هل كانت البحرين تنتظر الحرب على إيران لتوسّع مظلتها القمعية ضد الشيعة؟
- الأخبار الشرق الأوسط
- 2026/05/12 - 15:53
أمل شبيب
فبينما كانت القواعد العسكرية تُستخدم في العمليات الخارجية، شهد الداخل البحريني تصعيداً أمنياً واسعاً استهدف بالدرجة الأولى المواطنين الشيعة، عبر الاعتقالات والملاحقات الإلكترونية وإسقاط الجنسية وتضييق الخناق على الحريات الدينية والسياسية. وتحوّلت أجواء الحرب إلى غطاء لتشديد القبضة الداخلية، واستغلت المنامة لحظة الصراع الإقليمي لإعادة تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد.
من القواعد العسكرية إلى الزنازين… الحرب التي لم يشاهدها العالم
بينما كانت الطائرات الأمريكية تقلع من القواعد العسكرية في الخليج الفارسي لضرب إيران، والصواريخ تعبر أجواء الخليج الفارسي في واحدة من أخطر الحروب التي شهدتها المنطقة منذ عقود، كانت البحرين تخوض حرباً أخرى داخل حدودها؛ حرباً صامتة ضد جزء كبير من شعبها.
فخلال الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران ، لم يقتصر الدور البحريني على فتح القواعد العسكرية والمجال الجوي أمام العمليات الأمريكية، بل ترافقت الحرب مع حملة قمع داخلي غير مسبوقة استهدفت الشيعة في البحرين، عبر الاعتقالات والاستدعاءات والملاحقات الإلكترونية وإسقاط الجنسية والتضييق الديني والإعلامي.
وبينما كانت المنامة تقدم نفسها كشريك "أمني" في الحرب الإقليمية، كانت في الداخل تعيد إنتاج "سياسة التخوين الجماعي" وربط الشيعة بأي موقف متضامن مع إيران، في مشهد أعاد إلى الأذهان أكثر مراحل البحرين توتراً منذ احتجاجات 2011.
لكن ما جعل المشهد أكثر خطورة، أن حجم التصعيد الأمني خلال الحرب بدا وكأنه جزء من خطة جاهزة مسبقاً، لا مجرد رد فعل ظرفي على التطورات الإقليمية.
وهنا بدأ السؤال الأكثر حساسية يفرض نفسه بقوة:
هل استغلّت البحرين الحرب على إيران لتصفية حسابات داخلية قديمة مع الشيعة والمعارضة؟
الحرب في الخارج… والاستنفار الأمني في الداخل
منذ الساعات الأولى للضربات الأمريكية على إيران، دخلت البحرين في حالة استنفار أمني داخلي واسع.
الانتشار الأمني في المناطق الشيعية تضاعف، الحواجز الأمنية انتشرت بصورة لافتة، والاستدعاءات بدأت تطال ناشطين ومواطنين ورجال دين وحتى أشخاصاً لا يمارسون أي نشاط سياسي.
وبحسب ناشطين حقوقيين، فإن الأجهزة الأمنية تعاملت مع أي تعبير عن رفض الحرب أو التضامن مع إيران باعتباره "تهديداً أمنياً"، حتى لو اقتصر الأمر على منشور إلكتروني أو تعليق أو إعادة نشر خبر.
وخلال أيام قليلة فقط، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحة مراقبة أمنية مفتوحة، حيث خضع عشرات المواطنين للتحقيق بسبب آرائهم السياسية أو الدينية المتعلقة بالحرب.
اللافت أن الملاحقات لم تقتصر على المعارضين المعروفين، بل امتدت إلى مواطنين عاديين، بينهم طلاب وموظفون ورجال دين وشبان من القرى الشيعية مختلفة.
ومع مرور الوقت، بدأت حالة خوف عامة تنتشر داخل المجتمع، خصوصاً بعدما أصبح واضحاً أن مجرد التعبير عن موقف سياسي قد يتحول إلى ملف أمني.
"التعاطف مع إيران"… التهمة التي فتحت أبواب السجون
خلال الحرب، برز مصطلح جديد في الخطاب الأمني البحريني: "التعاطف مع إيران"، هذه العبارة تحولت عملياً إلى تهمة فضفاضة استُخدمت لتبرير سلسلة واسعة من الاعتقالات والملاحقات. فقد تم استدعاء واعتقال عدد من المواطنين فقط لأنهم نشروا دعاء لإيران أو عبّروا عن رفضهم للضربات الأمريكية والإسرائيلية، فيما خضع آخرون لتحقيقات بسبب إعادة نشر خطابات أو مقاطع فيديو مرتبطة بالحرب.
وفي بعض الحالات، تحدثت عائلات عن توقيف أبنائها لأيام كاملة من دون السماح لهم بالتواصل مع محامٍ أو مع ذويهم.
كما تحدثت تقارير عن استدعاء شبان بسبب "إعجاب بمنشورات سياسية على منصات التواصل، ما عكس مستوى غير مسبوق من الرقابة الأمنية على الحياة الرقمية للمواطنين.
ويرى مراقبون أن السلطة البحرينية استخدمت الحرب كفرصة لتوسيع مفهوم "الجريمة السياسية"، بحيث يصبح أي تعاطف إنساني أو موقف سياسي مخالف للرواية الرسمية سبباً كافياً للملاحقة.
قضية "شبكات التجسس"… هل كانت جاهزة مسبقاً؟
في خضم الحرب، أعلنت السلطات البحرينية عن "تفكيك شبكات مرتبطة بإيران"، وشنّت حملة اعتقالات طالت شخصيات دينية واجتماعية بارزة.
لكن هذه القضايا أثارت الكثير من الشكوك، خصوصاً أن معظم المعتقلين معروفون بنشاطهم الديني أو الاجتماعي، وليس لهم أي تاريخ مرتبط بالعمل العسكري أو الأمني.
كما أن السلطات لم تقدم للرأي العام أدلة واضحة وموثقة تثبت الاتهامات الموجهة إليهم، ما دفع ناشطين ومعارضين إلى اعتبار هذه القضايا جزءاً من حملة سياسية هدفها تخويف البيئة الشيعية وإظهار أي معارضة على أنها "ارتباط بالخارج".
واللافت أن وتيرة الاعتقالات وسرعة إصدار القرارات الأمنية دفعت كثيرين إلى التساؤل عمّا إذا كانت هذه الحملات مُحضّرة مسبقاً، وكانت تنتظر فقط لحظة الحرب لتفعيلها تحت غطاء "الأمن القومي".
التعذيب والموت داخل السجون… قضية محمد الموسوي نموذجاً
وسط التصعيد الأمني الذي رافق الحرب على إيران، عادت الاتهامات المتعلقة بالتعذيب داخل السجون البحرينية إلى الواجهة، بعد تداول قضية الشاب البحريني السيد محمد الموسوي، الذي توفي بعد فترة قصيرة من اعتقاله على خلفية اتهامات مرتبطة بـ"التعاطف مع إيران".
وبحسب الصور المتداولة فإن آثار التعذيب كانت واضحة على جسده، في حين اكتفت السلطات برواية رسمية تحدثت عن |أسباب صحية"، من دون السماح بتحقيق مستقل وشفاف في ظروف وفاته.
وأثارت القضية موجة غضب واسعة داخل الأوساط الحقوقية البحرينية، التي اعتبرت أن الحرب وفّرت غطاءً لعودة أساليب التعذيب والضغط الجسدي والنفسي داخل مراكز الاحتجاز، بعيداً عن أي رقابة دولية فعلية.
كما تحدث ناشطون عن تعرض عدد من المعتقلين لسوء المعاملة والحرمان من العلاج والاحتجاز الانفرادي، في ظل تصاعد الاعتقالات المرتبطة بالمواقف السياسية من الحرب.
إسقاط الجنسية… أكثر من 60 بحرينياً بلا هوية
وفي موازاة الاعتقالات، صعّدت السلطات البحرينية من استخدام سلاح إسقاط الجنسية، حيث سحبت جنسيات أكثر من 60 مواطناً بحرينياً خلال فترة الحرب وما تلاها، تحت ذرائع مرتبطة بـ"الإضرار بمصالح الدولة" أو "الارتباط بجهات خارجية".
ورأى معارضون أن هذه القرارات جاءت ضمن سياسة أوسع لمعاقبة كل من يرفض الحرب أو يعبّر عن موقف متضامن مع إيران، خصوصاً أن غالبية المستهدفين كانوا من الطائفة الشيعية.
ويؤكد حقوقيون أن إسقاط الجنسية في البحرين لم يعد مجرد إجراء قانوني استثنائي، بل تحول إلى أداة سياسية تستخدم لتجريد المعارضين من هويتهم وحقوقهم الأساسية، وتحويلهم إلى مواطنين بلا حماية قانونية أو اجتماعية.
فالإنسان الذي تُسحب جنسيته لا يفقد فقط وثيقة رسمية، بل يُجرّد من كامل حقوقه المدنية والاجتماعية ويتم ترحيله خارج البلاد، وحرمانه من حق الإقامة الطبيعية داخل وطنه.
ويرى حقوقيون أن أخطر ما في هذه السياسة أنها تربط "المواطنة" بالموقف السياسي، بحيث تصبح الجنسية امتيازاً مشروطاً بالولاء الكامل للسلطة وتحالفاتها.
استهداف رجال الدين الشيعة… ضرب المرجعية الدينية
ولم تقتصر الحملة الأمنية على الناشطين السياسيين، بل طالت بشكل مباشر رجال الدين الشيعة والمؤسسات الدينية.
فخلال الحرب، تعرّض عدد من العلماء والخطباء للاستدعاء أو الاعتقال أو التضييق، فيما خضعت المجالس الدينية والمناسبات الحسينية لرقابة مشددة.
كما أثارت قضية اعتقال شخصيات دينية بارزة، من بينها آية الله السيد ماجد المشعل، والشيخ محمد سنقور، والشيخ علي الصدادي، ردود فعل غاضبة داخل الأوساط الشيعية، التي اعتبرت أن السلطة تجاوزت استهداف المعارضة السياسية إلى محاولة ضرب المرجعية الدينية نفسها.
ويرى مراقبون أن استهداف رجال الدين خلال الحرب لم يكن تفصيلاً هامشياً، بل رسالة مباشرة إلى البيئة الشيعية بأن أي موقف معارض أو رافض للحرب يمكن أن يعرّض حتى الرموز الدينية للملاحقة.
الرقابة الإلكترونية… الأمن داخل الهاتف
واحدة من أبرز سمات المرحلة كانت التوسع الكبير في الرقابة الإلكترونية. فقد أصبحت حسابات المواطنين على وسائل التواصل الاجتماعي تحت مراقبة دائمة، وأصبح أي محتوى سياسي مرتبط بالحرب أو بإيران أو بالدور الأمريكي في الخليج الفارسي قابلاً للتحول إلى قضية أمنية، واستخدمت الأجهزة الأمنية وسائل متعددة للمراقبة، شملت تتبع الحسابات الإلكترونية، واستدعاء المستخدمين، والضغط عليهم لحذف منشوراتهم أو إغلاق حساباتهم.
وتهدف هذه السياسات إلى فرض حالة رقابة ذاتية شاملة داخل المجتمع، بحيث يشعر المواطن أن هاتفه الشخصي أصبح جزءاً من المنظومة الأمنية.
خطاب التخوين… عودة الانقسام المذهبي
بالتوازي مع التصعيد الأمني، عاد الخطاب الإعلامي الرسمي وشبه الرسمي إلى استخدام لغة التخوين وربط الشيعة بفكرة "الولاء الخارجي". فأي موقف رافض للحرب أو متضامن مع إيران جرى تصويره باعتباره "خروجاً عن الصف الوطني"، في محاولة لإعادة إنتاج الانقسام الطائفي داخل المجتمع البحريني. وهذا الخطاب لا يستهدف فقط المعارضة السياسية، بل يسعى أيضاً إلى تكريس صورة نمطية عن الشيعة باعتبارهم "مشكلة أمنية" تحتاج إلى مراقبة دائمة.
كما أن ربط الشيعة بإيران بصورة تلقائية بات يُستخدم لتبرير استمرار السياسات القمعية ضدهم وتقديمها للخارج باعتبارها "إجراءات أمنية".
هل كانت الحرب فرصة لإعادة فرض السيطرة الكاملة؟
الكثير من المراقبين يرون أن ما جرى خلال الحرب لم يكن مجرد رد فعل أمني مؤقت، بل جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة إحكام السيطرة على الداخل البحريني.
فالسلطة، التي واجهت خلال السنوات الماضية، ولا زالت، انتقادات حقوقية متواصلة بسبب الاعتقالات وإسقاط الجنسية والتضييق على المعارضة، وجدت في أجواء الحرب فرصة مناسبة لتوسيع هذه السياسات بعيداً عن أي ضغط دولي حقيقي.
كما أن مشاركة البحرين المباشرة في العمليات العسكرية الأمريكية جعلت السلطات أكثر حساسية تجاه أي معارضة داخلية لهذا الدور، خصوصاً داخل البيئة الشيعية التي عبّرت تاريخياً عن رفضها للتطبيع مع "إسرائيل" وللوجود العسكري الأمريكي.
وفي هذا السياق، بدا واضحاً أن الدولة لا تريد فقط منع أي تحرك سياسي، بل تسعى أيضاً إلى فرض حالة صمت كاملة داخل المجتمع عبر التخويف والمراقبة والتهديد الدائم بالملاحقة.
أزمة مفتوحة… ومستقبل غامض
ما كشفته الحرب على إيران أن الأزمة السياسية والحقوقية في البحرين لا تزال بعيدة عن أي حل حقيقي.
فبدلاً من الاتجاه نحو مصالحة سياسية أو معالجة أسباب الاحتقان الداخلي، استمرت سياسات الاعتقال وإسقاط الجنسية والملاحقات الإلكترونية والتضييق على الحريات العامة.
لكن هذه السياسات لا تبني استقراراً دائماً، بل تعمّق الشعور بالتمييز والإقصاء لدى شريحة واسعة من الشعب في البحرين، وتدفع باتجاه مزيد من التوتر والانقسام داخل المجتمع.
ويبقى السؤال الأهم بعد كل ما جرى:
هل كانت الحرب على إيران مجرد مواجهة إقليمية بالنسبة للبحرين، أم أنها تحولت أيضاً إلى فرصة لإعادة هندسة الداخل البحريني بالقوة الأمنية وتشديد الخناق على الشيعة بصورة غير مسبوقة؟
وهل تستطيع السلطة الاستمرار في إدارة الأزمة بالقبضة الأمنية وحدها، بينما تتراكم الأزمات السياسية والحقوقية والاجتماعية عاماً بعد عام؟
والسؤال الأوسع: هل جاءت الحرب على إيران كفرصة ذهبية للنظام البحريني ليُنهي ما تبقى من معارضة شيعية في الداخل، تحت ذريعة أمنية مُفبركة؟ أم أن الحملة القمعية كانت خطة مرسومة مسبقاً على رفوف القصور، ولم تكن تنتظر إلا شرارة الحرب لتنطلق بأقصى عنفها؟
/ إنتهى/