إغلاق هرمز واقتصاد عالمي مضطرب.. كيف دفع "ترامب" بالعالم نحو الهاوية؟
- الأخبار الدولی
- 2026/04/29 - 23:56
وكالة تسنيم الدولية للأنباء- أمير حسين تقي بور، بعد مرور نحو شهرين على حرب رمضان والإخفاق المطلق لترامب ونتنياهو في تحقيق الأهداف المعلنة مسبقاً، بات تخبطهما لصناعة أي إنجاز وهمي يتجلى يوماً بعد يوم بوضوح أكبر، هذه الحرب التي شنها الأمريكيون عبر كلبهم المطيع المتمثل في الكيان الصهيوني ضد إيران، بدأت تتخذ أبعاداً ومنحىً مغايراً تماماً بعد فشلها عسكرياً.
إذ يسعى هؤلاء الآن لانتزاع ما عجزوا عن تحقيقه في الميدان العسكري عبر بوابة الضغوط الاقتصادية. وعلى الرغم من أن مخططهم الأولي كان يهدف إلى إسقاط إيران أو إضعاف قدراتها العسكرية، إلا أنهم أدركوا سريعاً أن هذه الغايات هي أقرب للأوهام والأماني البعيدة منها إلى الواقع.
ومما لا شك فيه، أنهم حققوا "مكاسب موضعية" على المستوى التكتيكي، كاغتيال قيادات كبرى ومسؤولين عسكريين وسياسيين في إيران، إلا أن إجماع المحللين والمفكرين يؤكد فشلهم الذريع في تحويل هذه النقاط التكتيكية إلى إنجازات استراتيجية ملموسة. بيد أن هذا الإخفاق في بلوغ مآربهم الخبيثة تحول إلى هزيمة تاريخية مدوية اللحظة التي أشهرت فيها إيران ورقتها الرابحة: "مضيق هرمز".
في الواقع، هذه الورقة التي احتفظت بها إيران لسنوات ولم تستخدمها لاعتبارات عديدة - أو لنقل ادخرتها لـ "اليوم الأسود" - انتقلت من القوة إلى الفعل، لتبعثر أوراق الأمريكيين وتضعهم في موقف أكثر تخبطاً من أي وقت مضى.
لماذا اضطرت إيران لاستخدام ورقة الضغط الكبرى المتمثلة في مضيق هرمز؟
للإجابة على تساؤل: "من الذي أغلق مضيق هرمز؟"، علينا العودة إلى تاريخ مفصلي، وهو الـ 27 من فبراير؛ أي قبل يوم واحد فقط من اندلاع الحرب. في ذلك التاريخ، كان المضيق كما عهده العالم دائماً، شرياناً يتدفق عبره أكثر من 170 سفينة يومياً، محملاً بما يزيد عن 20 مليون برميل من النفط.
كان سعر النفط يستقر عند حدود 65 دولاراً، وكانت شحنات الحبوب والسلع الزراعية تنساب عبر هذا الممر المائي بكل سلاسة ويُسر. لكن صبيحة الـ 28 من فبراير، لم يعد أي شيء كما كان في اليوم السابق. تعرضت البلاد لهجوم وحشي غاشم من قبل الأمريكيين والإسرائيليين، وتصاعدت ألسنة الدخان والنيران من نقاط في قلب طهران وعدة مدن إيرانية أخرى.
وفي ظل هذه الظروف، وكما أعلنت مسبقاً، اتخذت البلاد بوضوح وضعية "الدفاع الشامل". إذ أثبتت إيران دوماً أنها لا تتوانى عن اتخاذ أي إجراء مشروع لحماية أمنها القومي، وأعلنت صراحة أنها لن تسمح تحت أي ظرف من الظروف بتهديد مصالحها العليا. وهكذا، وإلى جانب زئير الصواريخ وخروج منصات الإطلاق من مكامنها، كشفت إيران عن ورقتها الرابحة الكبرى: "إغلاق مضيق هرمز".
من الذي اتخذ من الاقتصاد العالمي ألعوبة لنزواته؟
إذا كانت أسعار خام "برنت" قد قفزت بنسبة 65% بعد الـ 28 من فبراير (اندلاع الحرب) مقارنة بمستويات ما قبل "حرب رمضان"، فمن الملام؟
وإذا انقطعت المياه الدافئة عن منازل شرق آسيا، وإذا رفعت شركة "سوني" الأسعار العالمية لمنتجاتها مثل "بلاي ستيشن" بواقع 100 دولار، فمن المسؤول؟
وإذا واجهت عمالقة التكنولوجيا مثل "سامسونج" أزمة في تأمين الرقائق الإلكترونية واضطرت لرفع أسعار الهواتف الذكية، فمن الجاني؟
وإذا ارتفعت أسعار "اليوريا" بأكثر من 60% ملقية بظلالها على الأرياف في بنغلاديش، فمن المذنب؟
وإذا بات عشرات آلاف المزارعين يعجزون عن تأمين الديزل للري في ذروة موسم زراعة الأرز، فمن المسؤول؟
وإذا كانت التوقعات تشير إلى قفزة وشيكة وهائلة في تضخم أسعار الغذاء عالمياً، فمن المقصر؟
وإذا كانت الحكومة الألمانية -بصفتها ثالث أكبر اقتصاد صناعي في العالم- قد قلصت رسمياً توقعات نموها لعام 2026 إلى النصف، معزيةً ذلك لصدمات الطاقة العنيفة الناجمة عن الحرب ضد إيران، فمن المسؤول؟
وإذا كانت "كاترينا رايشه"، وزيرة الشؤون الاقتصادية والطاقة الألمانية، تعلن عن هبوط حاد في تقديرات نمو الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 0.5% فقط لعام 2026، فمن المقصر؟
وإذا ارتفعت أسعار البنزين في 20 دولة بنسب تتراوح بين 30% و100%، وتضاعفت أسعار تذاكر الطيران لدى معظم شركات الجو، فمن الملام؟
وإذا كانت البنى التحتية للدول العربية تشتعل اليوم، وإذا علقت "أرامكو" صادراتها من الغاز، فمن المسؤول؟
وإذا كان مجمع "رأس لفان" في قطر يحتاج من 3 إلى 5 سنوات لإعادة الإعمار، وصادرات الغاز المسال القطري التي كانت تبلغ 7.5 مليون طن شهرياً قد هوت بنسبة 90% لتصل إلى 1.2 مليون طن في مارس، فمن المذنب؟
وإذا كانت وكالة الطاقة الدولية تحذر من نقص بنسبة 20% في الغاز المسال عالمياً وارتفاع أسعاره بنسبة 300%، وتؤكد أن الأزمة ناتجة عن إغلاق مضيق هرمز، فإن الذنب يقع بالكامل على عاتق من أصدر أمر الهجوم على إيران في 28 فبراير.
وحتى حينما تتحول وعود "ترامب" الانتخابية بخفض البنزين إلى ما دون دولارين إلى مادة للسخرية، بينما يسجل الغالن في أمريكا 4.29 دولاراً (أعلى مستوى في 4 سنوات)، فمن المسؤول؟ للعثور على المسؤول، يكفي أن نستطلع رأي المجتمع الدولي. فكلمات مندوب الصين في الأمم المتحدة، على سبيل المثال، تكشف بوضوح عن هوية المسؤول بنظر العالم. حيث أكد "فو تشونغ" أن السبب الرئيس لانسداد مضيق هرمز هو التحركات العسكرية غير القانونية لأمريكا والكيان الصهيوني ضد إيران.
أو لننظر إلى تصريحات وزير المالية الألماني "لارس كلينغبايل"، الذي أعلن صراحة أن حرب ترامب المتهورة قلصت النمو الاقتصادي لألمانيا إلى النصف. لقد قالها بوضوح: "هذه الحرب ليست حربنا، لكننا نتجرع مرارة آثارها". لذا، بات واضحاً للعالم أجمع أن الجاني هو شخص رئيس الولايات المتحدة بالتعاون مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني.
تخبط "ترامب" للخروج من مأزق مضيق هرمز.. اللجوء إلى الحصار البحري لن يجدي نفعاً
بعد أن عجز "ترامب" عن تحقيق مآربه في الميدان العسكري، يعتزم الآن نقل المعركة إلى الساحة الاقتصادية. فمن خلال فرض حصار بحري، يسعى لتقويض صادرات النفط الإيرانية قدر الإمكان ووضع اقتصاد البلاد في مواجهة تحديات كبرى.
لكن الحقيقة الثابتة هي أن إيران لن تتراجع قيد أنملة عن ممارسة سيادتها الكاملة على مضيق هرمز. إذ تتمسك إيران بحقها القانوني والمنطقي في هذا الصدد، وقد أثبتت للعالم أنها لم تسعَ يوماً لإغلاق هذا المضيق.
وخير دليل على ذلك هو الموقف الإيراني إبان "حرب رمضان"، حين أعلنت رسمياً السماح لسفن الدول غير المعادية بالعبور، متعهدةً بضمان أمن هذا الممر المائي الحيوي.
وبعيداً عن أحداث تلك الحرب، فإن الإدارة الإيرانية لهذا الممر الاستراتيجي العالمي على مدار أكثر من أربعين عاماً تؤكد بوضوح أن طهران لم تهدف يوماً لإغلاق المضيق، ولا تحمل نية كهذه مستقبلاً.
في نهاية المطاف، إيران هي الرابحة في هذه اللعبة. بيد أن النقطة الجديرة بالتأمل هي أن "ترامب" و"نتنياهو" -بأخطائهما الفادحة- لم يفشلا في الحرب العسكرية فحسب، بل ورطا نفسيهما في حرب اقتصادية ستصب نتائجها نهاية الأمر في مصلحة إيران.
فالحصار البحري الذي صُمم ظاهرياً للضغط على إيران، لن يقتصر أثره على تحدي الاقتصاد الإيراني وحده، بل إنه، وبالنظر إلى الارتباط العالمي الوثيق بمضيق هرمز، قد جعل يد إيران هي العليا في أي مفاوضات اقتصادية أو سياسية قادمة. وفي مستقبل ليس ببعيد، حين تتجاوز أسعار النفط مستوياتها القياسية، سينعكس الضغط العالمي ليحاصر الأمريكيين أنفسهم أكثر من أي وقت مضى.
ختاماً، يمكن القول إن هذه الحرب وهذا الحصار سيحملان تبعات جسيمة على الاقتصاد العالمي -لا سيما دول شرق آسيا ثم أوروبا وصولاً إلى الأمريكيين أنفسهم- تفوق بمراحل ضررهما على إيران. ولعل خير وصف لما جرى هو المثل القائل: "ألقى مجنونٌ حجراً في بئر، وعجز ألف عاقل عن إخراجه"؛ فعلى عقلاء العالم الآن التخبط لإخراج الحجر الذي رماه ترامب في بئر الأزمات.
/انتهى/