"لجنة الميكانيزم"... فخ أمريكي وإسرائيلي أمام الحكومة اللبنانية

وكالة "تسنيم" الدولية للأنباء:

وبعد مرور أكثر من عام على وقف إطلاق النار بين لبنان وكيان الاحتلال الصهيوني، وتنفيذ بيروت بنود اتفاق وقف الأعمال العدائية، يواصل الكيان الصهيوني الذي احتل خلال الأشهر الماضية مناطق إستراتيجية في جنوب لبنان واستمر في غاراته الجوية على الأراضي اللبنانية وقتل المدنيين اللبنانيين، طرحَ مطالب جديدة الآن، جاعلاً قبول دخول لبنان في عملية تطبيع العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل شرطاً مسبقاً لاستمرار مشاركته في جلسات "لجنة الميكانيزم".

بينما كان وقف إطلاق النار وإنهاء الاشتباكات بين الجانبين في فترات المواجهات المباشرة السابقة بين لبنان وكيان الاحتلال يقتصران على الاتفاق حول وقف الأعمال العدائية والتفاصيل العسكرية، فقد قبلت الحكومة اللبنانية، في إطار الاتفاق الأخير، ولأول مرة خلال 43 عاماً الماضية، إضافة اسم مدني لبناني إلى فريق المفاوضين اللبناني مع كيان الاحتلال، إلى جانب قادة الجيش والمسؤولين العسكريين الكبار في البلاد، بناءً على إصرار الجانبين الأمريكي والصهيوني، وذلك للإشراف على عملية تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.

وجاءت إضافة اسم "سيمون كرم"، السفير اللبناني السابق في واشنطن، إلى الوفد اللبناني بهدف تعزيز عملية التشاور حول تنفيذ بنود وقف إطلاق النار بدقة، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، وبدء انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، ولكن يبدو الآن أن الأهداف الخفية للولايات المتحدة وكيان الاحتلال الصهيوني من هذا الطلب تتكشف تدريجياً، وأن تل أبيب وواشنطن تنويان في الحقيقة تنفيذ إطار للتفاعل المباشر واليومي بين لبنان وإسرائيل من خلال إنشاء قناة اتصال مدنية مباشرة.

وفي هذا السياق، ادعت بعض المصادر الإعلامية اللبنانية، في إشارة إلى جولة جديدة من المطامع الصهيونية في ملف وقف إطلاق النار بين الطرفين، أن كيان الاحتلال، في ذريعة واضحة، أوقف استمرار عقد جلسات اللجنة المسماة "الميكانيزم" – التي تشرف على عملية تنفيذ وقف إطلاق النار بين لبنان وكيان الاحتلال.

ولم تكتف واشنطن وكيان الاحتلال بذلك، بل تحاولان باستخدام أساليب مختلفة منع فرنسا من المشاركة في عملية الحوار وجلسات "لجنة الميكانيزم"، لأن إسرائيل أعلنت أنها ستواصل عملية المفاوضات مع الجانب اللبناني فقط تحت الإشراف والوساطة الحصرية للحكومة الأمريكية، وتعترض على أي مشاركة لباريس في هذه العملية.

وتم إبلاغ الجانب الفرنسي بمقاطعة فرنسا من مسار هذه المفاوضات خلال زيارة المبعوث الخاص الفرنسي "جان إيف لودريان" إلى بيروت الأسبوع الماضي. وقال مسؤولون في الحكومة اللبنانية للودريان، لكي لا يتتبع المسؤولون الفرنسيون موعد عقد جلسات لجنة الميكانيزم ومشاركتهم في هذه العملية فيما بعد، إن جميع جلسات لجنة الميكانيزم قد أوقفت حتى لا يتابع الأمر أكثر.

جان إيف لودريان، المبعوث الخاص الفرنسي لشؤون لبنان، إلى جانب نبيه بري، رئيس البرلمان اللبناني

ومع ذلك، لا تنتهي سقف مطامع تل أبيب عند هذا الحد، لأن الإسرائيليين الذين يعتقدون أن الجانب اللبناني في وضع سيء للغاية، يبدو أنهم على وشك طرح مطالب جديدة من مسؤولي حكومة نوفال سلام والجيش اللبناني.

وجاء في بعض الرسائل المرسلة إلى المسؤولين اللبنانيين المعنيين أن إسرائيل جعلت العودة إلى جلسات لجنة الميكانيزم مشروطة بمنح المزيد من التنازلات من الجانب اللبناني. عبرت حكومة نتنياهو في رسائلها المرسلة بواسطة وسيط إلى الحكومة اللبنانية عن أن إسرائيل أخرجت أي طرح للمناقشة والتفاوض حول موضوعات مثل وقف إطلاق النار، انسحاب الجيش الإسرائيلي من النقاط المحتلة في جنوب لبنان بعد الحرب الأخيرة، ملف الأسرى اللبنانيين، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية من صلاحيات هذه اللجنة، وهي مستعدة فقط للتفاوض مع الجانب اللبناني حول التعاون الاقتصادي القائم على رؤية شاملة لإحلال السلام والتسوية في منطقة غرب آسيا.

في الحقيقة، يبدو أن حكومة بنيامين نتنياهو وبعض مسؤولي كيان الاحتلال الصهيوني يطالبون بفصل مسار استمرار عمل لجنة الميكانيزم والمفاوضات مع الحكومة اللبنان من جهة، والمواجهة مع حزب الله من جهة أخرى. وبناءً على ذلك، تطالب إسرائيل بأن تتحول أنشطة لجنة الميكانيزم إلى مجرد خطوة فعالة في مسار تطبيع علاقات هذا الكيان مع بيروت، ويتجنب أي نقاش أو جدال حول الموضوعات العسكرية والأمنية فيها.

ويرى بعض المراقبين أن توسيع نطاق الاعتداءات والعدوان الأخير للجيش الصهيوني على مناطق شمال نهر الليطاني في جنوب لبنان يهدف أيضاً إلى تحقيق هدف واحد فقط: نزع سلاح حزب الله في المنطقة الواقعة بين نهري الليطاني والأولي، على غرار العملية التي كانت تُتابع سابقاً جنوب نهر الليطاني.

وفي هذه الأثناء، إذا امتنع الجيش اللبناني عن متابعة سياسة نزع سلاح حزب الله شمال نهر الليطاني على غرار العملية القائمة جنوب هذا النهر، فسيتدخل الجيش الإسرائيلي مباشرة في هذا الملف، وسيضع الجانب اللبناني تحت المزيد من الضغط بتكرار اعتداءات وجرائم مماثلة لما ارتكبه في لبنان، لمتابعة تنفيذ سياسة نزع سلاح لبنان بنفسه.

في حين أعلنت صحيفة "الأخبار" اللبنانية أن "جوزيف عون"، الرئيس، و"رودولف هيكل"، قائد الجيش اللبناني المقرر أن يسافر إلى واشنطن الشهر المقبل، أكدا التزام الحكومة والجيش اللبناني بالمضي قدماً في نزع سلاح حزب الله شمال نهر الليطاني. ومع ذلك، ادعت الصحيفة الصهيونية "معاريف" أمس في خبر أن حزب الله أوقف أي تعاون عملياتي له مع الجيش اللبناني حتى جنوب نهر الليطاني. وأضافت الصحيفة أن المسؤولين في حزب الله اللبنان أوقفوا تعاونهم مع الجيش اللبناني رداً على الاعتداءات الأخيرة للجيش الإسرائيلي على لبنان. في الحقيقة، يبدو أن حزب الله، بتغيير نمط تعاونه الميداني بعد الاعتداءات العدوانية للجيش الإسرائيلي، منع حتى وصول جيش بلاده إلى بعض المناطق جنوب نهر الليطاني.

في المقابل، أرسلت حكومة دونالد ترامب إشارات تحذيرية إلى مسؤولي الحكومة اللبنانية، وأعلنت أن هناك احتمالاً بأنها قد توافق على طلب نتنياهو للحصول على الضوء الأخضر الأمريكي لمزيد من الحرية في التصرف لتكرار اعتداءات الجيش الإسرائيلي على شمال نهر الليطاني، في حال عدم تحقيق مطالب تل أبيب في عملية نزع سلاح حزب الله. وفي الوقت نفسه، ذكّرت حكومة ترامب الجانب اللبناني بأن استمرار عملية منح المساعدات العسكرية والمالية للجيش اللبناني مشروط بتنفيذ الجدول الزمني والعملياتي لنزع سلاح حزب الله بدقة ودون تأخير من قبل الجيش اللبناني.

**والآن، مع كشف تفاصيل المطامع الجديدة للكيان الصهيوني من المسؤولين اللبنانيين، وإضافة اسم مدني إلى الوفد التفاوضي اللبناني في لجنة الميكانيزم، عادت الانتقادات مجدداً إلى رجال الدولة وفريق التفاوض اللبناني الذين، دون الحصول على الضمانات اللازمة من الجانب الصهيوني، لم يفشلوا فقط خلال العام الماضي في تحقيق مطالب الشعب والمقاومة اللبنانية بما في ذلك ملف وقف اعتداءات إسرائيل على مناطق مختلفة في لبنان، والانسحاب من المناطق المحتلة في الجنوب، وتحديد مصير الأسرى اللبنانيين في سجون إسرائيل، بل أيضاً، بتعيين شخصية أمريكية-صهيونية في تشكيلة الوفد التفاوضي اللبناني والذي يملك سابقة تمثيل بلاده سفيراً في واشنطن في سجله الدبلوماسي، أصبح عليهم الآن أن يستقبلوا طلب واشنطن وتل أبيب الجديد لفتح الطريق أمام مفاوضات التعاون الاقتصادي اللبناني-الإسرائيلي كخطوة أولى في عملية تطبيع العلاقات بين الطرفين.

/انتهى/