بين الإنجازات والإخفاقات… قراءة نقدية لتجربة المقاومة في السنوات الأخيرة في مواجهة "إسرائيل"

في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، تتقاطع فيها الحروب المفتوحة مع التحولات الاستراتيجية، وتُعاد فيها صياغة موازين القوى في المنطقة، يأتي هذا الحوار لوكالة تسنيم الدولية للأنباء مع الكاتب السياسي اللبناني الدكتور قاسم قصير ليقدّم قراءة نقدية شاملة لمسار «محور المقاومة». من تداعيات عملية «طوفان الأقصى»، إلى الحرب في غزة ولبنان، مرورًا بالتحولات في سوريا وإيران واليمن، وصولًا إلى سؤال المستقبل وسيناريوهاته المحتملة.

المقابلة التي اجراها "محمد اقدامي" لا تكتفي برصد الوقائع، بل تتناول بالنقاش جذور الإخفاقات ونقاط القوة، وإشكاليات التنسيق داخل المحور، والتحولات في طبيعة الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة، فضلًا عن مراجعة الأداء الأمني والعسكري، وإعادة تعريف مفهوم «المحور» نفسه. كما تطرح تساؤلات جوهرية حول إمكان بناء تحالفات أوسع تتجاوز الإطار المذهبي نحو خطاب إنساني عالمي يعيد صياغة المواجهة في المرحلة المقبلة.
 

وفيما يلي نص المقابلة:
 

نشكر لكم إتاحة وقتكم لنا. في هذه المقابلة، سنحاول، من منظورٍ نقدي، أن ننطلق من الحاضر بنظرة صريحة على الوضع القائم؛ ثم نعود إلى الماضي للبحث عن جذور وضعنا الراهن هناك؛ وفي الختام، سنقوم، برؤيةٍ استشرافية و بدراسة السيناريوهات المحتملة للمستقبل. و سؤالنا الاول لكم هو : بعد الهجمات التي تعرّض لها محور المقاومة، والتغيّرات التي طرأت على النظام الإقليمي، إذا أردنا أن ننظر إلى واقع هذا المحور اليوم بنظرة موضوعية ، كيف تقيّمونه؟ وما هو تحليلكم لطبيعة المرحلة الراهنة التي يمرّ بها المحور اليوم؟

نحن عشنا خلال سنتين تقريبا تطورات خطيرة و مهمةجدا في المنطقة، بدأت بمعركة طوفان الاقصى و هي الحدث الاكبر الذي حصل في المنطقة و الذي ترك تداعياته علي كل المنطقة سواء داخل فلسطين او لبنان او ايران او اليمن او سوريا. خلال تشرين الاول سبعة اوكتوبر الى اليوم ، عندما نتحدث التداعيات و التطورات لاتزال مستمرة و لم تنته اولا لاننا أصبحنا امام واقع إسرائيلي و أمريكي جديد و عشنا حربا لم تنته لا بفلسطين و لا بلبنان و لا بايران و لا بسوريا. و حدثت متغيرات كبرى. طبعا المتغير الأهم ان قوى المقاومة رغم ما كانت تمتلكه من قدرات و إمكانيات تلقت ضربات قاسية، خصوصا في فلسطين و لبنان. و رغم ما جرى في غزة و في لبنان،لكن هذه القوة لاتزال موجودة فاعلة . إضافة إلى المتغير الثاني سقوط نظام الرئيس بشار الاسد الذي كان على الاقل ممرا لقوى المقاومة، و مركز لتلاقي قوى المقاومة .

و العنصر الثالث الحرب على إيران و تداعياتها وصولا إلى دور اليمن .هذه التطورات كشفت الكتير من الثغرات في محور المقاومة ولكنها في الوقت نفسه أفرزت واقع جديد علينا ان نتعامل معه .و هو ان محور المقاومة اليوم امام تحديات جديدة انطلاقا مما حصل في الحرب. محور المقاومة أصبح لديه وضوح اكثر بقدراته و إمكانياته ، تلقى ضربات قاسية لكن رغم كل الضربات القاسية؛ لم تستطع أسرائيل و أمريكا أن تفرض رؤيتها او مشروعها السياسي. لذلك الحرب لاتزال مستمرة و قد نكون امام محطات جديدة في لبنان أو تخوف من عودة الحرب ، في إيران هناك تخوف من ضربة جديدة على إيران، في غزة لم تنته الحرب رغم كل الجهود، و الوضع في سوريا لااحد يعرف إلى أين سيصل. 

لذلك اليوم من المهم جدا لقوى المقاومة سواء على مستوى قوى التصدي أو على مستوى الدول ان تدرس نقاط القوة و نقاط الضعف إضافة إلى طبيعة المعركة الجديدة. انا استمعت قبل ايام إلى خطاب السيد الخامنئي قائد الجمهورية في ذكرى احتلال السفارة الأمريكية ، الخلاصة المهمة غير تحديد موقع اميركا في المنطقة و دورها ، إن هناك نقطتان مهمتان الوعي و امتلاك القدرة و التكنولوجيا . واضح اليوم ان العالم امام مشهد السردية الإسرائيلية لم تعد هي نفسها.تلقت إسرائيل ضربات قاسية على مستوى وعي العالم. هي صحيح حققت ضربات عسكرية لكن منطق إسرائيل لم يعد نفسه، هذه النقطة مهمة. 

لكن نحن انكشفنا من ناحية التكنولوجيا ،لذلك اليوم أهم مسألة انا برايي هي و من تقديري تحصل في إيران و لبنان و فلسطين إعادة تقييم و مراجعة كيف حصلت و كيف انكشفت ايران و أين كانت قوى محور المقاومة و لماذا نجحت إسرائيل بالوصول و في الوقت نفسه كيف يمكن استثمار الموقف. هذه نقاط مهمة جدا. طبعا و الاستعداد لمراحل جديدة نظرا للمعرفة القائمة و الظروف التي لم تنته.

و إعادة التفكير بطريقة أخرى، لم يعد بالإمكان خوض المعركة وفقا للحسابات القديمة.اولا قوى المقاومة لم تعد لوحدها تستطيع ادارة المعركة.حتى إيران كدولة كبرى تحملت عبء كبير بالمعركة يجب نقل هذا العبء لأوسع قدر ممكن من الدول و القوى و الخروج من المنطق المذهبي والطائفي الى منطق إنساني عالمي، لذلك أنا تقديري اليوم نحن امام مرحلة جديدة تحتاج إلى تقييم و قراءة و الأهم الخلاصة من هذه التجربة عدة عناصر مهمة : اولا التكنولوجيا و و الذكاء الاصطناعي و دورهما في المعركة ثانيا تقديم مشروع جديد في المواجهة مع اسرائيل ثالثا عدم تحمل عبء المواجهة لوحدنا يعني اليوم لانستطيع المواجهة وحدنا.

أشرتم إلى نقطة جوهرية، وهي في صلب سؤالنا. لقد أظهرت هذه الحرب أنّ الجهة التي واجهت إسرائيل و وقفت عمليًا إلى جانب الفلسطينيين كانت إيران وحلفاءها من القوى الشيعية، في حين أنّ المنطق الاستراتيجي يفترض عادةً أنّ الأقليات تميل إلى تأمين دوائر حماية ذاتية، بينما تكون الأكثريات هي التي تدخل في مواجهة مع القوى الكبرى. لكن في نهاية المطاف، إيران وحزب الله من تحمّل الضربات، فيما عبرت الأغلبية السنية العربية والتركية بسلام. انطلاقًا من ذلك، برأيكم، هل تستطيع إيران وحزب الله و بقية القوى الشيعية في المنطقة أن تتحمّل كامل عبء الأمة بفردهم ، من دون مشاركة فعلية من باقي الطوائف؟

ما قامت به إيران على مدار تقريبا ٤٦ سنة. منذ انتصار الثورة إلى اليوم قدمت إيران للقضية الفلسطينية كل ما يمكن من دعم، من موقف سياسي، من مواجهة العدو الإسرائيلي، من دعم قوى المقاومة . ايضا حزب الله قدّم اولاً طبعاً دفاعاً عن لبنان ،و للدفاع عن فلسطين قدّم أقصى ما يمكن وصولاً إلى استشهاد قادته .هذه كانت مهمة جدا لأجل تغيير الوعي تجاه الطائفة الشيعية في لبنان. للأسف كان هناك دائما من يتهم الشيعة بأنهم يتحالفون مع الاستعمار أو أن بعضهم كان يعتبر الشيعة هم صنيعة اليهود و يخترعون الاساطير في هذا المجال . 

تبيّن اليوم ان الطائفة الشيعية هي أكثر طائفة قدمت و ضحت من أجل فلسطين. اليوم لم تعد ،اذا اردنا أن نتحدث بواقعية، هذه الطائفة سواء في لبنان ،في العراق أو الحلفاء الأخوة باليمن أن يخوضوا معركة لوحدهم ،لذلك أنا برأيي يجب البحث عن صيغ جديدة لإدارة المواجهة تحت عنوان إيجاد تحالف عربي ديني إنساني عالمي لمواجهة الكيان الصهيوني كونه كيانا عنصريا ليس فقط احتلال. هو كيان عنصري يشبه إلى حدٍما الكيان العنصري في جنوب أفريقيا عندما كان هناك دولة عنصرية ولكن نجحت حركة التحرر علي المستوى العالمي و تحولت الحرب ضد النظام العنصري على مستوى العالمية. 

برأيي، نحن اليوم أمام مرحلة تتطلّب إعادة ترتيب شاملة للوضع العام، مع الحفاظ على عناصر القوة القائمة. سواء في إيران أو لدى حزب الله في لبنان، أو بالنسبة للإخوة في العراق واليمن تبدو الحاجة ملحّة لإعادة ترتيب وضعهم. طبعاً يبقى هناك المتغير الجديد الذي يجب أن نبحث عنه و هو المتغير السوري هل سوريا تتحول إلى قوة معادية أو يمكن تحويلها إلى قوة حليفة. طبعا بالتنسيق مع الأتراك و مع بعض الدول العربية لأن المشروع الإسرائيلي الأمريكي اليوم يستهدف كل المنطقة و هذا باعتراف مسؤولين سعوديين و باعتراف تركي الفيصل إن المشروع الإسرائيلي هو الأخطر ، و تراجعت كلّ المقولات التي كانت تتّهم إيران بأنها تشكّل خطرًا على العالم العربي، كما تراجعت الاتهامات التي صوّرت الشيعة او ما يسمي بالمحور الشيعي على أنهم خطر.

اليوم أصبحنا امام مشروع إسرائيلي أمريكي واضح و الدول العربية مدركة؛ طبعا بعض الدول ، بعضها لايزال لايعترف بالموضوع. لذلك ينبغي إعادة التفكير في كيفية تشكيل هذا التحالف ، حتى في امريكا ، بدأنا نسمع في داخلها أصوات تعتبر أن الدعم الأمريكي لإسرائيل أصبح مكلف و أصبح يشكل عبء على السياسين الأمريكيين و على أمريكا؛ كيف يمكن تحويل هذا المنطق باتجاه رسالة واضحة للامركيين انّ استمرار دعم المشروع الإسرائيلي حتى يضر بالمصالح الأمريكية؟ هذه الأفكار ليست بسيطة و ليست سهلة لكن تحتاج إلى التعليق

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل تؤدّي حالة الاستعلاء وفرض الهيمنة التي تمارسها إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة إلى دفع دول الإقليم إلى إدراك الخطر المتزايد لهذا الكيان، والسعي إلى بناء تحالفات وصياغة توازن قوى في مواجهته؟ أم أنّها، على العكس، ستؤدي الى زيادة الخوف لدى هذه الدول، وتدفعها إلى مزيد من التكيّف والارتهان في التعامل مع إسرائيل؟ ولا سيّما أنّ هذه الدول، تاريخيًا، لم تدخل في مواجهة حقيقية مع الولايات المتحدة أو مع إسرائيل

أنا تقديري ما يريده الاسرائيليون و هناك اتجاه داخلي اميركي قد يكون يدعم هذا الاتجاه ليس مجرد مصالح امنية ؛ هم يريدون تفتيت المنطقة إلى دويلات طائفية و مذهبية و جعل إسرائيل هي القوة المهيمنة على المنطقة و عدم السماح لنشوء أي قوة بالمنطقة، لايريدون أي دولة قوية؛ لا سوريا، لا مصر ، لا الأردن و لا السعودية و لا لبنان. حتى تركيا هي مستهدفة بشكل أو بأخر؛ رغم كل الحرص التركي على عدم الصدام المباشر مع إسرائيل أو التنسيق مع الأمريكي. انا تقديري هذا المنطق الإسرائيلي الأمريكي يجب أن يشكل حافذاً لكل ابناء المنطقة اليوم للتفكير كيف يمكن مواجهة هذا الموضوع. حتى فكرة المبادرة العربية للسلام مقابل الارض لم تعد موجودة، فكرة الدولة الفلسطينية لم تعد موجودة عند الاسرائيليين. 

الاسرائيليون يقولون لو أردتم دولة فلسطينية اجعلوها في السعودية أو في الأردن أو في أي بلد أخر، هم يريدون تحويل فلسطين إلى دولة يهودية؛اي إقامة مشروع إسرائيل الكبرى اذا لم يكن بالسيطرة الأمنية و العسكرية على كل المنطقة سيكون بالهيمنة بشكل او بأخر.اذاً الذي يمارس اليوم عن طريق الجيش الإسرائيلي أي يستطيع الجيش الإسرائيلي أن يصل إلى أي منطقة بالقصف بالقتل. 

بمعنى ان يكون هناك حق لإسرائيل بمواجهة كل من يهدد أمنها. و لذلك أنا تقديري هذا المشروع الإسرائيلي وضوحه و عدوانيته و عدم وجود فرصة للتصالح أو السلام معه يجب أن يُعتبر تهديداً لكل دول المنطقة ، لأن الموضوع ليس موضوع الاكل و الشرب او المصالح إنما هناك خطر وجودي بكل معنى الكلمة و هذا الكلام قاله الكثير من المفكرين المسيحيين حتى قبل المسلمين في بدايات مشروع الكيان الصهيوني سواء ميشال شيحة ، كمال الحج،شارل مالك او أنطوان سعادة أو غيرها أن اسرائيل هي خطر عالمنطقة للمسلمين و المسيحين. 

من هنا أهمية إعادة شرح مخاطر المشروع الإسرائيلي بلغة جديده؛ هذا الأمر قد يساعد بإعادة تغيير التحالفات. طبعا ليس بالضرورة أن تقوم دول عربية او إسلامية بمحاربة الكيان الاسرائيلي ، عالاقل منع تمدده، عالاقل الصمود في وجهه، على الاقل عدم السماح بإنهاء قوى المقاومة في المنطقة ،هذا قد يشكل ذلك مدخلاً جديداً لمواجهة و توزيع العبء.


دكتور، بعد سقوط سوريا عاد إلى الواجهة نقاشٌ قديم ــ وربما مُحقّ ــ حول مفهوم «محور المقاومة» نفسه. فهناك من يرى أنّ هذا المصطلح لم يكن دقيقًا من الأساس، وأنه كان الأجدر استخدام تعبيرات أخرى، مثل «جبهات المقاومة» أو ما شابه ذلك. وتكمن أهمية هذه المسألة في أنّ الكلمات ليست مجرّد مفاهيم ذهنية أو توصيفات لغوية، بل إنّ لها أثرًا واقعيًا ومباشرًا في تشكيل الفعل وفي مقاربة الواقع على الأرض. كيف تنظرون إلى هذا الجدل؟

هذا المصطح كان مفيدا في مرحلة معينة و كان ضروريا في لحظة معينة ؛ لكن تبين عمليا انه لا يوجد إطار تنظيمي متكامل حول موضوع المحور. صحيح انه كان هناك تنسيق و تعاون بين قوى المحور بمواجهة بعض المراحل و التحديات ولكن من الواضح أن كل قوة في المحور كان لديها حسابات خاصة في كيفية القيام بدورها سواء على المستوى العسكري أو السياسي. طبعا عندما قامت حركة حماس في معركة طوفان الأقصى ، انطلقت من حساباتها الخاصة و دون أن يتم التنسيق و هذا أصبح معروفا لا نكشف سراً اليوم ؛ قد يكون هناك اتصالات سبقت او لقائات ولكن حسب كل المعلومات أن قيادة حماس في غزة أخذت القرار بالمعركة بدون تنسيق كامل. 

و هذا لايعني أن ما قامت به حركة حماس في غزة كان خطأ ولكن كان يحتاج إلى تقييم .ممكن هذا القرار بالنسبة لهم كان الأفضل . اليوم موضوع المحور بالمعنى السابق لم يعد قائماً. علينا ان نكون واقعيين؛ نحن أمام وقائع جديدة ؛ المقاومة في فلسطين لديها تحديات، المقاومة في لبنان لديها تحديات، الأخوة في إيران، الأخوة في اليمن ، الأخوة في العراق، سوريا لم تعد موجودة. لذلك أنا تقديري ليس أمرا مسيئا أو سلبيا الخروج من منطق المحور، لم يعد موجود محور مقاومة بالمعنى السابق. 

قد نحتاج إلى الذهاب إلى محور جديد تحت عنوان محور فلسطين أو أي صيغة أخرى أو تحالفات جديدة لكن من الواضح اليوم ان فكرة المحور أدت ما عليها، كان فيها اشكالات و كان فيها ايجابيات لكن لم تعد صالحة اليوم. طبعا بلحظة من اللحظات كانت فكرة المحور مفيدة لتحشيد قوى المقاومة في مواجهة العدوان الاسرائيلي أو لمواجهة بعض التحديات أما اليوم لم يعد هذا المحور صالحا.

صحيح، لكن عمليًا كان هذا المحور في معظمه محورَ حلفاء إيران؛ و يمكن القول، على سبيل الإيحاء من علم الأصول "إنّ الواقع كان أخصّ من المُدّعى"

تعبير حلفاء إيران أو البعض للأسف يستخدم هذا الكلام ليس صحيحا. إيران قدمت الدعم لقوى المقاومة في المنطقة إنطلاقا من رؤيتها الايدئولوجية و السياسية و من مصالحها القومية و الأمنية؛ و قوى المقاومة في المنطقة جعلت ايران حاضرة في المشهد غير قوة إيران الذاتيّة وإيران تدعم هذه القوى من منطلق فكري و أيديولوجي سياسي و هي ترتبط بايران على هذا الأساس ليست علاقة مصلحية لمن يريد أن يقيم.

انا سمعت تصريحات للمستشار الرئاسي السابق محمد جواد ظريف: ماذا قدم وكلاء ايران لها؟ الموضوع هو ان إيران عندما قدمت دعما للمقاومة في لبنان لم تكن تنتظر ما تقدمه لها المقاومة أو عندما قدمت دعما للقوى الفلسطينية ابتداءا من فتح يعني قبل حماس القرار التي اتخذته ايران عند انتصار الثورة في تحويل سفارة إسرائيل إلى سفارة فلسطين و طرد السفير الإسرائيلي أو القرار الذي أخذه طلاب إيران باحتلال السفارة الأمريكية، هذا قرار كان لمصلحة إيران ليس لفائدة احد، كما تحدث السيد القائد بخطابه في ذكرى السادس من تشرين، ان احتلال للسفارة كان رد فعل على الدور الأمريكي و كشف من خلاله ماذا كانت تقوم به أمريكا ضد إيران و لكي لاتتكرر تجربة إسقاط مصدق. لذلك أنا برأيي هذا الموضوع يحتاج إلى تفكير موضوعي دقيق و تحديد الايجابيات او السلبيات لكن عالاقل اليوم الزمن تجاوز، نحن بحاجة اليوم لنمط جديد بالتحالفات و العلاقات إنطلاقا من تقييمها للوضع.

لقد أجرينا مراجعةً للحال والوضع الراهن. والآن، اسمحوا لنا في الجزء الثاني من هذا الحوار أن ننتقل من الحاضر إلى الماضي، بحثًا عن جذور هذا الواقع. ومحطّتنا الأولى، بلا شك، هي عملية «طوفان الأقصى». برأيكم، هل كان قرار التخطيط لعملية بهذا الحجم من التأثير وما ترتّب عليها من تداعيات، قراراً صائبًا؟ و لا سيّما أنّ لدينا نماذج تاريخية، مثل حربي عامي 1967 و1973، حيث شاهدنا فيهما حجم ردّ الفعل الإسرائيلي إزاء الهجمات العربية الواسعة، وما ترتّب على ذلك من خسارة للدول العربية بالاضافة لاحتلالٍ المزيد من الأراضي العربية.

طبعا حرب عام ١٩٦٧ هزيمة بكل معنى الكلمة لعدة دول عربية بسبب أخطاء في التحضير للحرب و في حرب ١٩٧٣ نجح العرب بتوجيه ضربة اولى للجيش الإسرائيلي لكن للأسف حصلت اشكالات أدت لنجاح الاسرائيلين بإنشاء خرق في الجبهة المصرية. أنا برأيي طوفان الأقصى بالنسبة للأخوة بحماس بغزة كان خيارا وحيدا لأنهم كانوا يواجهون ضغوط خارجية و داخلية ، كان هناك مشروع لتصفية القضية الفلسطينية بالمنطقة، و مشروع تطبيع، كان هناك معلومات ان اسرائيل ممكن ان تشن الحرب على غزة، لذلك هم بادروا و حققوا نتائج مهمة جدا؛ صحيح انهم دفعوا ثمنا كبيرا لكن ضربوا كل الأمن الإسرائيلي، الان يبقى هناك اشكال وحيد من وجهة نظري لكن من باب افتراضي لو كانت هذه العملية منسقة بين كل قوى محور المقاومة و كان هناك تحضير مسبق على كل الجبهات ممكن كنا في مرحلة أخرى في الصراع، هذا هو الإشكال؛ لكن هذا لا يلغي أهمية ماجرى و النتائج المهمة رغم التضحيات الكبيرة، العدد الكبير من الشهداء و الخسارات الكبيرة. 

والان القضية الفلسطينية اصبحت بمرحلة جديدة ولكن حتى ما يقوله لك البعض أن لبنان دفع ثمن جبهة المساندة لكن فعليا إسرائيل كانت تجهز للحرب على لبنان وإسرائيل كانت تجهز لعمل غير عادي كما في موضوع البيجر وهذا يؤكد ان خطة إسرائيل كانت موجودة سواء قمنا بالمساندة أو لم نقم بها، لذلك كنا امام خيار ما. طبعا كل ما جرى يحتاج للتقييم ولكن لايمكن العودة إلى الوراء؛ انا برايي يجب ان نأخذ العبرة و نحتاج متابعة المسير.

المحطة الثانية في عودتنا إلى الماضي بلا شك هي سوريا. نحن لا نرغب في الحديث عن أصل وجودنا هناك، فقد تمّ التطرق إلى هذا الأمر كثيرًا، بل نريد التركيز على كيفية وجودنا وأدائنا في سوريا. برأيكم، أليست سوريا هي التي مهّدت للكثير من التحدّيات التي نواجهها اليوم؟ من تراجع تأثيرنا الناعم بصفتنا دعاة وحدة إسلامية، إلى التوسّع المفرط في الجبهات، و فتح المجال أمام الاختراقات داخل صفوف محور المقاومة، وغيرها من التداعيات؟

التدخل في سوريا لم يكن لدعم شخص بشار الاسد أو دعم النظام كنظام؛ الدخول الى سوريا كان لأن سوريا كانت تشكل قطب الرحى في محور المقاومة في المنطقة وقدمت سوريا للمقاومة كل إمكانيات الدعم سواء بصواريخ الكورنيت في حرب تموز ٢٠٠٦ و تقديم كل ما يمكن لقوى المقاومة، كانت سوريا مركز تدريب للمقاومة، ممر للسلاح، والدليل ان اليوم عندما تفاوض أحمد الشرع مع الامريكان قال أحد انجازاته انه اخرج حزب الله من سوريا. 

أنا ليس لديّ معلومات كافية على المستوى الأمني والعسكري، أين كانت مواضع الخلل في سوريا، وأين وقعت الأخطاء في الأداء العسكري والأمني التي سمحت للعدو بالاستفادة منها، لكن كان يمكن في اللحظة التي كان يتم فيها تقديم هذا الدعم للنظام و للرئيس بشار الاسد من أجل مواجهة التحديات السعي لمعالجة الاسباب الجذرية للموضوع ايضاً، كما كانت المحاولة الأولى التي بدأت عام ٢٠١١ لمشروع الاصلاح، كان يفترض أن يستفيد من ٢٠١١ الى ٢٠٢٥ لتحصين النظام، لمشروع اصلاحي، لكي يكون قويا و قادرا لمواجهة التحديات. انت قدمت كل ما يمكن من أجل بقاء النظام، من أجل بقاء سوريا و وحدة سوريا، لكن كان هناك مشاكل داخل النظام أو حسب بعض المعلومات كانت تقدَّم نصائح للرئيس بشار الاسد لكن للأسف لم تنفع هذه النصائح.

ايضاً كان واضحا ان الرئيس بشار الاسد كان مربكا مابين علاقته بمحور المقاومة و بين سعيه للعلاقات مع الدول العربية والدور الروسي. خلاصة القول كلما كان النظام قويا كلما كان الدفاع عنه اكثر امكانا. حسب نظرية مالك بن نبي ما يسميها "قابلية الاستعمار"، الدولة والأمة التي تعاني من الداخل تكون عندها قابلية لكي تُستَعمر اما اذا كانت قوية فلا؛ لذلك الان اذا أردنا أن ننظر إلى ما جرى في إيران، الحرب التي شُنت على إيران، لو لم يكن هناك قوة داخلية من التماسك إلى أخره، كان انتهى أمرها. 

فإذن المشاركة في الصراع كان ضروريا كتقييم استراتيجي ولم يكن هو دفاعا عن الفساد و الأخطاء، لكن كان مطلوبا مراجعة و أداء جديد؛ لأن الذين شاركوا في الصراع في سوريا لم يكن الشعب السوري، صحيح الشعب السوري كان يعاني من مشاكل، لكن حوالي سبعون دولة كانت تشارك في المجموعات المتطرفة. يمكن من ضمن الأخطاء الاستراتيجية انه عندما عُرض على الرئيس بشار الاسد الحوار مع الرئيس التركي قبل أشهر، كانت فرصة لبناء حالة جديدة، وكان احتمال قابل للتنفيذ، لكن طبعا فاتت هذه الفرصة، والان لن ينفع الندم. انا برايي علينا أن نستفيد من تجربة سوريا للقول ان ليس مهم أن تدعم النظام؛ المهم أن يكون النظام هو قوي.

ما تفضلتم به صحيح، لكن السؤال هنا هو: هل كانت إيران وحزب الله تمتلكان أصلًا القدرة على دعم النظام السوري على الصعيد الاقتصادي؟ نحن نعلم أنّ إيران نفسها تعاني من مشكلات اقتصادية كبيرة؛ فكيف يمكنها أن تقدّم دعمًا اقتصاديًا لنظام آخر؟ ثم هل كان النظام السوري، من الأساس، مستعدًا لتقبّل نصائح إن كان من إيران أو من حزب الله؟

أنا برايى كشفت الأحداث الاخيرة ان بناء النظام السوري كان يعاني من خلل سواء بالمجموعة التي تدير النظام أو بالعلاقة مع الصراعات داخل النظام. كان واضحا ايضا وجود صراعات حتى داخل فريق الرئيس بشار الاسد. موضوع الفساد، الاقتصاد ، كان عنصرا خطيرا جدا و تبين ان سوريا كانت تمتلك قدرات لكن كان هناك فساد فيها عدا عن العقوبات المفروضة عليها . لذلك مع هذا الخلل في النظام لا أعرف كم كان مدى قدرة الأخوة الايرانيين كونهم حليف أساسي مع الروس و مع حزب الله حتى يساهموا في اصلاح النظام، انا لا استطيع تقدير هذا، هم يعرفون اكثر. 

لكن ممكن كان لديهم هموم أخرى؛ كان هم حزب الله ان يحمي نفسه من التهديدات، ايران إيضا كان لديها همومها؛ لكن انا برايي الخلاصة عامة بمصداقية طبعا هذه خلاصة نظرية ان اي دعم لأي مشروع يجب أن ياخذ بالاعتبار الوضع الداخلي؛ اذا لم يكن هناك وضع داخلي متماسك و قوي مهما قدمت من دعم لن تستطيع المساعدة سواء كان منظمة أو حزب أو دولة. و اليوم التجربة مثلا في العراق. العراق اليوم دولة مهمة في المنطقة. اذا لم يتم بناء دولة قوية قائمة على الاصلاح و التنمية، هذه الدولة التي هي اليوم على علاقة استراتيجية مع ايران يمكن أن تنهار باي لحظة لاسباب داخلية.

سؤالٌ آخر يطرح نفسه هنا: لماذا وضعت إيران كلّ بيضها في سلّة بشار الأسد؟ ولماذا تحوّلت عمليًا، وأمام الرأي العام، إلى مدافعٍ عنه؟ ألم يكن بالإمكان أن تُعرِّف إيران وحزب الله مهمّتهما على أنّها الدفاع عن المراقد والمقدّسات الشيعية، من دون أن يُتَّهَما بالدفاع عن نظام بشار الأسد؟ ولا سيّما أنّ هذا النظام كان، في نهاية المطاف، موضعَ معارضة من شريحة من الشعب السوري، ومتهمًا بالفساد.

لايمكن الفصل بين مواجهة العدوان و التعاون مع النظام. الان لا أعلم لماذا خلال أربعين عام لم ينجح النظام ببناء بنية داخلية تحمي مشروعه . انا لا أمتلك كل المعطيات على ماقامت به ايران في سوريا على مدار أربعين سنة ، من أشكال الدعم، بناء قوة داخلية، قدرة على التاثير؛ و هذا يحتاج إلى التقييم. لكن انت لم تكن معنيا بوضعية النظام. في موضوع المزارات و موضوع حماية الشيعة برايي هذه كانت شعارات من أجل إيجاد بيئة مناسبة للدعم. لكن اهم ما كان في هذا الدعم هو وقوف النظام بجانب المقاومة.

لذلك المشكلة كانت انك تدعمه مع وجود خلل فيه ، هذا كان خلل استراتيجي ان خلال ١٤ سنة لم يستفد النظام من ما قدم له من دعم لاعادة ترتيب اوضاعه لكي يكون قويا و قادرا على الاستمرار. طبعا هو يخوض حرب كبرى اقتصادية سياسية إعلامية و نفسية و حتى طائفية نوعاً ما ؛ هذا كله بحاجة للمراجعة ولكن أين هو الخلل يجب ان يكون لديك معطيات كاملة.

وفيما يتعلّق بالحضور الروسي في سوريا، يبرز أيضًا سؤالٌ و إشكالٌ مفادهما: جرى استقدام روسيا على أمل أن تكون دواءً، و ربما تحوّلت، مع مرور الوقت، إلى بلاء. فهل يمكن القول إننا لم نكن قادرين على ضبط الدور الروسي أو التحكم به داخل سوريا، بل وربما كانت روسيا، في لحظة ما، قد وجّهت لنا طعنة من الخلف؟

روسيا كانت حليفا و كان لها دور، ولكن لديها حسابات، روسيا ليست جزء من محور المقاومة، روسيا دولة كبرى في المنطقة انت استفدت منها من أجل حماية النظام و دفعت ثمن ذلك . روسيا بالاخير لديها حسابات و مصالح ،هذه الحسابات و المصالح أين التقت و أين اختلفت مع مصالح محور المقاومة؟ لا اعرف بالضبط مدى صحة المعلومات عن أن روسيا هي التي اخيرا باعت النظام أو تخلت عنه، لكن بالاخير انت حتى روسيا لاتستطيع أن تحملها مشاكل النظام ، روسيا اخيرا دولة لديها حسابات خاصة بها، انا برايي الخلل كان ببنية النظام و ليس بتقديم الدعم.

أحد المواضيع الأخرى التي تُطرح في قراءتنا للماضي هو التغيير في النهج القتالي لمحور المقاومة؛ وذلك بمعنى أننا شهدنا في السابق أداء محور المقاومة كـ فصائل حرب العصابات وبأسلوب الحروب غير المنظمة، وكان هذا أحد أسباب نجاحات هذا المحور ولا سيما حزب الله. أما في السنوات الأخيرة، فقد رأينا أن هذا المحور قد اقترب أكثر -كما يبدو- من أسلوب الجيوش الكلاسيكية. برأيكم، ألم يوجه هذا الأمر ضربة لمحور المقاومة؟ ويحرمه من ميزته الرئيسية التي كانت تتمثل في حرب العصابات؟

انا بتقديري في لبنان كانت المقاومة تجمع بين دورها المقاوم و بين قدراتها الصاروخية والدليل على ذلك ما حصل في معركة اولي البأس ؛ المقاومة خاضت معركة قاسية جدا ضد الجيش الإسرائيلي و ان كانت خاضتها من موقع الدفاع و من مواقع دفاعية. و إيضاً هناك وجهة نظر تحدث عنها اللواء عباس ابراهيم ان ليس من مصلحة المقاومة أن تدافع بمعنى تمنع الجيش من التقدم، دورها كان توجيه ضربات للجيش و الانسحاب يعني هذا هو الدور الطبيعي للمقاومة. 

ولكن بفترة من الفترات طبعا كَبُر حجم حزب الله. لكن كان هناك خللٌ له علاقة بالجانب الأمني، لان الدور العسكري لقوى المقاومة في المنطقة قد كَبُرَ، خصوصا دور حزب‌ الله. وفي إيران كان هناك تعاظم للقدرات العسكرية ، لكن يبدو كان هناك خلل في الوضع الأمني و هذا ما برز في لبنان وفي إيران. انا تقديري المشكل ليس بالتحول الى جيش كلاسيكي، انما الخلل هو بالموضوع الأمني و بالجانب التكنولوجي. يبدوا واضحا ان الإسرائيلي كان يتقدم عنا باشواط و نحن كان لدينا خرق في بعض النقاط و كان يتطور تكنولوجيا و نحن لم نكن قادرين على مجاراته.

نعلم أنّ جبهتنا لا تقوم على الأشخاص، وأن فقدان الأفراد لا يوجّه ضربة إلى المسار العام. لكن، في التفاصيل والجزئيات، لا يمكن إنكار أنّ مثل هذه الخسائر تترك آثارًا معيّنة. برأيكم، هل يمكن اعتبار فقدان قيادات متمرّسة، مثل عماد مغنية، أحد العوامل التي ربما ساهمت في هذه الخسائر الأمنية والعسكرية؟

واضح ان الخلل الأمني هو خلل متراكم . ممكن بدأ باغتيال الحاج عماد مغنية الذي كان يشكل عقلية أمنية مميزة ولكن استمر بعدة انواع، الواضح ان خلال مرحلة ما بعد اغتيال الحاج عماد لم تستطع قوى المقاومة أن تمتلك قدرات امنية غير تقليدية كما كانت بمراحل سابقة، إضافة لتطور النظام العالمي. فالنظام العالمي أصبح في اكثر قدرة على التحكم و على المراقبة بالموضوع المالي و الموضوع التكنولوجي و موضوع الاتصالات يعني لم تعد أنت قادر على التحرك بنفس الطريقة التي كنت قادر عليها وطبعا وصولا لاغتيال قاسم سليماني. اتت معركة سوريا لتنقلنا لمرحلة جديدة. 

انا بتقديري المشكلة الأمنية لم تكن مشكلة آنية، بل هي مشكلة متراكمة، بالاضافة إلى عنصر مهم وهو توسع محور المقاومة وانتشاره سهّل الخرق، هناك فرق في ان تكون قوة صغيرة قادرة على ضبط اداءها من أن تكون جيشاً منظماً، مما يجعل الخرق أسهلا، إضافة إلى تراجع الاحتياطات الأمنية خصوصا في المعركة الأخيرة، لذلك هذا الموضوع هو موضوع متكامل فهناك تطور تكنولوجي، تحكم عالمي زائد عن كل ما سبق، اغتيال عدد من القادة المميزين من بينهم الحاج عماد و الحاج قاسم سليماني، اضطرارك إلى خوض معارك مفتوحة في اليمن وفي العراق، كلها سهّلت هذا الخرق، طبعاً ان جانب التكنولوجيا هو جانب أخطر، العدو كان يخترق و يعمل و يبني شبكات. هذه المعطيات كلها بحاجة لتجميع لنصل الى الخلاصات.

وفي إطار العودة إلى الماضي، يبرز أيضًا أحد الانتقادات المتداولة، والمتعلّق بردّ فعل محور المقاومة، ولا سيّما الجمهورية الإسلامية و المقاومة على اغتيال شخصيات مثل الحاج قاسم سليماني، والمهندس فخري زاده، وحتى الحاج عماد. برأيكم، هل يمكن أن يكون غياب ردٍّ مناسب على هذه الاغتيالات أحد العوامل التي ربما شجّعت العدو على التمادي والانتقال إلى تنفيذ عمليات على مستوى أعلى؟

أنا اوافق ان خيار الردع الذي كانت تقوم به إيران أو يقوم به حزب الله ضد العدو الإسرائيلي على مدار ٢٠ سنة، والقدرة على توجيه ضربات أمنية كانت كبيرة و تراجَعَ هذا؛ و هذا طبعا قد يدفع العدو للمزيد من توجيه الضربات ، هذه احد الاشكاليات . طبعا يفترض هذا الموضوع عادتا اي عدو عندما لا تردعه يتمادى باعماله، لذلك هذا قد يكون احد الاسباب ؛ هذا مرتبط بالامكانيات و القدرات ، احيانا انت لا تمتلك القدرة للردع أو توجيه الضربات بسبب ظروف أمنية واقعية ولكن عدم الردع يساعد العدو على توجيه ضربات اكثر.

وبعد تناول الماضي والحاضر، حان الوقت للانتقال إلى الحديث عن «المستقبل». برأيكم، ما هي السيناريوهات المحتملة لمستقبل المنطقة بشكل عام، ولمستقبل محور المقاومة بشكل خاص؟

السيناريو الأول: ذهاب العدو الإسرائيلي بدعم أمريكي إلى المزيد من الحروب في المنطقة في لبنان أو ضد إيران أو ضد اليمن و استكمال ما بدأه، إضافة إلى استغلال ثغرات معينة. هذه الحروب اذا حصلت سنكون أمام تحديان؛ إما أن نستطيع أن نردع العدو و نجعله يقبل بشروطنا و نعود إلى ماقبل ٢٠٢٥، إما أن ينجح العدو بتوجيه المزيد من الضربات و هذا يعني تراجع محور المقاومة اكثر من قبل . هذا اول سناريو و هو سناريو الحرب الشاملة، مع مزيد من التصعيد و طبعاً تساؤلات حول سبل منعه، طبعا الاستعداد لهذا السيناريو مهم كلما كنت مستعدا اكثر كلما تعطل اهداف العدو اكثر.

السيناريو التاني: هو الوصول إلى تسوية، تسويات ليس بالضرورة تسويات كبرى ممكن تسويات جزئية، مثل اتفاقات جديدة ان كانت مع لبنان أو إيران، هذا لا يعني انتهاء المخاطر لكن تأجيل المخاطر بمعنى ان المشروع الإسرائيلي والأمريكي لايريد فقط القضاء على المقاومة، يريد الوصول إلى المرحلة ان لا تعود المقاومة مجددا، انت تذهب إلى التسوية من أجل الاستفادة من الوقت هذا قد يؤجل خيار التصعيد لكن لا يلغيه.

الخيار الثالث: هو إعادة تغيير أفق الصراع يعني بدل أن يبقى الصراع محصوراً بقوى و مجموعات معينة، تشكيل تحالفات جديدة و بدء خطوات جديدة منها استعادة سوريا و اشراك تركيا و طبعا مع السعي لجعل دول عربية شريكة في المشروع بشكل أو بأخر. هذا يعني بداية نهاية مشروع إسرائيل. انا برايي اليوم بعد كل ما حدث و كما كان يقول السيد حسن نصرالله ان مواجهة المشروع الإسرائيلي لا تتم بالضربة القاضية، انت بحاجة إلى مشروع جديد لكي لا تبقى وحيدا في المعركة. يجب أن تبحث عن آلية تفكير او عن آلية مواجهة هذا يحتاج إلى بعض الوقت. 

في المقابل طبعا الأمريكي و الإسرائيلي يحاول الاسراع في حسم المعركة لأنه يعتبر ان هذه المرحلة هي مرحلة مناسبة لهم للوصول إلى النتائج المطلوبة في المنطقة او الهيمنة على المنطقة أو لاسمح الله تقسيم المنطقة. فإذاً يجب أن يكون لدينا مشروع أخر يستطيع القتال او لديه القدرة على تحويل المعركة لمعركة تعني كل المنطقة و ليس فريق واحد، الان هل سيحصل هذا لا اعلم؟ هذا المشروع يجب العمل له لكن هذا يحتاج إلى خطاب جديد. انت لا تستطيع أن تدفع المنطقة إلى مشروع موحد وانت تتحدث بلغة مذهبية أو بلغة طائفية أو بلغة قومية عنصرية، يعني لاتستطيع ذلك و انت تريد إشراك تركية بمشروعك و انت تعتبر أن تركيا هي خطر عليك. أو أن العرب لا يمكن التحالف معهم أو ان تظل تعتبر أن ما يجري هو جزء من صراع تاريخي على الخلافة. انت بحاجة إلى خطاب جديد و الأهم أنا برأيي ان نصل الى خطاب إنساني لتحويل المعركة مع العدو الإسرائيلي الى معركة عالمية و ليست فقط معركة اقليمية.

ربما كانت سبعينيات القرن الماضي نموذجًا لتحوّل القضية الفلسطينية إلى قضية ذات بُعد إنساني عالمي، حيث انخرطت حركات مسلّحة من اليابان إلى أميركا اللاتينية في دعمها

في مراحل معينة اجل، كان هناك تعاطف عالمي مع القضية الفلسطينية لكنه تراجع.

إلى حدٍّ كبير في التيارات اليسارية؟

كانت نزعات يسارية، القوة الثورية... لكنه تراجع. و أنا برأيي نحن بحاجة إلى استعادة هذا التعاطف.

/انتهى/