علي شعيب وفاطمة فتوني.. صوت الحقيقة الذي لا يخفت

خاص تسنيم/ أمل شبيب

علي شعيب.. ليس مجرد إعلامي، بل كان كاميرا المقاومة التي لا تغمض، وصوت الحقيقة الذي لا يخفت، وشاهداً على معركة لا يعرف فيها النصر إلا من يسقط فيها شهيداً.

هو ورفيقة دربه في المهنة والعمل الإعلامي فاطمة فتوني، الشابة الطموحة التي مشت معه على طرق الجنوب ووقفت على حافاتها رغم الطريق المعبّد بألغام العدو الصهيوني، اغتيلا في جنوب لبنان، استهدفتهم المسيّرات الصهيونية لأن صوتهما كان عالياً جداً، ولأن كاميراتهما كانت قريبة جداً، ولأنهما اختارا أن يكونا حيث تكون المقاومة، وأن يرويا ما لا يريد العدو أن يُرى.

لن أتحدث عن علي شعيب كخبر في نشرة، بل سأتحدث عنه كما عرفته، وسنوات طويلة من العمل معاً، والتنسيق الدائم في جنوب لبنان وفي كل ما يتعلق في الجنوب.

لكن اللقاء الأخير، كان في مهمة العمل الأخيرة لي في لبنان منذ حوالي ٣ اشهر، كان ذلك اللقاء الأخير، يومها كنا في عمل خاص لوكالة "تسنيم" في لبنان، وكان الحاج علي شعيب ضيفنا ومرافقنا العزيز في بلدة الخيام جنوب لبنان، ربما كان هذا اللقاء أشبه بوداع لم نشعر به إلا بعد أن صمت صوته للأبد.

علي شعيب.. الكاميرا التي لا تغمض

لا أعرف كيف أبدأ الحديث عن علي شعيب دون أن أستحضر تلك الصورة التي لا تغادر ذاكرتي: علي يقف على أطراف بلدة حدودية، الكاميرا على كتفه، والعينان تبحثان عن الحقيقة قبل العدسة.

كان إعلامياً بالمعنى العميق للكلمة. لم يكن يبحث عن سبق صحفي، ولا عن شهرة عابرة. كان يبحث عن أن يكون صوت من لا صوت لهم، وأن توثق كاميراته ما يحاول العدو طمسه.

علي شعيب لم يكن مجرد مراسل حربي، والناقل لصوت وواقع الجنوب وأهل الجنوب وصدى الجنوب في لبنان. كان كاميرا المقاومة التي تسللت حيث لا تستطيع الكاميرات الأخرى الوصول، كان عيناً على الجبهات، وأذناً في الميدان، وصوتاً لا يهاب الموت.

قيل عنه إنه كان شغوفاً بالتوثيق، لكن الشغف عند علي كان شيئاً آخر، كان إيماناً بأن هذه الصور ستكون يوماً ما شاهداً على تاريخ لم يكتبه إلا الشهداء.

فاطمة فتوني.. رفيقة الطريق والشهادة

لكن علي لم يكن وحده على طريق الإعلام، وحتى في اللقاء الأخير معه، كانت إلى جانبه فاطمة فتوني، تلك التي اختارت أن تكون معه في الطريق، في الميدان، في المواجهة. فاطمة لم تكن مجرد زميلة، بل كانت جزءاً من المشهد، شريكة في الرحلة، ورفيقة في الحلم.

فاطمة التي رأيت فيها هدوءاً لا يزعزعه الرصاص، وصمتاً لا ينكسر إلا عندما تمسك الميكروفون لتروي ما رأته. كانت هي وأحلامها الصغيرة والكبيرة، جزءاً من قصة أكبر منهما.

كانا معاً، كاميرا وصوت، عين وأذن، قلبين ينبضان للمقاومة.

لم يكونا يبحثان عن الأضواء، بل كانا يبحثان عن الظل حيث الحقيقة تختبئ. لم يكونا يريدان شهرة، بل كانا يريدان أن يكونا شهوداً، وأن تبقى كاميراتهما شاهداً بعد رحيلهما.

آخر لقاء.. منذ شهرين في جنوب لبنان

كنت في مهمة إعلامية في جنوب لبنان قبل أشهر، لكن جنوب لبنان في تلك الأيام كان مختلفاً. كانت الجبهات تتنفس، وكانت الطرقات تحمل همسات المعركة قبل أن تعلن. كنت هناك لأغطي ما جرى خلال معركة "أولي البأس"، لنوثق أنا وفريق العمل ونلتقي شيئاً من الحقيقة التي تتشكل هناك يومياً.

في ذلك اليوم، وفي بلدة الخيام جنوب لبنان،إحدى القرى الحدودية، كان موعد اللقاء ومكانه مع علي شعيب.

إنتظرته ليصل ونبدأ العمل، وصل واقفاً كعادته، الكاميرا على كتفه، ينظر إلى مسافات بعيدة كأنه يقرأ فيها شيئاً لا يراه غيره. كان وجهه هادئاً، لكن عينيه كانتا تحملان شيئاً من ذلك اللهيب الذي لا يطفأ.

كان اللقاء عفوياً، لكنه كان من تلك اللقاءات التي تبقى عالقة في الذاكرة.

"علي، كيف الأحوال؟"

كانت جولة على خطوط التماس، على أطراف البلدة وداخلها حيث يمكنك أن تسمع الرصاص قبل أن تراه، وأن تشعر بالخطر قبل أن تحس به.

مشينا معاً، كان علي يتحدث عن المكان، عن التفاصيل الصغيرة التي قد لا ينتبه إليها أحد. عن تلك الحارات والبلدات التي سقط فيها الصواريخ، عن تلك التلال التي منها يمكن رؤية مواقع العدو، عن البيوت التي أوت المجاهدين الأبطال واستشهدوا فيها وما زالوا تحت الركام.

كان يتحدث كمن يقرأ جغرافية مقدسة، يعرف كل زاوية، كل طريق، كل حجر ويعرف الجنوب كما يعرف الإعلامي تفاصيل خبره، لكنه كان يحبه كما يحب المؤمن قبلته.

في تلك الجولة، توقف علي فجأة، نظر إلى جهة بعيدة، ثم قال: "هذه الأرض تستحق أن نموت من أجلها. وهذه الكاميرا التي أحملها، هي سلاحي، لأن ما أراه هنا، لا يجب أن يبقى سراً. يجب أن يراه العالم كله".

لم يكن يتحدث بفخر أو تكبر. كان يتحدث بإيمان من عرف حقيقة ما يفعل.

بعد اللقاء الخاص سألته وفاطمة: "ألا تخافا؟"

نظرا إليَّ للحظة، مبتسمين:"الخوف لمن لا يعرف ما يريد. نحن نعرف طريقنا"

الكاميرا المقاومة.. والصوت الذي لا يموت

ما كان يحمله علي شعيب وفاطمة فتوني لم يكن مجرد كاميرا.

كانا يحملان كاميرا المقاومة وصوتها ومنبرها، تلك الكاميرا التي لا تصور فقط، بل تشهد.

التي لا تنقل الخبر فقط، بل تروي القصة.

التي لا تلتقط الصورة فقط، بل تحفظ الذاكرة.

علي شعيب وفاطمة فتوني كانا يعرفان أن الكاميرا في يد إعلامي مقاوم ليست مجرد أداة، بل هي سلاح في معركة الوعي. هي عين الجبهة على العالم، وصوت الحق في وجه الطغيان.

كانا يعرفان أن الصورة التي تُلتقط قد تكون آخر ما يراه العالم من تلك الأرض قبل أن تُطمس. وأن الصوت الذي يُسجّل قد يكون آخر شهادة على ما يجري هناك.

كانا حريصين على أن يكونا في المقدمة. ليس بحثاً عن المغامرة، بل إيماناً بأن التوثيق جزء من المعركة، وأن من لا يوثق ما يجري يخسر معركة الوعي قبل معركة الأرض.

الاغتيال.. عندما يغيب الجسد ولا يغيب الصوت

في يوم لم يكن مختلفاً عن غيره، كان علي شعيب وفاطمة فتوني حيث كانا دائماً: في الميدان، على خط المواجهة، حيث الحقيقة.

اغتيلا...

اغتيلا لأن صوتهما كان مزعجاً للعدو...اغتيلا لأن كاميراتهما كانت قريبة جداً من الحقيقة... اغتيلا لأنهما اختارا أن يكونا حيث الخطر، وأن يرويا ما لا يريد العدو أن يُرى.

لكن الاغتيال، كما يعرف المقاومون، لا يقتل الحقيقة. هو يصنع منها أسطورة، علي شعيب وفاطمة فتوني والمصور محمد فتوني رحلوا، لكن كاميراتهما بقيت شاهدة على كل ما تم تصويره، وصوتهما بقي يتردد في كل ما قالاه.

رحلا، لكنهما تركا درباً من النور لمن يأتي بعدهما، درباً يعرف كل من يسلكه أنه قد يكون الأخير، لكنه أيضاً يعرف أنه الأجمل...

في ذلك اللقاء الأخير مع علي شعيب، كان هناك شيء لم أفهمه حينها. كان هناك وداع خفي في نظراته، ووداع خفي في كلماته، ووداع خفي في تلك الابتسامة التي لم تفارق وجهه.

ربما كان يعرف، أو ربما كان يشعر أنه في الحرب القادمة سيُكلّل شهيداً كبيراً في وجه الحقد الصهيوني.

لكن وبعد استشهاده، أن علي شعيب وفاطمة فتوني كانا يعيشان على حافة الشهادة منذ اليوم الأول. كانا يعرفان أن كل يوم قد يكون الأخير، فجعلاه الأجمل. كانا يعرفان أن كل كلمة قد تكون الأخيرة، فجعلاه الأصدق.

اغتال العدو الإسرائيلي علي وفاطمة، استشهدا، لكنهما لم يرحلا، بقيا في كل صورة، وفي كل خبر، وفي كل شهادة وحكاية نقلاها من أرض الطُهر جنوب لبنان.

بقيا في كاميرا المقاومة التي لا تغمض، وفي صوت الحقيقة الذي لا يموت.

قال العدو الإسرائيلي أن "علي شعيب" كان مقاتلاً متخفياً في رداء الصحافة...كذّب العدو وصدق علي وصوته ومنبره، لأن هذا العدو اغتال قبل علي صوت الحقيقة في غزة وفلسطين واليوم يمارس أساليب حقده وخوفه ويكررها على أرض الجنوب المقدّس ولبنان.

/انتهى/