على صفيح ساخن...حرب وجود أم صراع مشاريع؟ ماذا تريد أميركا و"إسرائيل" من محور المقاومة اليوم؟

خاص تسنيم/ أمل شبيب

في خضم تحولات جيوسياسية كبرى، يبرز "محور المقاومة" كأحد أبرز اللاعبين الفاعلين في المنطقة ككل، ليشكل معادلة قوى معقدة في مواجهة الهيمنة الأمريكية والتفوق الإسرائيلي. اليوم، يقف هذا المحور، بقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في وجه هجوم عالمي متعدد الأوجه. فبعد حرب لا إنسانية على لبنان، واستهدافات متكررة للأراضي السورية، تشهد المنطقة حشوداً عسكرية أميركية غير مسبوقة تقابلها التهديدات الأميركية المستمرة المباشرة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وسط سباق دبلوماسي وعسكري محموم. يتزامن هذا التصعيد مع إصرار إسرائيلي على منع أي تسوية سياسية، ساعياً بدلاً من ذلك إلى دفع الإدارة الأميركية نحو توجيه ضربة عسكرية لطهران.

 

 محور المقاومة: التحالف الذي يرعب واشنطن وتل أبيب

تكمن أهمية محور المقاومة في كونه يشكل شبكة متكاملة من "وحدة الساحات". فهو لا يمثل تهديداً تقليدياً، بل يشكل معضلة استراتيجية للكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة على عدة مستويات:

1. الردع الاستراتيجي: ساهم المحور في خلق توازن ردع مع كيان الإحتلال الإسرائيلي. فوجود عشرات الآلاف من الصواريخ الدقيقة في لبنان، إلى جانب قدرات الصواريخ الباليستية الإيرانية واليمنية، جعلت كلفة أي حرب شاملة ضد إيران أو حلفائها باهظة للغاية، لذا فإن هذا الردع هو الذي حمى لبنان وفلسطين لعقود من عدوان إسرائيلي واسع النطاق.

2. الإسناد التكتيكي للمقاومة: يوفر المحور عمقاً استراتيجياً للفصائل الفلسطينية. فلم تعد المقاومة في غزة معزولة، بل أصبحت تتلقى دعماً بالخبرات والتكنولوجيا، وتجد سنداً في جبهات الإسناد من لبنان واليمن والعراق، وهو ما ظهر جلياً في عملية "طوفان الأقصى" وما تلاها من جبهات الإسناد سواء عبر الحدود في لبنان او عبر البحر  في اليمن وغيرها من الجبهات في العراق أيضاً.

3. توسيع دائرة الصراع: نجح المحور في نقل الصراع من حدود فلسطين إلى قلب العالم العربي، بل وإلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر، مما هدّد وما زال يهدّد المصالح الأميركية والإسرائيلية، ويجعل المجتمع الدولي بكامله معنيًا بتكاليف استمرار العدوان على غزة أو لبنان وما يتعرضان له من إنتهاكات يومية بعد إعلان وقف إطلاق النار في كل منهما.

 

استراتيجية الهجوم العالمي: لماذا يتعرض المحور لهذا الضغط الآن؟

يتعرض محور المقاومة اليوم لأعنف هجوم منذ نشأته، وذلك لعدة أسباب مترابطة، أبرزها الرغبة الإسرائيلية-الأميركية في "تغيير قواعد اللعبة" وفرض واقع إقليمي جديد.

  • ما بعد "طوفان الأقصى"

شكلت عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023 زلزالاً استراتيجياً هزّ أركان المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. كانت الضربة قاسية لدرجة أن "إسرائيل" ككيان أدركت أن استعادة "قوة الردع" التي فقدتها تتطلب توجيه ضربة قاضية ليس فقط لحماس في غزة، بل لداعمتها إيران. كما يرى المحللون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ربط، منذ اللحظة الأولى، بين المقاومة الفلسطينية وإيران، سعياً لتوسيع رقعة الحرب لتشمل كل مكونات المحور، من لبنان إلى اليمن وصولاً إلى طهران نفسها، بدلاً من الاعتراف بأن العملية فلسطينية خالصة.

  • الحرب على لبنان: محاولة كسر "حزب الله"

جاءت الحرب على لبنان (والتي استمرت 66 يوماً ) ضمن هذه الاستراتيجية. فلم يكن الهدف فقط دفع حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني، بل توجيه ضربة قاسية لترسانته الصاروخية وقدراته النوعية، ذلك أن الكيان الإسرائيلي يعتبر أن حزب الله هو "جيش النخبة" في المحور، وإضعافه يمهد الطريق لمواجهة أسهل مع إيران. ومع ذلك، يرى الخبراء أن تنازل حزب الله عن المنطقة الحدودية كشرط لوقف غطلاق النار، لا يعني أن الحزب بات عاجزاً عن التعافي، خاصة أن حاضنته الشعبية لا تزال قوية، مما يعني أن المعادلة الأمنية في شمال فلسطين لا تزال هشة.

  •  الحصار والتهديد لإيران: الضغط الأقصى والدبلوماسية بالوكالة

يأتي التهديد الحالي لإيران في إطار استراتيجية "الضغط الأقصى" التي يعيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تفعيلها، ولكن بأدوات أكثر حدة. فبعد انسحابه من الاتفاق النووي سابقاً، يبدو أنه يسعى اليوم إلى تحقيق ما يسميه "اتفاق أفضل" يشمل البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، ولكن امام التمسّك الإيراني بحقه النووي والباليستي، فإن الجانب الأميركي في المقلب الآخر وحتى قبل القرار الى إجراء مفاوضات، يعمل على تحضير الخيار العسكري وذلك بضغط إسرائيلي لم يشهد له مثيل من قبل.

  • الحشد العسكري غير المسبوق: أعلنت الولايات المتحدة عن إرسال حاملة طائرات ثانية ("يو إس إس جيرالد آر فورد") إلى منطقة غرب آسيا لتنضم إلى "يو إس إس أبراهام لينكولن"، بالإضافة إلى قاذفات استراتيجية من طراز B-2 وطائرات هجومية. رغم إدعاء اميركا بأن هذا الحشد الذي يطوق إيران من البحر الأحمر والخليج الفارسي وبحر العرب يُقرأ في طهران على أنه "بروباغندا إعلامية".

 امام كل هذه التحشيدات يظهر الهدف المزدوج من  التصريحات الأميركية المتضاربة؛ فتارة يتحدث ترامب عن رغبته في اتفاق خلال شهر، بينما يصرح مسؤولون بأن الجيش الأميركي يستعد لعمليات قد تستمر لأسابيع. وبحسب المحللين العالميين فإن هذا المزيج من "السلم عبر القوة" يهدف إما إلى انتزاع تنازلات غير مسبوقة من إيران، أو لتبرير ضربة عسكرية وشيكة.

 

الدور الأميركي-الإسرائيلي: شراكة استراتيجية أم صراع مصالح؟

رغم كل تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلاّ أن الكثير من الأسئلة تطرح نفسها في هذه العلاقة الجدلية المعقدة بين كل من واشنطن وتل أبيب بشأن إيران والتي تظهر التصريحات بأن الطرفين ليسا على وفاق تام، بل تشهد تبايناً في الرؤى والتكتيكات، وهو ما ظهر من خلال الضغط الإسرائيلي على أميركا وزيارة نتنياهو للبيت الأبيض والملفات التي طرحها الأول.

الموقف الأميركي: الاتفاق أو المواجهة

الإدارة الأميركية الحالية، وإن كانت تستخدم لغة التهديد، تبدو أكثر ميلاً لتجربة خيار التفاوض أولاً. يعقد الأميركيون جولات مفاوضات غير مباشرة مع الإيرانيين (في عُمان وجنيف). يعتقد ترامب أن الضغط العسكري والاقتصادي قد يجبر الإيرانيين على العودة إلى طاولة المفاوضات بجدية. هدف واشنطن المعلن هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكن خيار "تغيير النظام" يبقى مطروحاً بقوة على الطاولة.

الموقف الإسرائيلي: العرقلة والدفع نحو الحرب

هنا يكمن جوهر الأزمة. إسرائيل، بقيادة نتنياهو، لا تثق في أي اتفاق مع إيران. نتنياهو الذي بنى حياته السياسية على التصدي للخطر النووي الإيراني، يعتبر أي تفاهم أميركي-إيراني بمثابة فشل له. لذلك، يسعى بكل قوة إلى منع الوصول إلى اتفاق، ويضغط لتحقيق ضربة أميركية عسكرية على إيران.

الرؤية الإسرائيلية: تريد إسرائيل اتفاقاً "يشمل العناصر البالغة الأهمية"، أي تفكيك البرنامج النووي بالكامل، ووقف تطوير الصواريخ الباليستية، وإنهاء الوجود الإيراني في سوريا ولبنان. وهو ما يعادل استسلاماً كاملاً من طهران، وبالتالي هو بمثابة شروط تعجيزية تهدف لإفشال أي مسار دبلوماسي.

الضغط الإسرائيلي: خلال زيارة نتنياهو الأخيرة لواشنطن، حاول إقناع ترامب بأن إيران غير جادة وتستغل الوقت فقط. وعرض على الرئيس الأميركي صوراً ومشاهد من الاحتفالات الإيرانية التي تظهر حرق الأعلام الأميركية والإسرائيلية، كمحاولة لاستفزازه ودفعه نحو خيار الحرب. كما تدرس القيادتان العسكريتان سيناريوهات مشتركة، تتراوح بين ضربة أميركية منفردة، أو ضربة إسرائيلية بدعم أميركي.

الانقسام التكتيكي: رغم الضغط، يبدو أن ترامب لم يقتنع بعد. فقد حذره مستشاروه من الظهور بمظهر من يدفع نحو الحرب، مؤكدين أن الرأي العام الأميركي لا يحبذ ذلك. لذلك، يصر الرئيس الأميركي على إعطاء فرصة كاملة للمفاوضات، مع إبقاء خيار الحرب كملاذ أخير .

 

 الموقف الأميركي: الاتفاق أو المواجهة

الإدارة الأميركية الحالية، وإن كانت تستخدم لغة التهديد، تبدو أكثر ميلاً لتجربة خيار التفاوض أولاً، حيث يعقد الأميركيون جولات مفاوضات غير مباشرة مع الإيرانيين، معتقدين أن الضغط العسكري والاقتصادي قد يجبر الإيرانيين على العودة إلى طاولة المفاوضات بجدية، وهدف واشنطن المعلن هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي. في المقابل، يكمن جوهر الأزمة في الموقف الإسرائيلي بقيادة نتنياهو الذي يرى أن أي تفاهم أميركي-إيراني هو فشل كبيرله، لذلك يسعى بكل قوة إلى منع الوصول إلى اتفاق ويضغط لتحقيق ضربة أميركية عسكرية على إيران. الرؤية الإسرائيلية تريد اتفاقاً "يشمل العناصر البالغة الأهمية" أي تفكيك البرنامج النووي بالكامل، ووقف تطوير الصواريخ الباليستية، وإنهاء الوجود الإيراني في سوريا ولبنان، وهي شروط تعجيزية تهدف لإفشال أي مسار دبلوماسي. وخلال زيارة نتنياهو الأخيرة لواشنطن، حاول إقناع ترامب بأن إيران غير جادة، كما تدرس القيادتان العسكريتان سيناريوهات مشتركة تتراوح بين ضربة أميركية منفردة أو ضربة إسرائيلية بدعم أميركي. ورغم هذا الضغط، يبدو أن ترامب لم يقتنع بعد، بعد تحذير مستشاريه من الظهور بمظهر من يدفع نحو الحرب مؤكدين أن الرأي العام الأميركي لا يحبذ ذلك، لذلك يصر الرئيس الأميركي على إعطاء فرصة كاملة للمفاوضات مع إبقاء خيار الحرب كملاذ أخير.

 

إيران وسيناريوهات المواجهة المحتملة

في خضم هذه الضغوط والمناورات، يبقى السؤال الأبرز: ماذا لو فشلت المساعي الدبلوماسية الحالية؟ هنا تبرز خبرة الإدارة الأميركية في لعبة "المراوغة الاستراتيجية"، فهي التي سبق لها وانسحبت من الاتفاق النووي في 2018 وهي التي تعود اليوم لتحاول أن تفرض شروطها من موقع قوة، لكنها في الوقت نفسه تترك الباب موارباً للحرب كخيار أخير. فإذا فشلت الجولة الحالية من المفاوضات، فإن المنطقة ستكون على موعد مع توتر خطير، حيث تلوح في الأفق ثلاثة سيناريوهات رئيسية: الأول يتمثل في ضربة عسكرية محدودة قد تشنها الولايات المتحدة أو الكيان الإسرائيلي عبر غارات جوية مركزة تستهدف المنشآت النووية الإيرانية، لكن خبراء يحذرون من أن تكرار مثل هذه الهجمات قد لا يحقق أهدافه الحاسمة، بل سيفتح الباب أمام خسائر كبيرة وردود فعل انتقامية واسعة النطاق.

 أما السيناريو الثاني فهو التصعيد الإقليمي الشامل، ففي حال تعرضت إيران لضربة قوية، فإن ردها لن يبقى محصوراً داخل حدودها، بل سيتحرك حلفاءها في لبنان والعراق واليمن لإستهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية بشكل مكثف، مما قد يؤدي إلى حرب إقليمية مفتوحة لا يمكن السيطرة على تداعياتها.

أما السيناريو الثالث والأكثر ترجيحاً في ظل التردد الأميركي، فهو استمرار "الحرب بين الحروب"، حيث قد يلجأ الكيان الإسرائيلي إلى تكثيف عملياته السرية والعلنية داخل إيران عبر اغتيال العلماء وتخريب المنشآت الحساسة، بهدف عرقلة البرنامج النووي دون الدخول في حرب شاملة، مع الاستمرار في الوقت نفسه بالضغط على الجبهات الثانوية لإبقاء طهران في حالة استنزاف دائم.

لكن يبقى الثابت الأكيد في كل هذه السيناريوهات هو أن إيران، التي بنت عقيدتها الدفاعية على مدى عقود من المواجهة، تؤكد مراراً وتكراراً أنها مستعدة لأي سيناريو عسكري، فقادتها يعلنون أن "الخيارات كلها مفتوحة"، وجيشهم وحرسهم الثوري يجري مناورات مستمرة ويختبر صواريخ باليستية جديدة قادرة على الوصول إلى عمق القواعد الأميركية في المنطقة وداخل الكيان الغاصب، ليرسلوا رسالة واضحة مفادها: "إذا أردتم الحرب فنحن أهلها، وإذا أردتم السلام فالميدان وحده من يفرض معادلاته".

 

إيران قوة صامدة في وجه الغطرسة الأميركية

في معادلة الصراع مع الهيمنة الأميركية، تبرز الجمهورية الإسلامية الإيرانية كحالة فريدة من نوعها؛ فهي لم تكتفِ بمجرد الرفض السياسي للسياسة الأميركية في المنطقة، بل أسست لنموذج صمود استراتيجي قائم على مبدأ "المقاومة الشاملة". منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، اختارت إيران طريقاً مغايراً لبقية دول المنطقة، حيث جعلت من شعار "لا شرقية ولا غربية" دستوراً لسياساتها، متحملةً تبعات هذا الخيار من حروب مختلفة، وعقوبات اقتصادية قاسية، وتهديدات عسكرية مستمرة. لكن اللافت أن كل هذه الضغوط، بدلاً من إضعافها، حوّلتها إلى دولة ذات قدرات محلية هائلة؛ ففي المجال العسكري، طوّرت ترسانة صاروخية تعد الأكبر في المنطقة، وبرنامجاً للطائرات المسيّرة فرض معادلات ردع جديدة، كما أن برنامجها النووي أصبح ورقة ضغط استراتيجية لا يمكن تجاهلها.

ما يجعل إيران "قوة" بالمعنى الجيوسياسي ليس فقط قدراتها العسكرية، بل إرادتها السياسية التي فشلت واشنطن في كسرها عبر عقود من "سياسة الضغط الأقصى". ففي الوقت الذي تستسلم فيه أنظمة أخرى للإنذار الأميركي، تثبت طهران أن لغة القوة هي وحدها التي يفهمها صناع القرار في البنتاغون. حضورها الميداني في سوريا والعراق واليمن، وإسنادها المباشر للمقاومة في فلسطين ولبنان، يجعل منها لاعباً محورياً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية. إنها تدرك أن "الغطرسة الأميركية" لا تُردع بالتنازلات، بل ببناء القوة الذاتية وتحويل التهديدات إلى فرص، لتظل شوكة في حلق المشروع الصهيو-أميركي، حاملةً راية التحدي في وجه نظام عالمي تسعى واشنطن لفرض إرادتها عليه.

 

مستقبل المنطقة على مفترق طرق

تقف المنطقة اليوم على أعتاب منعطف تاريخي، فإستهداف محور المقاومة، وفي مقدمته إيران، ليس مجرد حلقة أخرى في صراع طويل، بل هو محاولة جادة لإعادة تشكيل بنية النظام الإقليمي بما يخدم الأمن الإسرائيلي والهيمنة الأميركية، هذا في الوقت الذي يسعى فيه كيان الإحتلال الإسرائيلي جاهداً لجرّ الولايات المتحدة إلى حرب مدمرة تستأصل شأفة هذا المحور، لكن الإدارة الأميركية تبدو أكثر تردداً.

الأيام المقبلة، وما ستسفر عنه جولات المفاوضات أو نذر الحرب، سترسم ملامح المنطقة لعقود قادمة. فإما أن تنجح الدبلوماسية في فرض تسوية تقبل بها جميع الأطراف، أو تنزلق المنطقة إلى حرب شاملة لا يعرف أحد كيف ستنتهي ولا أين ستتوقف.

/إنتهى/