ترامب وإيران: ورحلة التناقضات

في أقل من 72 ساعة، أصدر ترامب أربعة تصريحات متناقضة تجاه إيران بين التهديد والتراجع وإعلان النصر، والسبب أن ترامب ليس متردداً بل هو "ساحة حرب" بين ثلاثة فرق تتنافس على كتابة تصريحه: العسكريون يريدون حرباً، والدبلوماسيون يريدون صفقة، وفريق الحملة يريد إرضاء الناخبين. أما إيران فلم تقع في الفخ، بل تعاملت مع هذه التقلبات كـ"ضوضاء تكتيكية" واعتمدت على الصبر الاستراتيجي، مدركة أن الأكثر تغيراً هو الأكثر ضعفاً، والأكثر ثباتاً هو الأكثر قوة.

في أقل من 72 ساعة، صدرت أربعة تصريحات متناقضة لترامب عن إيران. الأول: "سنضرب إيران بقوة لم يروها من قبل". الثاني: "أوقفنا مهمة المرافقة في مضيق هرمز لفترة قصيرة بسبب تقدم كبير في المحادثات". الثالث: "المواقع النووية في إيران دُمّرت بالكامل". الرابع: "لم أقل أبداً أننا نريد تغيير النظام". لو قال هذا الكلام شخص عادي، لقلنا: إما مجنون، أو مخمور، أو مصاب بفقدان الذاكرة. لكنه ترامب.

لماذا يتغير ترامب بهذه السرعة تجاه إيران؟ الحقيقة أن ترامب لا يكتب تصريحاته بنفسه. خلفه ثلاثة فرق تتنافس على كتابة "تصريح اليوم". الفريق الأول: المستشارون العسكريون من البنتاغون، يريدون حرباً سريعة ونصراً واضحاً. الفريق الثاني: مستشارو السياسة الخارجية من وزارة الخارجية، يريدون صفقة ومفاوضات. الفريق الثالث: فريق الحملة الانتخابية، يريدون ما يرضي القاعدة الشعبية. بحسب تسريبات لشبكة ABC News، في الأسبوع الماضي فاز فريق البنتاغون، وهذا الأسبوع فاز فريق الحملة الانتخابية. النتيجة: ترامب ليس "متردداً"، بل هو "ساحة حرب" بين فرق مختلفة. الفرق بين "الحرب" و"السلام" في تصريحاته هو الفرق بين من ينام بجواره الليلة: جنرال أم مستشار انتخابي.

لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. ترامب لا يغير رأيه فقط، بل يعيد تعريف الكلمات نفسها. عندما يقول "انتهت الحرب" وهو لا يزال يقصف، فهو يعيد تعريف "الانتهاء". عندما كان قبل الحرب يقول إن "النصر" يعني تدمير كل المواقع النووية الإيرانية، ثم بعد الحرب يقول إن النصر هو "لقد أوقفناهم فقط"، فهو يعيد تعريف "النصر". وعندما كان يقول قبل الحرب "سنقاتل حتى النهاية"، ثم يقول بعدها "كانت مجرد نزهة واستطراد بسيط"، فهو يعيد تعريف "الحرب". هذه ليست حماقة، هذا تفكير ترامب الخطير.

ما الفائدة التي يجنيها ترامب من كل هذا التغير؟ أربع فوائد استراتيجية: إبقاء إيران في حالة تخمين فلا تدري متى سيضرب ومتى سيتوقف، تهدئة الكونغرس حتى لا يصوتوا ضده، إرضاء قاعدته الانتخابية بتقديم "نصر جديد" كل يوم وهو يعلم أنه وهمي، وتحضير الطريق لصفقة كبرى فكلما رفع سقف التهديدات اعتقد أنه زاد ثمن التنازلات.

أما إيران، فكيف تنظر إلى كل هذه التقلبات؟ هل هي حائرة أو خائفة؟ أبداً. إيران تعرف "الصبر الاستراتيجي". تقرأ التقلبات كـ"ضوضاء تكتيكية" وليس كسياسة متغيرة. ترامب يتغير كل يوم، أما إيران فلها استراتيجية واحدة تمتد لعقود. هي تدرك أن ترامب يتغير مثل الطقس، لكنها لا تبني استراتيجيتها على الطقس بل على الجغرافيا. عندما هدد ترامب بـ"حضارة ستموت"، إيران قالت: هذا أسلوب تفاوضه، فتجاهلوه. عندما قال "انتهت الحرب"، قالت: هذا هراء تكتيكي ونحن لا نصدقه. إيران تتصرف كملاكم محترف يعرف أن خصمه يرمي لكماً سريعاً في الجولة الأولى لكنه سينهك نفسه في الجولات الأخيرة. الأكثر تغيراً هو الأكثر ضعفاً، والأكثر ثباتاً هو الأكثر قوة. السؤال الحقيقي ليس هل ستهاجم أمريكا إيران مجدداً، بل من سينفد صبره أولاً: ترامب الذي يريد صفقة سريعة قبل الانتخابات، أم إيران التي أثبتت أن من يغير رأيه كل يوم لا يمكن الوثوق به؟

 

/إنتهى/