اعتراف مراكز الأبحاث الغربية: إيران نموذج فريد من الصمود في وجه العقوبات
- الأخبار ایران
- 2026/02/09 - 00:08
وكالة تسنيم الدولية للأنباء:
نادراً ما شهد تاريخ الاقتصاد السياسي العالمي خلال القرن الماضي أن تتعرض دولة لأشد وأكثر الأنظمة العقابية (Sanctions Regime) تعقيداً وذكاءً وتظل صامدة. لقد حسب استراتيجيو "الضغط الأقصى" في واشنطن على الورق، من خلال تصميم عقوبات ثانوية وإغلاق سويفت وتجميد أصول البنك المركزي وتصدير النفط إلى الصفر، أن الاقتصاد الإيراني سينهار بالكامل (Total Collapse) في غضون 6 أشهر إلى سنة على الأكثر. كانوا ينتظرون المجاعة، وتوقف المحطات الكهربائية بالكامل، وشل نظام النقل.
لكن اليوم، بعد مرور عدة سنوات على بدء تلك الحرب الاقتصادية الشاملة، وإن تقلصت ميزانية المعيشة للناس وطالت التضخم، فإن "هيكل الاقتصاد الرئيسي" لم ينهار فحسب، بل تجدد وتحصّن في العديد من القطاعات. يستند التقرير الحالي إلى بيانات المؤسسات الدولية واعترافات وسائل الإعلام الغربية لدراسة ظاهرة "الصمود المذهل" (Resilience) للاقتصاد الإيراني.
1) اعتراف عالمي بحقيقة لا يمكن إنكارها
في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الغربية، لم يعد الحديث عن "تغيير النظام عبر الضغط الاقتصادي" ذا قيمة، الآن السؤال الرئيسي للمحللين الغربيين هو: "كيف صمدت إيران؟"
1. الفايننشال تايمز و"الاقتصاد الإيراني القابل للتكيف": أشارت صحيفة الفايننشال تايمز (Financial Times) في سلسلة تقارير نشرتها خلال عامي 2023 و2024 مراراً وتكراراً إلى أن الاقتصاد الإيراني تجاوز الصدمة الأولية.
يكتب هذا الإعلام البريطاني: "لقد تعلم التجار والمنتجون الإيرانيون كيفية العيش دون الغرب. لقد غيروا سلاسل توريدهم، واتجهوا نحو الإنتاج المحلي، ووجدوا أسواقًا جديدة. الاقتصاد الإيراني الآن في وضع يمكن وصفه بـ"التوازن تحت العقوبات". النمو الذي يُلاحظ في القطاعات غير النفطية يظهر أن الضغط الأقصى لم يتمكن من إيقاف القلب النابض للإنتاج الإيراني."
2. فورين أفيرز: فشل الاستراتيجية الأمريكية: تعترف المجلة المرموقة "فورين أفيرز" (Foreign Affairs) في مقال تحليلي بدراسة المؤشرات الاقتصادية الكلية لإيران، بأن العقوبات تمكنت فقط من إبطاء النمو، لكنها لم تستطع تدمير الاقتصاد.
ويؤكد كُتّاب المجلة أن صانعي السياسة الأمريكية استهانوا بـ"تنوع وعمق الاقتصاد الإيراني". فإيران، على عكس العراق في عهد صدام أو فنزويلا، ليست اقتصاداً أحادي المنتج، بل تمتلك بنية تحتية صناعية وزراعية ضخمة.
3. البنك الدولي: العودة إلى النمو الإيجابي: تُظهر بيانات البنك الدولي (World Bank)، التي تُنشر عادةً بشدة وتحفظ بشأن إيران، أن الاقتصاد الإيراني تمكن من تحقيق نمو اقتصادي إيجابي (GDP Growth) بشكل متتالي خلال السنوات الثلاث الماضية.
على الرغم من تقلب هذا النمو بين 3 إلى 5 بالمئة، إلا أن مجرد كونه ليس رقمًا "سلبيًا" يشكل خطاً على نظرية الانهيار. يؤكد البنك الدولي في تقريره "الآفاق الاقتصادية" أن قطاعي الخدمات والصناعات في إيران تمكنوا من التعافي بعد صدمة كورونا والعقوبات.
2) تشريح الصمود؛ لماذا لم تصبح إيران مثل فنزويلا؟
تشير مقارنة إيران مع دول مثل فنزويلا التي انحنت تحت ضغط العقوبات إلى الاختلافات الهيكلية في الاقتصاد الإيراني. يذكر الخبراء الدوليون 4 أسباب رئيسية لهذه المقاومة الفريدة:
أ) التنوع الاقتصادي (Diversification) والهروب من لعنة النفط: كان أكبر نجاح إجباري للعقوبات على إيران هو تقليل اعتماد الميزانية على النفط. قبل العقوبات، شكل النفط الخام الجزء الأكبر من الإيرادات النقدية. لكن اليوم، تمثل الصادرات غير النفطية لإيران (بتروكيماويات، فولاذ، مواد غذائية، مواد بناء) حصة كبيرة من إيرادات النقد الأجنبي.
صناعة البتروكيماويات: كخط أمامي لكسب النقد الأجنبي، أثبتت صناعة البتروكيماويات الإيرانية، من خلال تنويع منتجاتها وأسواقها التصديرية، عملياً عدم قابلية فرض عقوبات عليها.
صناعة الفولاذ: وفقاً لإحصاءات "الرابطة العالمية للصلب" (World Steel Association)، لا تزال إيران من بين أكبر 10 منتجين للصلب في العالم، ولم تستطع العقوبات إيقاف محرك هذه الصناعة.
من الجدير بالذكر أن الصادرات غير النفطية الإيرانية على مر سنوات العقوبات، وإن واجهت تحديات، إلا أن مسارها لم يتوقف أبداً، على سبيل المثال في عام 1403 وحده (2024-2025)، تمكنت إيران من تحقيق صادرات غير نفطية بقيمة تقارب 60 مليار دولار، وهو رقم غير مسبوق في الصادرات غير النفطية.
هذه الإيرادات النقدية شكلت إحدى ركائز الاقتصاد الإيراني في السنوات الأخيرة، ومن ناحية أخرى، وبسبب طبيعة هذا النوع من الصادرات التي يقول الخبراء إنها ليست قابلة للعقوبات بسهولة، فقد جعلت عملياً الضغوط الدولية للحد من صادرات إيران النفطية بلا تأثير وباطلة.
ب) استبدال الواردات وإحياء الإنتاج الوطني: أدت زيادة سعر الصرف والقيود على الواردات إلى جعل استيراد العديد من السلع، التي كانت تُؤمّن سابقاً من الخارج، غير مربح أو محظوراً. خلق هذا "السياج الجمركي والعقابي" فرصة ذهبية للمنتجين المحليين. تُظهر التقارير الميدانية في صناعات الأجهزة المنزلية والملابس وتصنيع القطع أن حصة السوق للعلامات التجارية الإيرانية زادت بشكل كبير.
يكتب مركز الأبحاث "مجلس الأطلنطي" (Atlantic Council) حول هذا الموضوع: "الإيرانيون خبراء في تحويل التهديد إلى فرصة؛ المصانع التي كانت مغلقة ذات يوم، تعمل الآن لملء الفراغ الذي تركته العلامات التجارية الأجنبية."
ج) الشبكة الذكية لتجنب العقوبات من قبل إيران: من خلال إنشاء شبكة معقدة من الصرافين والشركات الواجهية وأسطول النقل البحري (الذي يسميه الغرب أسطول الأشباح أو Ghost Fleet)، تمكنت من كسر الحصار البحري والمصرفي.
كتبت بلومبرغ (Bloomberg) في تقرير معبرة عن الدهشة: "وصلت صادرات النفط الإيراني إلى الصين إلى أعلى مستوى في السنوات الأخيرة، ولم يتمكن النظام المالي الأمريكي من وقف تدفق الأموال نحو طهران."
د) دبلوماسية الجوار والنظر نحو الشرق: أدى التحول الاستراتيجي لإيران من الغرب نحو الشرق والجيران إلى ضخ أكسجين جديد في الاقتصاد. فانضمامها إلى منظمة شانغهاي للتعاون ومجموعة بريكس (BRICS)، وزيادة التجارة مع العراق وتركيا وروسيا ودول آسيا الوسطى، فتحت أسواقاً جديدة للسلع الإيرانية، مما جعل عملياً عقوبات الغرب "قليلة التأثير"، لأن الغرب لم يعد اللاعب الوحيد في الاقتصاد العالمي.
3) وضع الديون الخارجية؛ الورقة الرابحة الخفية لإيران
أحد المؤشرات التي حيّرت الاقتصاديين الغربيين هو نسبة "الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي" (External Debt to GDP). في حين أن العديد من دول المنطقة وحتى الدول المتقدمة تواجه أزمة ديون خارجية، فإن إيران، بسبب عدم وصولها إلى الأسواق المالية الدولية والانضباط المالي الإجباري، لديها واحدة من أقل نسب الديون الخارجية في العالم.
يؤكد صندوق النقد الدولي (IMF) في قاعدته البياناتية أن الدين الخارجي لإيران "قريب من الصفر" (على المقياس الكلي)، وهذا يعني أنه على عكس الدول التي تفلس بصدمة نقدية – لأن عليها سداد أقساط قروض بالدولار – فإن الاقتصاد الإيراني غير معرض للخطر من هذه الناحية. هذا "الاستقلال المالي" هو أحد أركان الصمود الذي نادراً ما يتم التطرق إليه.
4) حقائق مرّة إلى جانب الإنجازات الكبيرة
تتطلب الرسالة الإخبارية، إلى جانب ذكر نقاط القوة، الإشارة إلى تكاليف هذه الحرب. أكدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة بشأن العقوبات (آلينا دوهان) في تقريرها أن العقوبات الأمريكية شكلت انتهاكاً لحقوق الإنسان ومارست ضغطاً مباشراً على المرضى والفئات الضعيفة. الاقتصاد الإيراني وإن لم "ينهار"، لكنه "تقلص". التضخم المزمن الذي تجاوز 40٪ في السنوات القليلة الماضية قلل من القوة الشرائية للطبقة الوسطى.
لكن النقطة الأساسية في هذا التقرير تكمن هنا، حيث إن هدف الغرب لم يكن "تقليص ميزانية معيشة الشعب"، بل كان "تفكيك نسيج الدولة". حقيقة أنه اليوم لا يزال التيار الكهربائي يسري في الشبكة، ورفوف المتاجر مليئة بالسلع، ويعمل النظام المصرفي، وتُفتتح المشاريع التنموية، تعني أن "الهيكل" قد حُفظ. المشاكل المعيشية ناتجة عن العقوبات وبعض سوء الإدارة، لكن وجود وبقاء النظام الاقتصادي هو انتصار استراتيجي.
نهاية عصر سلاح العقوبات
تؤدي خلاصة التقارير الدولية والوقائع الميدانية إلى نتيجة واضحة مفادها أن الاقتصاد الإيراني تجاوز مرحلة "البقاء" ودخل مرحلة "التعافي". حمل صمود إيران رسالة مهمة للعالم، وهي أنه في القرن الحادي والعشرين، لم يعد من الممكن عزل دولة ذات خصائص جيوسياسية وقدرات مثل إيران.
كما حذر ريتشارد نيفيو (مهندس عقوبات إيران في إدارة أوباما) في كتابه "فن العقوبات": "إذا تمكنت الدولة المستهدفة من تحمل الألم وتكيفت مع الظروف، فإن العقوبات تفقد فعاليتها." يبدو أن هذا التوقع قد تحقق الآن، فإيران لم تُهزم فحسب، بل اكتشفت صيغة "المناعة" في الحرب الاقتصادية التي أصبحت الآن محل دراسة من قبل الدول الأخرى الخاضعة للعقوبات.
/انتهى/