسك. فالتشتت وغياب الرسالة الموحدة قد يسمحان للولايات المتحدة بالحفاظ على تفوقها الإعلامي، خاصة أنها تعتمد على خطاب بسيط ومتكرر يسهل ترسيخه في الرأي العام العالمي وصنع القرار السياسي.

وفي السيناريو الثالث، تطرح فكرة “الهيمنة الزمنية”، وهي شكل جديد من أشكال الرقابة لا يعتمد على حذف المحتوى أو منعه بالكامل، بل على التحكم في توقيت وصوله إلى الجمهور. فبدلاً من الحجب المباشر، يمكن للمنصات أو الحكومات تأخير انتشار المحتوى الإيراني أثناء الأزمات، ما يؤدي إلى فقدانه قيمته السياسية والإعلامية، لأن التأثير في الحروب الحديثة مرتبط بسرعة الانتشار والتفاعل اللحظي.

أما السيناريو الرابع، الذي تعتبره الكاتبة الأكثر تشاؤماً، فيفترض تشديد الرقابة الغربية والتنسيق الاستخباراتي بين الولايات المتحدة وحلفائها، بالتزامن مع تفاقم الأزمات الاقتصادية داخل إيران. وفي ظل هذا الوضع، قد يضعف الفاعلون الرقميون المستقلون الذين شكّلوا القوة الأساسية في الحرب الإعلامية، ويُعاد تقديم حرب 2026 للرأي العام العالمي باعتبارها “تدخلاً إنسانياً” بدلاً من عدوان عسكري.

/انتهى/