في الذكرى الأولى لتشييع الشهيد نصرالله.. الشيخ قاسم: سنبقى ثابتين وحقنا في الدفاع والمقاومة مشروع
- الأخبار الشرق الأوسط
- 2026/02/23 - 14:44
ولفت الشيخ قاسم في مقابلة مع موقع “العهد” الإخباري، إلى أنّ “محبة الناس لسيد شهداء الأمة ومعه السيد الهاشمي كانت منقطعة النظير، وما رآه العالم عبَّر عن تجذُّر المقاومة في حياة الناس في لبنان، وأعطى انطباعًا مباشرًا عن التصميم على الاستمرارية، فكان شعار “إنَّا على العهد” معبِّرًا عن الواقع والمستقبل”.
كما شدّد الشيخ قاسم على أنّ التشييع “مبايعة وتجديدٌ للعهد لاستمرارية المقاومة، واستعادةٌ لزمام المبادرة في ترميم قدرة المقاومة، وتأكيد للتلاحم الشعبي حولها”، لافتًا إلى أنّ “دلالته السياسية أنَّ المقاومة مستمرة قيادةً ومجاهدين وشعبًا، وأنَّ حرب أولي البأس محطة، وما قدمته المسيرة وعلى رأسها السيدان الجليلان هو دماء لإحياء المقاومة وعزتها، فهذه المقاومة العقائدية الوطنية والمعطاءة لا يمكن أن تُهزَم مع كل الضربات والتضحيات والتآمر عليها، إذ إنها بُنيت على حق ومن أجل الحق، والمؤمنون بالمقاومة أهلٌ للنصر بالشهادة أو النصر”.
وتطرّق سماحته إلى علاقته بسيد شهداء الأمة السيد الشهيد حسن نصر الله، قائلًا: “عملتُ بشكل مباشر مع سماحة سيد شهداء الأمة السيد حسن (رض) منذ سنة 1987، نائبًا لرئيس شورى التنفيذ عندما كان رئيسًا لها، وعضوًا في الشورى معه، ومع تسلم سماحة السيد عباس (رض) لأقل من سنة كنا معًا في الشورى، ثم نائبًا للأمين العام السيد حسن (رض) بعد السيد عباس (رض) من شباط 1992 إلى يوم شهادته لمدة 31 عامًا. كنَّا أخوين في الله تعالى، ورفيقي درب، وعاملَين تحت راية الولي الإمام الخميني (قده) ومن بعده الإمام الخامنئي (دام ظله)، ومعًا في كل محطات المقاومة وصعوبات المرحلة وأخطارها وتعقيداتها وانتصاراتها وتضحياتها. قلت له مرات عديدة إني أحبه في الله تعالى، وقالها لي مرات إنَّه يحبني. هذا تعبيرٌ عن مستوى العلاقة التي كانت يومية وبتشاور دائم وتعاون مستمر. ربح السيد الأسمى الوسام الأسمى، ولكني خسرتُ كثيرًا على المستوى الشخصي. خسرتُ ملاذًا وقائدًا وجبلًا شامخًا وعقلًا مبدعًا، وهي خسارة القرب والتفاعل، ولكني مؤمنٌ بقضاء الله وقدره، وعلينا أن نستفيد من هذه الصفات دائمًا في غيابه”.
وشدّد الشيخ قاسم على أنّ سماحة السيد الأسمى (رض) “كان ذائبًا في حبِّ الإمام القائد الخامنئي (دام ظله)، ويترقب منه كل كلمة، متابعًا ومحلِّلًا ومستفيدًا منها، ومكرِّرًا لها أمام الإخوة والجمهور أحيانًا، وكان القائد يبادله الحب والقناعة بالدور والأهلية والمكانة التي تميز بها سماحة السيد حسن (رض). كما أشار الشيخ قاسم إلى أنّ ثقة القائد الخامنئي بالسيد مطلقة، برجاحة عقله وخبرته وصحة مواقفه، وقد كانت بينهما أعلى درجة من العلاقة الإيمانية والجهادية والعملية”.
وحول السيد الشهيد هاشم صفي الدين، قال الشيخ قاسم: ” كنا معًا في مسيرة الولاية والمقاومة، وفي موقع المسؤولية والقيادة، التي تستلزم وعيًا وحكمة وبذلًا، وهذا ما حقَّق لي أُنسًا في العمل مع شخصية واعية ورسالية وحريصة ودقيقة في إطار خدمة مشروع المقاومة وشعبها. أفتقده عضدًا وسندًا، وإن شاء الله سنستفيد مما بناه وأسسه”.
وأكّد سماحة الشيخ قاسم أنّ مسؤولية قيادة مسيرة حزب الله والمقاومة الإسلامية مسؤولية كبيرة جدًا، ودور الناس في هذه المسيرة هو دور محوري وأساسي، “فهي لهم وهم ذخيرتها”، مضيفًا: “لا أخفي أنِّي بعد تسلم المسؤولية ازدادت مشاعر حُبي للناس، فهم أهلي وأبناء مسيرة المقاومة والشهداء، وقد عاهدت الله تعالى من اللحظة الأولى أن أقوم بواجبي تجاههم بأفضل ما يكون، بحسب ما منحني الله تعالى من قدرة وإمكانات، ولا محلَّ في حياتي إلا لله والولاية والمقاومة والناس، لنكون معًا إن شاء الله من جند الإمام المهدي (عج)”.
وتابع سماحته: “أعلمُ أنَّ المرحلة صعبة، ولكنَّنا قطعنا معًا معركة أولي البأس بالاستمرارية، ونتابع بصبر خلال خمسة عشر شهرًا ما تقتضيه المرحلة، وعندما يحين الوقت لأي موقف لن نتوانى عنه. طريقنا واضح: الأرضُ لنا، وحقنا في الدفاع والمقاومة مشروع، وسنبقى ثابتين، مهيئين أنفسنا لكلا الحسنيين: النصر أو الشهادة، ومهيئين العدة بانتظار صاحب العصر والزمان(عج). لا محل للهزيمة مهما بلغت التضحيات “وَمَا النَّصْرُ إِلاَ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ””.
وفي ما يأتي نص المقابلة:
س. في الذكرى السنوية الأولى للتشييع المهيب للسيدين الشهيدين، بدا ذلك المشهد محطة جامعة بين ألم الفقد والعهد المتجدد، ما الذي بقي عالقًا في ذاكرتكم من ذلك اليوم؟ وما الدلالات السياسية التي تعتقدون أنّ هذا الحضور المليوني حملها في الداخل والخارج؟
ج. عندما استشهد سماحة السيد الأسمى السيد حسن (رض) في 27 أيلول 2024، تداولتُ مع سماحة السيد هاشم(رض) حول مكان دفن سماحته والتشييع الذي أردناه خلال أيام، للمستحب في الإسراع في الدفن، لكنَّ كثافة القصف "الإسرائيلي" جعلنا نتفق على تأجيل التشييع حتى تهدأ الأوضاع، وربما بعد أسبوع. فكانت المفاجأة بشهادة سماحة السيد هاشم بقصف مقر تواجده في المريجة في 4 تشرين الأول 2024. في ذلك الوقت لم نعلم مصيره بسبب الغارات "الإسرائيلية" المكثفة على مكان الاستشهاد لمنع استخراج الجثمان، وحتى عندما استخرجنا الجثمان الطاهر، لم يكن لدينا تفكير بالتشييع بسبب العدوان "الإسرائيلي"، وقد انضم التأخير إلى الشهيد الأسمى، فالظروف الأمنية لا تسمح بالتشييع ولا في اجتماع الناس.
عندما حدَّدنا توقيت التشييع، شعرنا بأنَّ الله تعالى هدانا إلى هذا التوقيت والظروف، حيث أتاح لنا التأخير اختيار المكانين الملائمين للمرقدين الشريفين، وتنظيم تشييع يليق بالسيدين الجليلين داخليًّا وخارجيًّا.
كانت صورة التشييع مهيبة، والحضور المليوني الاستثنائي علامة فارقة في تاريخ لبنان والمنطقة، ومحبة الناس لسيد شهداء الأمة ومعه السيد الهاشمي كانت منقطعة النظير، وما رآه العالم عبَّر عن تجذُّر المقاومة في حياة الناس في لبنان، وأعطى انطباعًا مباشرًا عن التصميم على الاستمرارية، فكان شعار "إنَّا على العهد" معبِّرًا عن الواقع والمستقبل.
التشييعُ مبايعة وتجديدٌ للعهد لاستمرارية المقاومة، واستعادةٌ لزمام المبادرة في ترميم قدرة المقاومة، وتأكيد للتلاحم الشعبي حولها. دلالتُه السياسية أنَّ المقاومة مستمرة قيادةً ومجاهدين وشعبًا، وأنَّ حرب أولي البأس محطة، وما قدمته المسيرة وعلى رأسها السيدان الجليلان هو دماء لإحياء المقاومة وعزتها. هذه المقاومة العقائدية الوطنية والمعطاءة لا يمكن أن تُهزَم مع كل الضربات والتضحيات والتآمر عليها. بُنيت على حق ومن أجل الحق، والمؤمنون بالمقاومة أهلٌ للنصر بالشهادة أو النصر.
س. في سياق الرسائل التي عكسها مشهد التشييع، برزت مواقف أميركية عدوانية، لا سيما ما سُرّب من دعوات لقصف التشييع. كيف تقرأون خلفيات هذا الموقف ودلالاته؟
ج. الكيان "الإسرائيلي" مزروعٌ استكباري استعماري رعته بريطانيا، ثم أميركا بدعم دولي وغربي، وهو بإدارة أميركا ويخدم مصالحها أولًا. أرادته أميركا عصا لها في المنطقة لتطويع دولها وشعوبها، فضلًا عن إنهاء القضية الفلسطينية بتشريع وجود "إسرائيل" على كامل فلسطين. إنَّ محطات أميركا في الاعتراف بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل"، ثم الجولان تابعًا لها، وإلغاء فكرة حل الدولتين، وحرب الإبادة برعاية أميركية على غزة، وما يجري من توسع للاستيطان في الضفة الغربية مع التنكيل بالشعب الفلسطيني على مرأى ومسمع ورعاية من أميركا والغرب... كلُّها مؤشرات للقرار الأميركي للتحكم بالمنطقة بالقوة.
وكذلك الحرب العدوانية على لبنان هي حرب أميركية بواسطة الإجرام "الإسرائيلي" لتحقيق السيطرة الأميركية. وقد برز ذلك في التملص من الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، وإدارة استمرار العدوان "الإسرائيلي" مع الضغط السياسي على الدولة اللبنانية في رسم خطواتها السياسية، والعمل لنزع سلاح المقاومة تمهيدًا لإنهائها.
شعار ترامب "السلام بالقوة"، يعني الاستعمار والسيطرة على البلدان بالقوة مستخدمًا إياها بإجرام وتوحش، أو الاستسلام له كي لا يستخدمها. هنا يتقاطع مشروع "إسرائيل الكبرى" مع الهيمنة الأميركية التي تستخدم الأداة "الإسرائيلية" ما دامت تؤدي وظيفة الهيمنة، وتتدخل مباشرة عند عجز "إسرائيل" كما في حالة إيران. وما الطائرات المحملة بكل أنواع الأسلحة يوميًا إلى الكيان "الإسرائيلي" والأساطيل التي تحملها أيضًا، والتنسيق العسكري وإدارته بشكل مباشر من قيادة الجيوش الأميركية، والتحرك السياسي بعنوان أمن "إسرائيل" إلاَّ مظاهر من الإدارة الأميركية المباشرة التي ترفض أي مقاومة وأي حركة تحرُّر وأي اعتراض على الاستعمار الأميركي الجديد.
س. بعيدًا عن الدلالات السياسية، حملت لحظة الوداع أبعادًا إنسانية خاصة، لا سيما لمن عايشوا السيدين الشهيدين عن قرب. بعد مرور عام على مواراة السيد نصر الله في الثرى ومشاهد الوفاء الجماهيري له، ماذا تقولون عن علاقتكم الشخصية به وتجربتكم الطويلة إلى جانبه؟
ج. عملتُ بشكل مباشر مع سماحة سيد شهداء الأمة السيد حسن(رض) منذ سنة 1987، نائبًا لرئيس شورى التنفيذ عندما كان رئيسًا لها، وعضوًا في الشورى معه، ومع تسلم سماحة السيد عباس(رض) لأقل من سنة كنا معًا في الشورى، ثم نائبًا للأمين العام السيد حسن(رض) بعد السيد عباس(رض) من شباط 1992 إلى يوم شهادته لمدة 31 عامًا.
كنَّا أخوين في الله تعالى، ورفيقي درب، وعاملَين تحت راية الولي الإمام الخميني(قده) ومن بعده الإمام الخامنئي(دام ظله)، ومعًا في كل محطات المقاومة وصعوبات المرحلة وأخطارها وتعقيداتها وانتصاراتها وتضحياتها. قلت له مرات عديدة إني أحبه في الله تعالى، وقالها لي مرات إنَّه يحبني. هذا تعبيرٌ عن مستوى العلاقة التي كانت يومية وبتشاور دائم وتعاون مستمر. ربح السيد الأسمى الوسام الأسمى، ولكني خسرتُ كثيرًا على المستوى الشخصي. خسرتُ ملاذًا وقائدًا وجبلًا شامخًا وعقلًا مبدعًا، وهي خسارة القرب والتفاعل، ولكني مؤمنٌ بقضاء الله وقدره، وعلينا أن نستفيد من هذه الصفات دائمًا في غيابه.
س. وبالنسبة للسيد الشهيد هاشم صفي الدين، الذي شكّل حضورًا أساسيًا في البنية التنظيمية والتنفيذية، كيف كانت طبيعة العلاقة معه؟ وماذا خسرتم شخصيًا بعد استشهاده؟
ج. كنت في تفاعل دائم مع سماحة السيد هاشم (رض)، فهو رئيس المجلس التنفيذي، وكان التنسيق دائمًا معي كرئيس لمجلس العمل النيابي. كنا معًا في كل اللجان التنظيمية، والتي تقرر الهيكليات كممثلين مفوضين عن الشورى، وفي بعض الأحيان كمقررين، وغالبًا برئاسة الأمين العام السيد حسن(رض).
كنا معًا في مسيرة الولاية والمقاومة، وفي موقع المسؤولية والقيادة، التي تستلزم وعيًا وحكمة وبذلًا، وهذا ما حقَّق لي أُنسًا في العمل مع شخصية واعية ورسالية وحريصة ودقيقة في إطار خدمة مشروع المقاومة وشعبها. أفتقده عضدًا وسندًا، وإن شاء الله سنستفيد مما بناه وأسسه.
س. إذا كانت علاقتكم بسماحة السيد الشهيد نصر الله قد اتسمت برفقة درب طويلة وشراكة في المسؤولية، فإن هذه المسيرة لم تكن بمعزل عن الارتباط بخط الولاية، وهو ارتباط يتجلى بوضوح في العلاقة مع آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي، خصوصًا ونحن في أيام ذكرى انتصار الثورة الإسلامية. فكيف تصفون علاقة السيد الأسمى بالإمام الخامنئي؟
ج. كان سماحة السيد الأسمى(رض) ذائبًا في حبِّ الإمام القائد الخامنئي(دام ظله)، ويترقب منه كل كلمة، متابعًا ومحلِّلًا ومستفيدًا منها، ومكرِّرًا لها أمام الإخوة والجمهور أحيانًا. وكان القائد يبادله الحب والقناعة بالدور والأهلية والمكانة التي تميز بها سماحة السيد حسن(رض).
ثقة القائد بالسيد مطلقة، برجاحة عقله وخبرته وصحة مواقفه. السيد الشهيد يذكر القائد دائمًا ويحث القيادة والإخوة على الطاعة له والموالاة، فهو نائب الإمام المهدي(عج) وولي أمرنا. لقد كانت بينهما أعلى درجة من العلاقة الإيمانية والجهادية والعملية.
س. مع استحضار مشهد التشييع المهيب الذي شكّل لحظة وفاء جامعة وأعاد تثبيت العهد وأحيا في الوجدان مسيرة القادة بكل محطاتها، فإن ذكرى القادة الشهداء التي صادفت قبل أيام تدفعنا للعودة إلى البدايات الأولى لهذه المسيرة. ومن بين تلك البدايات يبرز اسم الشهيد الشيخ راغب حرب. كيف تقدّمون شخصيته إلى الجيل الذي لم يعايشه؟ وما الذي ميّز حضوره في مرحلة التأسيس؟
ج. مع انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية على يد الإمام الخميني(قده) عام 1979، كان سماحة الشيخ راغب حرب (رض) من المصرّحين بالولاء والبيعة للإمام الخميني(قده)، ومن المروجين للارتباط بهذه الثورة المباركة. فقد رأى فيها الإيمان الأصيل والصدق وحمل قضايا المستضعفين، وقد شارك سماحة الشيخ في كل الأنشطة الداعمة للثورة الإسلامية الإيرانية في لبنان، وذهب إلى مؤتمرات عدة في إيران.
أما عمله في الساحة اللبنانية، فهو من أوائل حمَلة لواء المقاومة ضد العدو "الإسرائيلي"، بكل أشكال المقاومة ومنها الثبات في الأرض، والتحدي المباشر للمحتل، وما كلمته "الموقف سلاح والمصافحة اعتراف" إلا تعبير عن هذه الروحية.
يمكن القول إن سماحة الشيخ هو ابن الأرض الجنوبية، والمتحدر من علماء جبل عامل، عاش مع الناس في حياتهم اليومية، بفقرهم، وزراعة أرضهم، وسهراتهم الليلية، والألفة الاجتماعية، ومساعدة الفقراء، والأهم نصرة المقاومين ومساعدتهم بالتحرك والدعم.
س. وسط روح الانطلاقة التي جسّدها الشهيد الشيخ راغب حرب في الجنوب، شهدت البدايات أيضًا حضورًا مؤسسًا لسيد شهداء المقاومة الإسلامية السيد عباس الموسوي، الذي أسهم في وضع اللبنات الأولى للعمل التنظيمي إلى جانب دوره الرسالي والجهادي. كيف تقرأون موقعه في تلك المرحلة التأسيسية؟ وما الإضافة النوعية التي قدّمها؟
ج. أحيا سماحة الأمين العام سيد شهداء المقاومة السيد عباس الموسوي(رض) منطقة البقاع بوعيه الرسالي الأصيل المتأثر بشكل كبير بالمرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر(رض)، ثم بالإمام الخميني(قده) الذي والاه من اللحظة الأولى، بعشقٍ وولهٍ وحبٍ وتفانٍ من دون حد.
السيد عباس أحد الأركان التسعة الذين اجتمعوا في عام 1982 ليبايعوا الإمام الخميني(قده) قائدًا ووليًّا ومتحدثًا بإسم المجموعة، وعضوًا في أول شورى لحزب الله حتى شهادته عام 1992، أي لعشر سنوات متواصلة.
كانت سيارته هي منزله المتنقل، بين البقاع وبيروت والجنوب ودمشق والزبداني... وحيثُ يستلزم العمل. كان حركةً لا تهدأ، ومحبوبًا من الجميع، ويقبله الجميع، كما يتعامل مع الجميع. ليست لديه حسابات خاصة. حاول أن يدفع الأمانة العامة إلى سماحة السيد حسن(رض)، لكن سيد شهداء الأمة أبى أن يتقدم على أستاذه، فأصبح سماحة السيد عباس(رض) أمينًا عامًّا في منتصف عام 1991.
عندما تشكلت الشورى التي أصبح أمينها العام، تقرَّر منصبٌ جديد فيها هو نائب الأمين العام. وفي إحدى جلسات توزيع المهام فاجأني بأنَّه يقترحني لهذا الموقع. اعترضت لأنه لم ينسق معي، فقال لي: أريدك إلى جانبي، وهذه مسؤولية، أتمنى أن تقبل، فلم يكن لي أن أرفض مع هذا الرجل الطاهر الخالص لله تعالى.
س. شكّلت شهادة السيد عباس محطة مفصلية في تاريخ المقاومة. كيف انعكس استشهاده على مسارها؟ وما الذي بقي حيًا من أفكاره ونهجه بعد رحيله؟
ج. وصيتان تختصران ما ساهم فيه سماحته في بُنية حزب الله الأولى: قول سماحته: "الوصية الأساس حفظ المقاومة"، والثانية في حديثه مع الناس: "سنخدمكم بأشفار عيوننا". فالبناء الحزبي قائمٌ لديه على أولوية المقاومة وخدمة الناس، وهذا ما انعكس على حركته الميدانية، حيثُ كان حريصًا على لقاء المقاومين قبل الانطلاق إلى بعض العمليات ضد العدو "الإسرائيلي"، واختار قبل الأمانة العامة أن يكون مندوب الشورى في الجنوب ليكون قريبًا من العمل المقاوم.
وأما خدمة الناس فقد كان كريم النفس، يلاحق ما يحتاجه الناس، ويعمل على تخفيف الأعباء عنهم وتقديم المساعدات لهم، والقيام بالأنشطة الاجتماعية وبناء المؤسسات التي تخدمهم.
الإضافة النوعية أنَّه جسَّد تحرك حزب الله في ميدان قضايا الناس، فالحزبُ نظمٌ للأمور وليس هدفًا، إنَّما الهدف هو تحرير الأرض بالمقاومة، وخدمة الناس ولو كانت بأشفار العيون، فالحزب للناس، ومع الناس، وهذا ما ترسخ من أفكاره.
لقد شكَّلت شهادته مَعْلَمًا للثمن الذي سيدفعه السائرون على خط المقاومة، وكحافز للاستمرارية، خصوصًا عندما ينالها رجلٌ متفانٍ في الإسلام كالسيد عباس(رض). قال تعالى: "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا".
س. في البعد الأمني والعسكري، يبرز اسم القائد الشهيد عماد مغنية بوصفه أحد أبرز العقول التي أسهمت في تطوير الأداء الميداني. ما الذي ميّز تجربته؟ ولماذا يُعدّ من أكثر القادة حضورًا وتأثيرًا في تاريخ المقاومة؟
ج. العمل الجهادي عمادُ المقاومة الإسلامية، وتكليفُنا الشرعي المُقدَّم على غيره والمؤسِّس لما يرتبط به هو مقاومة العدو "الإسرائيلي" لتحرير الأرض المحتلة ونصرة لفلسطين. تميَّز الحاج عماد مغنية (رض) بكفاءة أمنية وعسكرية مميزة، وبخبرةٍ عملية منذ أوائل شبابه، والتزامٍ إسلامي أصيل ارتبط بخط ولاية الإمام الخميني(قده) وقيادة الإمام الخامنئي(دام ظله)، ما جعله يتصدَّر القيادة الجهادية في حزب الله معاونًا لسيد شهداء الأمة السيد حسن(رض) في كل ما يتعلق بالأمن والعسكر في المقاومة.
ترك بصمته على الكوادر الذين ربَّاهم وساروا معه، وكان دائم التطوير لأساليب العمل وتهيئة القدرات، يستكشف الطاقات ويدربها ويسلمها المهام الأولى بإدارته القادرة والمؤثرة. أحبَّه كل من عمل معه، وقد صرح الكثير من قادة المقاومة من الذين استُشهدوا لاحقًا ومن الذين بقوا على قيد الحياة أنهم من تلامذته وتربوا على يديه.
الحاج عماد عمل في التأسيس لهذا النهج المقاوم، وتسلم موقع القيادة في أهم مرحلة أدت الى التحرير، وراكم بناء القدرة فيها، والكوادر المتنوعة، ولعلَّ أدق تعبير عنه ما قاله سماحة السيد الأسمى(رض) عندما وصفه بعد شهادته عام 2008، بأنه قائد الانتصارين (التحرير 2000، وحرب الوعد الصادق 2006).
س. مع ذكرى التشييع المهيب واستحضار القادة الشهداء، والعطاء الذي لا ينضب في هذه المسيرة، يزداد الناس تمسّكًا بالعهد مع المقاومة والالتفاف حول القيادة، ويعدونكم بأنهم إلى جانبكم مهما حصل. بماذا تعدونهم أنتم؟ وماذا تقولون للناس الذين يراهنون على حكمتكم في قيادة سفينة المقاومة؟
ج. مسؤوليةُ قيادة مسيرة حزب الله والمقاومة الإسلامية مسؤولية كبيرة جدًا، ودور الناس في هذه المسيرة هو دور محوري وأساسي. فهي لهم وهم ذخيرتها. ولا أخفي أنِّي بعد تسلم المسؤولية ازدادت مشاعر حُبي للناس، فهم أهلي وأبناء مسيرة المقاومة والشهداء.، وقد عاهدت الله تعالى من اللحظة الأولى أن أقوم بواجبي تجاههم بأفضل ما يكون، بحسب ما منحني الله تعالى من قدرة وإمكانات، ولا محلَّ في حياتي إلا لله والولاية والمقاومة والناس، لنكون معًا إن شاء الله من جند الإمام المهدي(عج).
أعلمُ أنَّ المرحلة صعبة، ولكنَّنا قطعنا معًا معركة أولي البأس بالاستمرارية، ونتابع بصبر خلال خمسة عشر شهرًا ما تقتضيه المرحلة، وعندما يحين الوقت لأي موقف لن نتوانى عنه. طريقنا واضح: الأرضُ لنا، وحقنا في الدفاع والمقاومة مشروع، وسنبقى ثابتين، مهيئين أنفسنا لكلا الحسنيين: النصر أو الشهادة، ومهيئين العدة بانتظار صاحب العصر والزمان(عج). لا محل للهزيمة مهما بلغت التضحيات. "وَمَا النَّصْرُ إِلاَ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ".
/انتهى/