كيف حوّلت جبهات القتال اقتصاد "الكيان المتآكل" إلى "اقتصاد حرب دائم؟"

أمل شبيب

"إسرائيل" اليوم لم تعد دولة الشركات الناشئة، بل أصبحت اقتصاد الخنادق، وطالما بقيت الجبهات مشتعلة، سيبقى هذا الاقتصاد أسير حربه الدائمة.

قبل أن تدوي صفارات الإنذار في 7 أكتوبر 2023، كانت "إسرائيل" ككيان تصدر للعالم صورة "إمبراطورية الهاي تيك"، ذلك الكيان الذي تغلب على الجغرافيا ليصبح عملاقاً في عالم التكنولوجيا والابتكار، وملاذاً آمناً للمستثمرين. لكن بعد ما يقرب من ثلاث سنوات من الحرب متعددة الجبهات، والمواجهة المباشرة مع إيران التي كانت تعتبر "حرب ظل"، لم يعد هناك مجال للشك: "إسرائيل تخلت عن نموذج الازدهار الاستهلاكي، وحولت اقتصادها بالكامل إلى "اقتصاد حرب دائم".

الأرقام لا تكذب، فما كان يوصف بـ"اقتصاد معجزة" أصبح اليوم يُعيد تعريف نفسه من خلال الديون المتزايدة، والضرائب الخانقة، وسوق عمل منهكة بسبب الاحتياط، ناهيك عن ضربة استراتيجية قاسية وجهتها إيران ليس فقط بصواريخها، بل بتحويل معادلة الردع الإقليمي رأساً على عقب.

كيف قلبت طهران الطاولة على الكيان والإدارة الأميركية، وكيف حولت جبهات القتال الممتدة من طهران إلى تل أبيب أحلام "الهاي تيك" إلى واقع مرير من "الخنادق".

 

تحول جذري في الميزانية : اختفاء "عائد السلام"

كان "عائد السلام" الذي جناه الكيان الإسرائيلي منذ اتفاقيات أوسلو وحتى عام 2022 هو الأساس الذي بنى عليه اقتصاده  القوي، حيث انخفض الإنفاق الدفاعي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 7.6% في منتصف التسعينيات إلى حوالي 4.1% فقط في عام 2022. كانت هذه الأموال تُوجه إلى البنية التحتية والاستهلاك والنمو.

اليوم، عادت عقارب الساعة إلى الوراء بكل قسوة. مع اندلاع الحرب على عدة جبهات، ارتفع الإنفاق الدفاعي بشكل حاد ليصل إلى 8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، وفي مؤشر خطير على أن هذه ليست مجرد أزمة عابرة، قامت الحكومة الإسرائيلية بتمرير ميزانية 2026 بقيمة 144 مليار شيكل جديدة للإنفاق الدفاعي، مع توصيات من لجنة ناجل بزيادة سنوية ثابتة في الميزانية الدفاعية للعقد القادم تصل إلى 9-15 مليار شيكل سنوياً.

النتيجة المباشرة لهذا التحول هي انهيار الانضباط المالي. فالدين العام الذي كان مستقراً عند حوالي 60% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب، قفز إلى 69% بحلول نهاية عام 2024، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يستمر في الصعود ليصل إلى حوالي 70% بحلول عام 2028. ببساطة، اختفى "عائد السلام" وحل محله "عبء الحرب" المزمن.

 

تدمير "الخلف الآمن" – كيف انتقلت الحرب إلى غرفة المعيشة الإسرائيلية؟

ولفهم عمق التحول الذي أحدثته إيران، يجب أولاً استيعاب مفهوم كان لعقود حجر الزاوية في الاستراتيجية الاقتصادية الإسرائيلية : "الخلف الآمن"، فلم يكن هذا المصطلح عسكرياً فقط، بل كان وصفاً لحالة اقتصادية-نفسية. فقبل أن تتحول المواجهة إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات، كان المستوطن الإسرائيلي يعيش في واقع مفاده أن "الحرب شيء يحدث هناك". فالقصف والصواريخ كانت محصورة في حدود غزة وجنوب لبنان، بينما كانت تل أبيب ومركز البلاد، حيث تتركز شركات الهاي تيك، البورصة، الوزارات، والمطار الدولي ، أشبه بجزر معزولة عن اللهب.

هذا "الخلف الآمن" هو الذي أتاح للكيان الإسرائيلي طوال العقدين الماضيين تحويل اقتصاده  إلى "معجزة". فالمستثمر الأجنبي كان يضع أمواله في اي "Start-Up Nation" واحة الشركات الناشئة لأنه يعلم أن مدير الشركة سيحضر إلى المكتب غداً، وأن المطار سيكون مفتوحاً، وأن سلسلة التوريد لن تنقطع بسبب صافرات الإنذار، لقد كان بمثابة بوليصة تأمين ضد الحرب.

لكن إيران ومحور المقاومة قلبا هذه المعادلة رأساً على عقب، فمع عمليات "الوعد الصادق" التي استهدفت العمق الإسرائيلي مباشرة، لم تعد هناك منطقة تسمى "الخلف الآمن". فعندما تصيب الصواريخ الإيرانية  "مطار بن غوريون"، وتغلق المجال الجوي لساعات، وتشل حركة السياحة والاستثمار، وعندما تستهدف  مصفاة "بازان" في حيفا، معقل الطاقة الإسرائيلية، وتوقف نصف إنتاج الكيان من الوقود، فإن الرسالة واضحة: "لقد أصبحت الحرب في غرفة معيشة كل إسرائيلي".

هذا الانهيار لمفهوم "الخلف الآمن" هو السر الحقيقي وراء تحول الاقتصاد إلى "اقتصاد حرب دائم". فلم يعد هناك مكان هادئ ينتظر عودة الجنود من الجبهات لاستئناف الإنتاج، لقد نجحت إيران في جعل الحرب "مكلفة شخصياً" لكل مستوطن في الكيان.

 

كيف دمرت صواريخ إيران "العمق الاقتصادي"؟

لم تكن الضربة الموجعة التي وجهتها إيران عبر عمليات "الوعد الصادق" مجرد عسكرية، بل كانت اقتصادية بامتياز. ففي عملية "الوعد الصادق 3" التي شنتها طهران رداً على العدوان على أراضيها، اخترقت الصواريخ الإيرانية الدفاعات الجوية الإسرائيلية، متسببة بأضرار مباشرة قدرت بنحو 1.3 مليار دولار (حوالي 5 مليارات شيكل)، وهو رقم قياسي مقارنة بأي هجوم سابق.

ولكن الخسائر غير المباشرة كانت أكبر بكثير، فاستهداف مطار بن غوريون الدولي أدى إلى إغلاق المجال الجوي الإسرائيلي وتعطيل حركة الطيران لأيام، مما كبد الاقتصاد خسائر فادحة وعزل الكيان عن العالم لساعات حاسمة.

لكن التحول الاستراتيجي الأهم تمثل في استهداف "العمق الاقتصادي" للكيان، فالهجوم على مصفاة "بازان" في حيفا، المسؤولة عن إنتاج نصف احتياجات الكيان من الوقود، أدى إلى توقفها عن العمل بالكامل. هذا النوع من الاستهداف هو الذي يحول الحرب من "صدام عسكري" إلى "استنزاف اقتصادي" بطيء ومؤلم، وهو ما يجيده محور المقاومة بقيادة إيران.

إيران تحولت من مجرد تهديد إلى قوة قادرة على المس بالنسيج الاقتصادي اليومي للكيان، مما أفقد المواطن الإسرائيلي شعوره بالأمن الاقتصادي، وهو الركيزة الأساسية لأي اقتصاد حديث.

 

"جيش المستوطنين" الذي يكسر ظهر الاقتصاد

يفتخر الكيان بجيشه القائم على نظام الاحتياط، لكن هذه الميزة تحولت في حرب الاستنزاف الطويلة إلى نقطة ضعف قاتلة. بنك الكيان الإسرائيلي المركزي كشف النقاب عن حجم الكارثة: بلغت الخسائر التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي منذ بداية الحرب "177 مليار شيكل"، أي ما يعادل 8.6% من إجمالي الناتج المحلي، والسبب الرئيسي ليس نقص المواد الخام، بل "نقص حاد في العمالة" بسبب استدعاء الاحتياط

ففي عام 2025، بلغ متوسط عدد جنود الاحتياط الذين كانوا في الخدمة يومياً حوالي 30,000 جندي، مما يعني أن هذا العدد كان غائباً عن أماكن عملهم بشكل دائم. والأسوأ من ذلك، أن القانون الجديد الذي يلزم أرباب العمل بدفع تعويضات لجنود الاحتياط، رغم كونه ضرورياً للحفاظ على الجبهة، إلا أنه يمثل عبئاً إضافياً خانقاً على القطاع الخاص.

القطاع الأكثر تضرراً هو "قطاع التكنولوجيا الفائقة" (High-Tech)، الذي كان محرك الاقتصاد الإسرائيلي. الشباب أصحاب المهارات العالية هم الفئة الأكثر استدعاءً للاحتياط، مما أدى إلى هجرة مؤقتة ودائمة للعقول، وتراجع في الإنتاجية. ورغم أن بعض شركات الدفاع التكنولوجي شهدت طفرة في الاستثمارات (وصلت إلى 10.5 مليار دولار من عمليات الاندماج والشراء عام 2025)، إلا أن هذا يأتي في سياق تحول الاقتصاد بأكمله نحو المجهود الحربي على حساب الابتكار المدني.

 

رفع الضرائب وتآكل الطبقة الوسطى

لدفع فاتورة الحرب، كان لا بد من الضغط على المستوطن الإسرائيلي الذي كان يعتبر الأكثر تحصيناً في المنطقة. في خطوة تعكس عمق الأزمة، رفعت الحكومة الإسرائيلية ضريبة القيمة المضافة (VAT) إلى 18%. هذا الإجراء، إلى جانب تجميد الشرائح الضريبية، أدى إلى تآكل القوة الشرائية للطبقة الوسطى، وهي الفئة التي شكلت العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي لعقود.

مع ارتفاع التضخم نتيجة نقص العمالة واضطراب سلاسل التوريد، تجد الأسر الإسرائيلية نفسها تدفع ثمناً باهظاً لحرب لم تطلبها، وسط توقعات بأن تبقى مستويات المعيشة أقل من مسارها السابق لسنوات قادمة.

 

ماذا بعد؟

نجحت إيران والمقاومة في فرض معادلة جديدة: لم يعد الكيان قادراً على شن الحروب دون دفع ثمن اقتصادي باهظ ومباشر يؤثر على حياة مستوطنيه. فتح جبهات متعددة من البحر إلى الأرض، واستهداف البنية التحتية الحيوية، وتحويل الحرب إلى حالة مزمنة بدلاً من جولات سريعة، كلها عوامل أدت إلى تحويل "اقتصاد المعجزة" إلى "اقتصاد هش".

لم ينهار الكيان بالكامل، ولا يزال لديها احتياطي من القوة التكنولوجية والصمود المجتمعي. ولكن ما تخفيه الأرقام الرسمية هو أن البلاد دخلت مرحلة جديدة: مرحلة "التراجع النسبي"، حيث يتم استبدال أحلام النمو العالمي بواقع التقشف الدفاعي، وحيث أثبتت استراتيجية "حرب الاستنزاف" الإيرانية أنها قادرة على إحداث ضرر استراتيجي أعمق من أي صاروخ، وهو "تفكيك نموذج الحياة الإسرائيلي نفسه".

"إسرائيل" اليوم لم تعد دولة الشركات الناشئة، بل أصبحت اقتصاد الخنادق، وطالما بقيت الجبهات مشتعلة، سيبقى هذا الاقتصاد أسير حربه الدائمة.

 

/إنتهى/