أمل شبيب؛ لم تكن الجريمة مجرد اعتداءٍ على إيران، بل كانت إعلان حرب على الأمة الإسلامية جمعاء، وطعنة في الصدر قبل أن تعلنها الولايات المتحدة صراحة: لا نريد مفاوضات، نريد "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات، وإسقاط "رأس الحربة" في مشروع المقاومة،
لكن الشعوب كانت لها كلمة أخرى. فمن طهران إلى بيروت، مروراً بكربلاء والنجف وصولاً إلى المنامة وكراتشي وغيرها الكثير من الدول، خرجت الملايين لتقول: إن الدم الذي أريق لن يزيدنا إلا تلاحماً، وإن المعتدى عليه اليوم هو صاحب الحق، وصاحب الأرض، وصاحب الانتصار.
الغدر الأميركي: مفاوضات الخديعة وإغتيال القائد
في الأيام التي سبقت الهجوم الغادر، كان العالم يراقب جولات من المفاوضات غير المباشرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة في جنيف. الحديث كان عن تهدئة، وعن تفاهمات نووية، وعن نزع فتيل الأزمات. لكن خلف الكواليس، كانت وكالات الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية ترسم خريطة للإغتيال، وتحشد أكبر تجمّع عسكري في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003
في 28 فبراير/شباط، وبينما كان الوفد الإيراني لا يزال يعود أدراجه من سويسرا انقلبت الطاولة. صواريخ أميركية وإسرائيلية استهدفت مقراً لإجتماع قيادة الثورة في طهران. استشهد القائد. لكن السؤال الذي يطرحه الجميع اليوم: بأي حق وبأي منطق يضرب من يفاوض؟ لقد ثبت للعيان أن المفاوضات لم تكن سوى "ستار دخان" و"خديعة كبرى" لتهيئة الظروف لإغتيال غادر ينتهك كل الأعراف والمواثيق الدولية.
إن اغتيال قائد كان على رأس السلطة وفي منزله، هو جريمة حرب مكتملة الأركان، وإعلان صريح بأن الإدارة الأميركية لا تريد سلاماً، بل تريد استسلاماً. وما تصريحات ترامب اللاحقة بأنه "سيختار قائد إيران القادم" إلا دليل على أن المشروع هو مشروع وصاية واستعمار جديد، وليس أكثر من ذلك.
تداعيات الاغتيال: العالم الشيعي ينتفض
ما لم يتوقعه صنّاع القرار في واشنطن و"تل أبيب"، أن اغتيال آية الله الخامنئي لم يكن مجرد اغتيال مسؤول إيراني. كان اغتيال مرجعية دينية عالمية. فبالنسبة للمسلمين الشيعة، الذين يشكلون ما بين 10% إلى 15% من سكان العالم الإسلامي، كان الإمام الخامنئي أكثر من مجرد قائد سياسي، كان ولياً من أولياء الدين، وصوتاً لا يخفت في وجه الظلم، وأباً روحياً لملايين البشر في مختلف دول العالم.
لقد انفجر الغضب الشيعي في كل مكان. في باكستان، اقتحم المتظاهرون القنصلية الأميركية في كراتشي، وسقط عشرات القتلى والجرحى في اشتباكات مع الشرطة. وفي الهند، خرجت مسيرات حاشدة في سريناغار أمام مقر الأمم المتحدة، وفي العراق، احتشدت الجماهير قرب السفارة الأميركية في بغداد، هاتفةً بأن المقاومة مستمرة.
هذه المشاهد تؤكد حقيقة واحدة: أن المعركة لم تعد إيرانية، إنها معركة الأمة جمعاء ضد مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يريد إعادة رسم المنطقة وفقاً للرؤى التوراتية التلمودية. وعندما تستهدف أميركا وإسرائيل رموز الشيعة، فهما تستهدفان كل مسلم يرفض الذل والهيمنة.
الحرب على لبنان: استهداف جديد وصمود أسطوري
لم يطل الوقت حتى امتد لهيب الحرب إلى لبنان. فبعد اغتيال القائد، وتنفيذاً لسياسة "الضرب بيد من حديد"، شنّ العدو الإسرائيلي عدواناً واسعاً على الأراضي اللبنانية. الغارات لم تستهدف فقط الضاحية الجنوبية لبيروت، بل طالت ولا تزال تطال قرى وبلدات في الجنوب والبقاع، وإستشهاد وجرح العشرات ونزوح مئات الآلاف من منازلهم.
كان الهدف واضحاً: محاولة كسر إرادة المقاومة الإسلامية في لبنان (حزب الله)، التي تُعتبر الركن الأساسي في محور المقاومة، وقطع الطريق على أي جبهة إسناد لطهران. صدرت أوامر الإخلاء لمساحة شاسعة تمتد حتى 27 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، وهي مساحة غير مسبوقة، تُنذر باجتياح بري واسع.
الجنوب يعود إلى حضن المقاومة: الدفاع عن الأرض والعرض
ولكن، وكما هي العادة، فشل العدو في تحقيق أهدافه. المقاومة الإسلامية في لبنان كانت على أتم الجهوزية. لم تكن الحرب التي بدأها العدو حرب اختيار بالنسبة للبنان، بل كانت حرب دفاع عن الوجود. في اللحظة التي حاولت فيها قوات العدو التقدم باتجاه بلدة الظهيرة الحدودية، كانت صواريخ المقاومة وكمائنها في الانتظار. اشتباكات مباشرة أوقعت خسائر مؤكدة في صفوف الجنود الإسرائيليين، ولم يقتصر الرد على صد التقدم البري. ففي عملية نوعية، استهدفت المقاومة بطائرات مسيّرة مجمع "رفائيل" للصناعات العسكرية جنوب عكا المحتلة، لتؤكد أن معادلة الردع ما زالت قائمة، وأن العدو سيدفع ثمناً باهظاً لكل عدوان.
إن عودة جنوب لبنان إلى الواجهة بهذه القوة، هو تأكيد على أن هذه الأرض عصية على الاحتلال، وأن شعبها الذي احتضن المقاومة هو صاحب القرار الأول والأخير في الدفاع عن سيادته.
المحور المنتصر: أصحاب الحق والأرض
في المحصلة، يخرج محور المقاومة من هذه الجولة أقوى مما كان. صحيح أن الجراح غائرة، وأن القادة يستشهدون الواحد تلو الآخر، لكن العقيدة الكربلائية الحسينية التي تحرك هؤلاء المقاتلين تجعل من الدماء وقوداً للنصر، لا سبباً للهزيمة. إنهم يقاتلون وهم يعلمون أن الموت في سبيل الحق شهادة، وأن الحياة الحقيقية تبدأ بعدها هذا هو الفارق الجوهري.
الإيرانيون واللبنانيون والعراقيون واليمنيون الذين يقاتلون اليوم، هم أصحاب الأرض، يدافعون عن بيوتهم ومقدساتهم. في المقابل، جيش العدو يتكون من مرتزقة ومستوطنين يخافون الموت، وقد ظهر ذلك جلياً في الأيام العشرة الماضية حيث اضطر 7 ملايين مستوطن للاختباء في الملاجئ، وبدأت بوادر الهجرة العكسية تلوح في الأفق.
نصر إيران هو نصر الأمة
إن استمرار الحرب، رغم التوقعات الأميركية بأنها ستكون "خاطفة"، هو بحد ذاته إعلان فشل استراتيجي للعدو. أميركا تخسر 160 مليار دولار، و"إسرائيل" تخسر ملياراً يومياً، والذخائر تنفد، والجنود يتعبون، والشارع الأميركي يتحرك ضد ترامب. وبينما تعيش منطقة غرب آسيا مخاضاً جديداً، مخاض النصر الذي لا يشبه انتصارات الدنيا، يبقى الطغيان يواجهه إرادة شعب يؤمن بأن الموت في سبيل الحق حياة، وأن النصر ليس دائماً بمن يبقى، بل بمن يخلد.
اليوم، وبعد كل هذه الدماء الزكية التي روَت تراب الحرية، تقف إيران شامخة كالجبل، ومحور المقاومة ممتد من طهران إلى بيروت، ومن صنعاء إلى غزة، كسلسلة نور لا تنقطع. سقطت أقنعة الغرب، وانكشفت وحشية المشروع الصهيوني الأميركي، وبات واضحاً للعالم أجمع أن "إسرائيل الكبرى" لم تكن سوى وهم تصدّع على صخرة إيمان الأحرار.
أما الشعوب، فقد كتبت ملحمة جديدة في سجل الخلود. شعب إيران الذي خرج بالملايين يهتف للوحدة والكرامة، وشعب لبنان الذي لم يهن، وشعب البحرين الذي رفع الصوت عالياً رغم القيود، وكل أحرار الأمة الذين أدركوا أن المعركة معركة وجود، وأن النصر نصر عقيدة قبل أن يكون نصر سلاح.
نعم.. إنها انتصار الإرادة على الآلة العسكرية، انتصار الدم على النار، انتصار الحق الذي لا يموت على الباطل الذي مهما تعاظم يزول.
لتنتهي الحرب اليوم أو غداً، فالنصر قد كتب. ولتبقى راية المقاومة مرفوعة، فهي راية لا تنكّس، وقضيتها لا تسقط، وشهداؤها لا يموتون، بل هم أحياء عند ربهم يرزقون.
المجد للشهداء.. والنصر للحق.. والهزيمة للباطل ولأهل الباطل.. إنها سنة الله التي لا تتبدل.
/انتهى/