الهدنة الكاذبة: واشنطن تشرعن الحرب الإسرائيلية المفتوحة على لبنان وتمنحها غطاء الاستمرار والاستهدافات

أمل شبيب

في هذا السياق تتحول الهدنة في لبنان إلى آلية لتنظيم النار لا لإيقافها، مع استمرار الاستهدافات والعمليات ضمن غطاء سياسي دولي. وهكذا يتكرس واقع "الحرب الدائمة منخفضة الإغلاق"، حيث تتداخل الحرب بالسياسة، وتصبح الهدنة جزءاً من إدارة الصراع لا نهايته.

لم يكن ما كشفته صحيفة "إسرائيل هيوم" مجرد تسريب سياسي عابر، بل بدا أشبه بإعتراف إسرائيلي واضح بأن ما يُسوَّق للبنانيين والعالم على أنه "وقف لإطلاق النار" ليس في الحقيقة سوى إعادة تنظيم للحرب تحت سقف مختلف.

فالصحيفة العبرية تحدثت بصراحة عن أن واشنطن منحت "إسرائيل" 45 يوماً إضافية من حرية "العمل العسكري" في لبنان، تحت غطاء تمديد "وقف الأعمال العدائية".

وهنا تحديداً تسقط اللغة الدبلوماسية كلها دفعة واحدة، لأن أي وقف نار يسمح بإستمرار الضربات والاغتيالات والقصف والاستهدافات اليومية، لا يعود وقفاً للنار، بل يصبح شكلاً آخر من أشكال إدارة الحرب.

فالمشهد هنا أخطر بكثير من مجرد تمديد تقني لإتفاق مؤقت. فنحن أمام تحول كامل في طبيعة الصراع نفسه، حيث لم تعد الولايات المتحدة تسعى إلى إنهاء المواجهة، بل إلى ضبط إيقاعها فقط، ومنعها من الانفجار الشامل، مع الإبقاء على "إسرائيل" داخل مساحة عمليات مفتوحة.

وهذا بحد ذاته يكشف حجم المأزق الذي تعيشه المنطقة نتيجة السياسات الأميركية-الإسرائيلية

الهدنة التي لا توقف النار

في المفهوم التقليدي، تُبنى الهدنات من أجل الانتقال من الميدان إلى السياسة، أما اليوم، فالسياسة نفسها أصبحت أداة لإدارة الميدان.

منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، لم تتوقف الغارات الإسرائيلية، ولم تتوقف الاغتيالات، ولم تتوقف عمليات القصف والاستهداف في الجنوب والبقاع والضاحية. بل إن المشهد بدا وكأن الكيان الإسرائيلي انتقل  من الحرب المفتوحة إلى "الحرب المنخفضة الكلفة"، وهنا تظهر المفارقة الكبرى.

واشنطن تتحدث عن "خفض التصعيد"، بينما تمنح عملياً غطاءً لإستمرار التصعيد، وتتحدث عن "الاستقرار"، بينما تشرعن استمرار الضربات العسكرية، وتتحدث عن "الحلول السياسية"، بينما تمنح "تل أبيب" وقتاً إضافياً لإدارة النار.

هذا ليس تناقضاً دبلوماسياً فقط، بل يعكس تحولاً عميقاً في التفكير الأميركي والإسرائيلي معاً، فالهدف لم يعد تثبيت تهدئة حقيقية على الجبهة الشمالية، بل فرض واقع رمادي: لا مواجهة شاملة تُحسم، ولا استقرار فعلي يُبنى.. لا حرب شاملة… ولا هدوء حقيقي، بل نحو تكريس حالة استنزاف مستمرة تُدار تحت عنوان "الهدنة".

 

ماذا يعني "وقف نار نشط"؟

المصطلح الذي استخدمته "إسرائيل هيوم" بالغ الخطورة: "وقف إطلاق نار نشط". وهذا التعبير يكشف وحده طبيعة المرحلة الجديدة. فالمنطقة لم تعد أمام هدنة توقف الاشتباك، بل أمام صيغة تسمح بإستمرار العمليات العسكرية ضمن سقف مضبوط.أي أن النار لا تتوقف، بل تُدار فقط.

هذا النموذج يعكس إدراكاً إسرائيلياً عميقاً بأن الحرب الشاملة على لبنان لم تعد خياراً سهلاً كما كان يُعتقد سابقاً. "إسرائيل" الكيان الغاصب،  تدرك أن أي مواجهة واسعة مع حزب‌الله اليوم لن تكون نسخة مكررة عن حرب تموز، بل مواجهة مفتوحة على الإقليم كله، وعلى جبهات متعددة، وعلى استنزاف طويل قد يضرب العمق الاقتصادي والعسكري والنفسي للكيان بشكل غير مسبوق. ولهذا تبحث "تل أبيب" عن صيغة وسطية: استمرار الضغط العسكري دون الانزلاق إلى حرب كاملة.

لكن هذه الصيغة تكشف أيضاً أزمة إسرائيلية حقيقية، لأن الدولة القادرة على الحسم لا تحتاج إلى "إدارة حرب دائمة"، ولا تحتاج إلى تمديد العمليات كل 45 يوماً، ولا تحتاج إلى تحويل الهدنة نفسها إلى غطاء للقصف.

حين تصبح الحرب بلا نهاية واضحة، فهذا لا يعكس فقط فائض قوة، بل يكشف عجزاً عن إنتاج الحسم.

واشنطن لا تمنع الحرب… بل تنظّمها

الأخطر في كل ما جرى هو سقوط صورة "الوسيط الأميركي"، فالولايات المتحدة لم تعد حتى تحاول إخفاء انحيازها الكامل.هي لا تتصرف كضامن للهدوء، بل كمدير سياسي للحرب الإسرائيلية، والفارق هنا بالغ الأهمية. فالضامن الحقيقي لوقف النار يفترض أن يضغط لوقف الاغتيالات والاستهدافات والانتهاكات، لكن ما يحدث الآن فهو العكس تماماً: غطاء سياسي أميركي لإستمرار العمليات العسكرية، شرط ألا تتحول إلى انفجار إقليمي شامل.

بمعنى أوضح، لا تريد واشنطن إنهاء الحرب، بل تريد فقط منع خروجها عن السيطرة، وهذا يكشف طبيعة المقاربة الأميركية الجديدة للمنطقة بكاملها منذ السابع من أكتوبر 2023 ، إدارة الفوضى بدلاً من حلّها.

فالولايات المتحدة تدرك أن "إسرائيل" لم تستطع تحقيق صورة النصر التي وعدت بها، سواء في غزة أو في لبنان، او حتى ايران، وتدرك أيضاً أن فتح حرب إقليمية كبرى قد يجر المنطقة كلها إلى انفجار يتجاوز قدرة واشنطن نفسها على التحكم به.

ولهذا تحاول إنتاج معادلة دقيقة جداً: حرب مستمرة… لكن محسوبة، استنزاف دائم… لكن مضبوط، تصعيد دائم… لكن دون انهيار شامل.

 

لماذا يخشى الكيان الإسرائيلي الهدوء الحقيقي في لبنان؟

الهدوء الكامل اليوم يحمل معنى سياسياً خطيراً بالنسبة للكيان، وأي توقف مستقر للجبهة الشمالية سيُقرأ باعتباره اعترافاً ضمنياً بفشل أهداف الحرب الكبرى التي بدأت بعد 7 أكتوبر. ولهذا تحاول "إسرائيل" إبقاء الجبهة اللبنانية داخل حالة التوتر المستمر، لأن استمرار الضغط العسكري يمنحها القدرة على الادعاء بأنها ما زالت "تفرض الردع"، حتى لو كانت عاجزة عن إنهاء التهديد بالكامل.

لكن المفارقة أن هذا السلوك نفسه يكشف اهتزاز الردع الإسرائيلي لا قوته. فالردع الحقيقي يُنتج استقراراً، أما الردع المأزوم فيُنتج قلقاً دائماً ومحاولات مستمرة لإثبات الحضور بالقوة، ولهذا تبدو الإغتيالات والغارات اليومية أقرب إلى محاولة لمنع تآكل صورة الردع الإسرائيلية، أكثر من كونها تعبيراً عن قدرة حقيقية على فرض نهاية واضحة.

 

لبنان لم يعد جبهة منفصلة

واحدة من أهم التحولات التي فرضها "طوفان الأقصى" أن الجبهات لم تعد معزولة عن بعضها.غزة تؤثر في لبنان، ولبنان يؤثر في البحر الأحمر، واليمن يؤثر في التجارة العالمية، وإيران حاضرة في قلب المعادلة كلها، ولهذا لم تعد "إسرائيل" قادرة على التعامل مع الجبهة اللبنانية بإعتبارها ملفاً مستقلاً يمكن إغلاقه بسهولة.

كل هذا بات يشير ويعني إلى أن أي تصعيد كبير في لبنان قد يفتح أبواب الإقليم كله، وأي هدوء كامل قد يُفسَّر كهزيمة سياسية ومعنوية، وهنا يظهر المأزق الحقيقي.

"إسرائيل" تريد إنهاء التهديد، لكنها لا تستطيع. تريد تجنب الحرب الشاملة، لكنها لا تستطيع إيقاف التصعيد بالكامل.كل هذا دفعها للجوء الى الصيغة الوحيدة المتاحة حالياً: إدارة حرب بلا نهاية.

 

المنطقة دخلت زمن "الحرب المفتوحة منخفضة الإغلاق"

ما كشفته "إسرائيل هيوم" لا يتعلق فقط بلبنان، بل يكشف الخطة الجديدة لشكل "الشرق الأوسط الجديد" كله. فالمنطقة لم تعد تعيش حروباً تنتهي بإتفاقات واضحة، بل دخلت مرحلة "الحرب الدائمة منخفضة الإغلاق"، حيث تستمر الجبهات مشتعلة تحت أسقف مختلفة، وتتحول الهدنات نفسها إلى جزء من بنية الصراع. فلم يعد هناك هدوء كامل، ولا حرب كاملة، بل مساحة رمادية طويلة تُدار بالنار والسياسة معاً.

وهنا تحديداً تصبح أخطر جملة في المشهد كله: المشكلة لم تعد في غياب وقف إطلاق النار"، بل في أن "وقف إطلاق النار" نفسه أصبح أداة من أدوات الحرب.

في المحصلة،  هذه المعادلة تطرح سؤالاً أوسع عن طبيعة المرحلة كلها: هل ما زال العالم يعيش منطق وقف إطلاق نار فعلي، أم أننا دخلنا زمن "الهدنات المُدارة" كجزء من الحرب نفسها؟

وإذا كانت الهدنة لا توقف النار بل تنظّمها، فهل يبقى اسمها هدنة أصلاً؟ أم أنها مجرد صيغة لغوية لإعادة تعريف الحرب بأدوات سياسية؟

وهل تستطيع منطقة مثقلة بالجبهات أن تستقر، بينما تُدار التهدئة نفسها من داخل منطق التصعيد؟

ثم، من يملك فعلياً قرار النهاية: أطراف الميدان، أم القوى التي تدير الإيقاع من الخارج؟

أسئلة تبقى مفتوحة… بقدر ما يبقى المشهد نفسه مفتوحاً على احتمالات لا تُغلقها البيانات الرسمية، ولا تُنهيها الهدنات المعلنة.

/إنتهى/