بنت جبيل: المدينة التي أسقطت نتنياهو
- الأخبار الشرق الأوسط
- 2026/04/18 - 15:34
خاص تسنيم – أمل شبيب
من الجغرافيا إلى معادلة حرب
ليست بنت جبيل مجرد مدينة حدودية في جنوب لبنان، بل تحولت عبر العقود إلى عقدة ميدانية تتجاوز حجمها الجغرافي بكثير، فهي بمثابة "عقدة تعطيل" حقيقية لكل هجوم بري إسرائيلي نحو العمق اللبناني.
تقع المدينة عند تقاطع استراتيجي يربط الجبهة الممتدة من الناقورة غرباً حتى شبعا شرقاً، ما جعلها نقطة ارتكاز أساسية لربط القطاع الشرقي بالقطاع الغربي في جنوب لبنان.
هذا الموقع الفريد جعلها تتقدم من كونها بلدة حدودية إلى ما يشبه "مركز الثقل الميداني"، حيث لا يمكن لأي خطة عسكرية إسرائيلية أن تتجاوزها أو تتجاهلها، لأن السيطرة عليها تعني السيطرة على شرايين التواصل بين كامل محاور الجنوب.
من التحرير إلى الرمزية السياسية التي لا تُنسى
مع إندحار "الجيش الإسرائيلي" من جنوب لبنان عام 2000، برزت بنت جبيل كأهم رموز تلك المرحلة، حين أعلن تحرير الجنوب من فوق منصة في ملعب كرة القدم داخل المدينة، ليصبح ذلك الملعب شاهداً على لحظة فارقة في تاريخ المقاومة. ومن هناك، وصف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله "إسرائيل" بأنها "أوهن من بيت العنكبوت"، ومنذ تلك اللحظة، أصبحت بنت جبيل هدفاً رئيسياً للكيان الصهيوني، ليس فقط لأنها مدينة حدودية، بل لأنها تحولت إلى رمز سياسي ومعنوي يجسّد إمكانية كسر الهيمنة العسكرية الإسرائيلية. لُقبت بنت جبيل بـ "عاصمة التحرير والمقاومة"، وصارت عنواناً لما بعد الاحتلال، مما جعلها في مرمى أعين "الجيش الإسرائيلي" في أي مواجهة مقبلة.
حرب 2006 وبداية اختبار القوة الحقيقية
في حرب تموز 2006، دخلت بنت جبيل مرحلة مختلفة تماماً، حيث تحولت إلى أهم مسرح للمواجهة المباشرة. سعى "الجيش الإسرائيلي" إلى تحقيق اختراق بري سريع، معتمداً على تفوقه الجوي والمدفعي الهائل، لكن ما حدث على الأرض كان مختلفاً تماماً عن الحسابات. فالمعركة لم تجرِ في مساحة مفتوحة، بل داخل بيئة معقدة من التضاريس الجبلية الحادة والأحياء السكنية المتداخلة. بقيت بنت جبيل صامدة، وفشل "الجيش الإسرائيلي" في السيطرة عليها رغم حشده آلاف الجنود وتدمير جزء كبير من المدينة. هذا الصمود جعل بنت جبيل تتحول إلى جرح مفتوح في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية، وهدفاً يجب تصفيته في أي حرب قادمة.
التحول الاستراتيجي الكبير: من عزل المنطقة إلى عزل المدينة
في المعركة الأخيرة " العصف المأكول"، ومع إدراك القيادة الإسرائيلية المبكر لتعقيدات الميدان، برز تحول استراتيجي خطير في الخطط الحربية. فبدلاً من محاولة السيطرة على منطقة واسعة، تقلص الهدف الإسرائيلي ليصبح محصوراً في "عزل مدينة بنت جبيل" عن محيطها. هذا التحول في حد ذاته لم يكن تطوراً تكتيكياً عادياً، بل كان مؤشراً صارخاً على إخفاق ميداني كبير، لأن تقليص الأهداف من منطقة بأكملها إلى مدينة واحدة يعني اعترافاً غير معلن بأن الحرب سارت في اتجاه لم يكن محسوباً، وأن القوة العسكرية الهائلة واجهت حدودها في بقعة لا تتجاوز بضعة كيلومترات مربعة.
فشل العزل الأولي واللجوء إلى خطة بديلة
بعد 45 يوماً من القتال العنيف، ثبت بشكل قاطع فشل محاولات عزل منطقة بنت جبيل بالكامل، مما اضطر القيادة الإسرائيلية إلى تقليص الهدف مجدداً والانتقال إلى خطة بديلة. هذه الخطة لم تعد تقوم على العزل الشامل، بل على "حضار" المدينة من أربع جهات، في محاولة يائسة لتضييق الخناق. تم اختيار محاور محددة لهذا الحضار: الأول عبر دبل وعين إبل ورميش، والثاني عبر صف الهوا (عيناثا وعيترون وبيت ياحون)، والثالث عبر يارون، والرابع عبر مارون الراس. لكن رغم هذا الانتشار، بقي الطوق غير مكتمل، واستمرت بنت جبيل متصلة بمحيطها في القطاع الغربي والقطاع الأوسط، مما جعل خطة الحصار مجرد رسم على الورق دون ترجمة حقيقية على الأرض.
محاور التقدم المتعثرة والاعتماد على الديموغرافيا
في تفصيل ميداني بالغ الدلالة، اعتمد العدو بشكل أساسي على محور دبل - عين إبل، مستغلاً التركيبة الديموغرافية في هذه البلدات التي تمنع المقاومة من العمل بحرية أو استهداف تجمعات العدو داخلها. هذا الاعتماد على الديموغرافيا كسلاح يكشف عن ضعف الخيارات العسكرية البحتة. وبالتوازي، فشل العدو في التقدم نحو محوري رئيسيين: الأول نحو حداثا عبر محور القوزح - وادي العيون - رشاف، والثاني نحو وادي السلوقي عبر محور عيترون - وادي السكسكية.
هذا الفشل المزدوج أدى إلى نتيجة عملياتية قاسية: لم يستطع العدو عزل بنت جبيل عن محيطها، وتحولت توغلاته إلى جيوب معزولة فاقدة لأي قيمة عسكرية حقيقية. والأكثر إيلاماً للخطط الإسرائيلية أن التوغل البري لم يتجاوز عمق 8 كيلومترات، وبقي محصوراً في القطاع الغربي مفصولاً تماماً عن القطاع الشرقي، مما أسقط عملياً فكرة "الشريط الحدودي" الذي روج له الإعلام الإسرائيلي كإنجاز استراتيجي.
سلوك العدو الميداني: خشية الخسائر تقود إلى التردد
كشف سلوك الجيش الإسرائيلي داخل بنت جبيل وفي محيطها عن حقيقة صادمة: الخوف من الخسائر. هذا الخوف تجلى في نمط قتالي واضح المعالم، يقوم على أربع ركائز أساسية: أولاً، الاستطلاع بالنار عبر آليات مسيرة عن بُعد، لتجنب إرسال جنود حقيقيين إلى مناطق مجهولة.
ثانياً، تقليل عدد القوات بالأفراد والآليات بشكل كبير، في محاولة لتقليص حجم الخسائر المحتملة.
ثالثاً، اعتماد الهندسة والتفخيخ بطريقة دعائية على أطراف المدينة، بهدف خلق انطباع بأن السيطرة قد تحققت دون المخاطرة بالدخول إلى العمق.
رابعاً، قصف تمهيدي مكثف بكل أنواع الأسلحة: الطيران، المدفعية الثقيلة، القنابل الفوسفورية المحرمة دولياً، والمسيرات الانقضاضية. كل هذه الأدوات الهائلة لم تستطع تعويض العنصر البشري المتردد، فبقيت بنت جبيل عصية على الاقتحام.
معالم لم تسقط: المدينة تقهر الاحتلال من جديد
ورغم كل محاولات التدمير والتطويق والقصف، هناك معالم أساسية في بنت جبيل لم يستطع العدو السيطرة عليها، وهذا يعكس حجم الفشل الميداني بوضوح لا يحتمل التأويل. فالجيش الإسرائيلي لم يسيطر على سوق بنت جبيل، القلب التجاري والحيوي للمدينة. ولم يصل إلى الملعب حيث ألقيت خطبة "بيت العنكبوت" الشهيرة، ذلك المكان الذي تحول إلى أيقونة وطنية. كما لم يصل إلى المسجد الكبير، ولا إلى مجمع آل البيت، وهي معابد ومراكز دينية وثقافية تمثل روح المدينة وهويتها. هذه المعالم، التي كان السيطرة عليها ستمثل نصراً رمزياً هائلاً، بقيت بعيدة عن متناول أقوى جيش في المنطقة، وكأن كل متر من تراب بنت جبيل يتحول إلى حصن منيع عندما تدوسه قدم مقاوم.
"جهنم على الأرض": التوصيف الإسرائيلي للفشل
"جهنم على الأرض"، هكذا وصفت تقارير جيش الاحتلال تلال بنت جبيل بعد فشله الذريع في السيطرة عليها، رغم 54 يوماً من الحصار المشدد والقتال العنيف الذي استنزف موارد هائلة. بل الأكثر إحراجاً أن تقارير عن "سقوط بنت جبيل" نُشرت في وسائل إعلام عبرية قبل أن يتبين زيفها لاحقاً، في واحدة من أكبر الفضائح الإعلامية والعسكرية في الحرب. بنت جبيل، التي وصفها نتنياهو نفسه بأنها "العقدة الأكبر عسكرياً" في المعركة، أثبتت أنها أكبر من كل حسابات غرف العمليات، وأكبر من كل خطط الأركان. فالمدينة لم تكن مجرد هدف عسكري، بل كانت اختباراً حقيقياً لقدرة "الجيش الإسرائيلي" على تحقيق أهدافه، وقد رسب هذا الاختبار رسباً ذريعاً.
بنت جبيل محور الربط بين ثلاثة قطاعات
لكي نفهم حجم الكارثة الإستراتيجية التي مثلتها بنت جبيل للعدو، يجب أن ندرك أنها ليست مجرد مدينة معزولة، بل هي محور الربط بين ثلاثة قطاعات كاملة في جنوب الليطاني. وباعتبارها أكبر التجمعات الحدودية من حيث الكثافة السكانية والمساحة، فإن السيطرة عليها كانت ستمنح العدو تفوقاً استراتيجياً هائلاً، بينما فشله في السيطرة عليها جعل كل توغلاته مجرد جيوب معزولة لا قيمة لها. لقد بقيت بنت جبيل متصلة بالميدان، قادرة على تعطيل أي تقدم نحو العمق، ومحولة كل متر يحرزه العدو إلى مغامرة خطيرة قد تكلفه ثمناً باهظاً.
البعد الإقليمي وتشابك الجبهات: لبنان ومضيق هرمز
لا يمكن قراءة صمود بنت جبيل بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتقاطع الحسابات الميدانية في جنوب لبنان مع ملفات استراتيجية كبرى. فبالتوازي مع صمود المقاومة الأسطوري في لبنان، وضعت إيران على الولايات المتحدة شروطاً واضحة، كان من بينها وقف إطلاق النار في لبنان مقابل فتح مضيق هرمز والعودة إلى طاولة التفاوض. هذا الربط بين جبهة جنوب لبنان وأمن الممرات البحرية الحيوية في منطقة الخليج الفارسي يعكس تحولاً جذرياً في طبيعة الصراع، حيث لم تعد بنت جبيل مجرد ساحة قتال محلية، بل أصبحت ورقة ضغط إقليمية يمكنها أن تؤثر على توازنات كبرى تمتد من البحر المتوسط إلى الخليج الفارسي.
نتنياهو سقط، لكن بنت جبيل لم تسقط
في المشهد النهائي لهذه الحرب المعقدة، تبرز حقيقة لا يمكن لأحد إنكارها: بنت جبيل هي المدينة التي أربكت الحرب، وأسقطت الحسابات، وكسرت هيبة أقوى جيش في المنطقة. فبينما كان بنيامين نتنياهو يلوح بورقة "النصر" ويعد جمهوره بإنجازات استراتيجية كبرى، كانت بنت جبيل تقف في وجه آلات الحرب، تقول له ولجيشه: أنتم لن تمرّوا. نعم، لقد سقط نتنياهو سياسياً ومعنوياً، وتهاوى حلمه في إعادة تشكيل "الشرق الأوسط" وفق رؤيته، لكن مدينة بنت جبيل لم تسقط. لقد بقيت صامدة، عقدة في حلق كل مخطط، وشوكة في جنب كل عدو. إنها المدينة التي أثبتت أن الجغرافيا عندما تقرأ بشكل صحيح، وعندما يدافع عنها أبناءها بإيمان وثبات، تصبح أقوى من كل أسلحة الدمار، وأعتى من كل جيوش الأرض. ومن فوق تلالها التي وصفها العدو نفسه بـ "جهنم"، يخرج النصر من جديد، ليس كصوت مدوٍ، بل كحقيقة صامدة: بنت جبيل لم ولن تسقط أبداً.
/انتهى/