وثائقي «مثل لا أحد»… مخطط اغتيال الشهيد سليماني وقرار الحاج قاسم اللافت
- الأخبار ثقافة ، فن ومنوعات
- 2026/01/16 - 10:43
وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن الوثائقي «مثل لا أحد»، من إخراج وإنتاج محمد علي فارسي، كان من بين الأعمال المشاركة في الدورة التاسعة عشرة من مهرجان «سينما الحقيقة»، حيث عُرض ضمن فئة الأفلام المتوسطة الطول.
ويتناول الفيلم قصة إرهابيَّين وضعا، بعد فترة طويلة من المتابعة، مخططاً لاغتيال الحاج قاسم سليماني، غير أنهما يُعتقلان في لحظة التنفيذ على يد قوات وزارة الأمن. ومع ذلك، ينتظرهما مصير مختلف عن الإعدام.
وفي حديثه مع «تسنيم»، تطرق فارسي إلى تجربة صناعة هذا الوثائقي، وموضوعه المختلف، والطبقات الداخلية من شخصية الشهيد سليماني التي يعرضها الفيلم.
تسنيم: يبدو أن موضوع هذا الوثائقي يختلف جوهرياً عن سائر الأعمال التي تناولت الشهيد سليماني، لكونه يقدّم طبقة مختلفة من شخصيته. حدّثنا عن ذلك.
قال فارسي: «يشير هذا الوثائقي إلى جوانب من حياة الشهيد سليماني لم يُتطرق إليها كثيراً. للأسف، تُختزل أساطيرنا وأبطالنا الإيرانيون في ملصق أو في إقامة مراسم تأبينية فحسب؛ وكأننا نحب أن نقدّمهم بهذه الصورة السطحية، في حين أن هؤلاء يمتلكون عوالم داخلية عميقة، ولو اقتربنا من رؤيتهم للعالم وشخصياتهم، لاكتشفنا أبعاداً أخرى فيهم. كثير من أبطالنا لم يكونوا معروفين على نطاق واسع في حياتهم، ولذلك لم يكونوا محبوبين، لكنهم يصبحون كذلك بعد رحيلهم والتعريف بسيرتهم. وأرى أن الشهيد سليماني كان من هذا النوع».
وأضاف: «اللافت أنه إذا حاولت البحث في أسباب شعبية هؤلاء الأبطال وصناعة فيلم عنها، فإن جزءاً من المجتمع قد يرفض ذلك العمل. فالمشاهد الذي يتابع وثائقي “مثل لا أحد” يسأل نفسه باستمرار: لو كنت مكان الشهيد سليماني، ماذا كنت سأفعل؟ هل كنت سأتخذ قرار قاسم نفسه؟ الجواب غير واضح».
وتابع قائلاً: «ينبغي التأكيد على أن مثل هذه الوقائع في حياة الشهيد سليماني وفي مواجهته للإرهابيين لم تكن الأولى من نوعها؛ فقد خاض تجارب مشابهة مراراً في الحرب السورية، وفي أحداث جنوب شرقي البلاد، وغيرها. والسؤال المهم هو: من الذي استطاع احتواء ما جرى في جنوب شرقي البلاد في أواخر ستينيات وسبعينيات القرن الهجري الشمسي، حين كانت مجموعات من الخارجين على القانون ترتكب كل أنواع الجرائم هناك؟ إنه الشهيد سليماني؛ وبأي زاوية نظر؟ بالزاوية نفسها التي نراها في فيلم “مثل لا أحد”».
وأوضح فارسي أن الشهيد سليماني كان يقول لمسؤولي الأجهزة الاستخبارية في تلك القضية: «إذا أطلقتم سراح هؤلاء الإرهابيين، فهناك احتمال لإصلاحهم، كما أن كلفة النظام ستكون أقل. أما إذا سُجنوا، فإنهم سيتحولون في المستقبل إلى أشخاص أكثر خطورة؛ سيتعلمون من الآخرين داخل السجن، وسيفقدون خوفهم ويصبحون أكثر جرأة ووقاحة. كان الشهيد سليماني يقول: أنا أعرف بنية “داعش”، وإذا أُطلق سراحهم فلن تقبلهم هذه التنظيمات، لأنهم سيكونون أوراقاً محروقة. وعندها لن يكون أمامهم خيار سوى العودة إلى المجتمع».
– يبدو أن قرار الشهيد سليماني كان بالغ الصعوبة، وربما لا يستطيع الآخرون اتخاذ قرار مماثل بسهولة؟
أجاب فارسي: «نعم، أوافق على أن القرار كان صعباً، وربما لا يستطيع أحد آخر أن يتصرف بهذه الطريقة. ومن الطريف أن مسؤول حماية السلطة القضائية في المحافظة، عندما علم بما نقوم به، عارض بشدة مواصلة العمل. قلت له إننا لا نفعل شيئاً استثنائياً، بل ننقل صورة عن فعل قام به الشهيد سليماني. وكان رده بدوره لافتاً للتأمل. كثيرون ممن شاهدوا الفيلم قالوا إن ما فعله الشهيد سليماني كان شجاعاً للغاية، لكن لو كنا مكانه لما فعلنا ذلك ولكنا أعدمناهم. بل إن بعضهم قال: الحاج قاسم أخطأ!»
وقال: «في أحداث جنوب شرقي البلاد، لم يقف إلى جانب الحاج قاسم ويساعده على إنقاذ تلك المنطقة من حالة انعدام الأمن الخطيرة في رقعة جغرافية شاسعة ذات ملاجئ معقدة، سوى أولئك الأشخاص أنفسهم الذين كان الحاج قاسم قد عفا عنهم».
إذا نظرنا إلى القضية من منظور أشمل، سنكتشف أبعاداً أخرى في قرار الشهيد سليماني. دعوني أضرب مثالاً: في أحداث جنوب شرقي البلاد، لم يقف إلى جانب الحاج قاسم ويساعده على إنقاذ تلك المنطقة من حالة انعدام الأمن الواسعة في رقعة جغرافية شاسعة ذات ملاجئ معقدة، سوى أولئك الأشخاص أنفسهم الذين كان الحاج قاسم قد عفا عنهم. أعتقد أن تحقيق الأمن في جنوب شرقي البلاد لم يكن ممكناً عبر الحل العسكري، والطريق الوحيد كان هو ما اختاره الحاج قاسم: «العفو وتهيئة الظروف لحياة سليمة لهم». ومن اللافت أن أحد أولئك الخارجين على القانون، ويدعى عباس عيدي، أصبح اليوم من المخلصين للحاج قاسم، وقد جرى اختياره خلال العامين الماضيين مزارعاً نموذجياً.
كان كلام الحاج قاسم واحداً: «التطرف لا يجدي نفعاً». والوثائقي «مثل لا أحد» يكرر الفكرة ذاتها بأسلوب مختلف، ويقول: «التطرف لا ينجح؛ سواء في نطاق أسرة صغيرة أو على مستوى بلد بأكمله».
– هل لديكم أمثلة أخرى على سلوك مماثل لدى الشهيد سليماني؟
كان نهج الشهيد سليماني في سوريا على المنوال نفسه. فعلى سبيل المثال، عندما حاصرت القوات التابعة له مدينة حلب ووقعت الجماعات الإرهابية هناك في مأزق، طرح عليه المحيطون به خيارين: إما أن يقوم الروس بقصفهم بالكامل، أو الإبقاء على الحصار حتى يهلكوا جوعاً. وكانت ردة فعل الشهيد سليماني لافتة؛ إذ قال: «ثلثا الموجودين في هذه المنطقة هم نساء وأطفال الإرهابيين، ونحن لا نواجه المسلحين وحدهم. لم نأتِ لنرتكب مجزرة، افتحوا الطريق ليرحلوا». وتوجد صور توثق ذلك، وكان مرتضى شعباني حاضراً في المكان وشاهد الواقعة بعينه. ومن هنا، فإن مثل هذه القرارات كانت حاضرة دائماً في حياة الحاج قاسم. كان يقول: لا يمكننا أن نلجأ بسهولة إلى القتل الجماعي.
وكان شعاره الدائم: «التطرف لا يجدي». والوثائقي «مثل لا أحد» يكرر الرسالة نفسها: «التطرف لا ينفع؛ لا في إطار أسرة صغيرة ولا على مستوى دولة كاملة».
– هل كان قصد الشهيد سليماني مجرد الرحمة بهم؟
ربما كان ذلك جزءاً من الأمر، غير أن نظرة الحاج قاسم كانت أوسع من ذلك. كان يعرف بنية «داعش»، وكان يرى أنه إذا أُطلق سراح هؤلاء سريعاً، فإن التنظيم سيظن أنهم عناصر تابعة له حاولت التغلغل داخله، وبالتالي لن يقبلهم مجدداً. وبذلك تُغلق أمامهم طريق العودة إلى «داعش». ومن اللافت أن هذين الإرهابيين كانا يعتزمان اللجوء إلى «طالبان»، لكن الحركة رفضتهما أيضاً، فلم يبقَ أمامهما خيار سوى العودة إلى حياة طبيعية.
ومن جهة أخرى، كان الشهيد سليماني يعتقد أنه ما دام هؤلاء لم يرتكبوا جريمة قتل، فلا يمكن إعدامهم، وأن أقصى ما يمكن هو سجنهم. غير أن السجن، برأيه، سيجعلهم يتلقون مزيداً من التدريب ويتحولون إلى أشخاص أكثر خطورة. بعبارة أخرى، كان الشهيد سليماني يتمتع بنظرة استشرافية بعيدة المدى.
هذا الفيلم، من خلال التطرق إلى الطبقات الداخلية الأعمق في شخصية الشهيد سليماني، ينتقد التطرف والتشدد. فالتطرف لم ينجح يوماً، وكلما تعاملنا مع القضايا بعقلية متطرفة، تلقينا ضربات قاسية.
– برأيكم، ما الرسالة الأهم الكامنة في هذا الوثائقي؟
الفيلم، عبر الغوص في أعماق شخصية الشهيد سليماني، يوجّه نقداً للتطرف. فالتطرف لم يكن يوماً حلاً، وكلما نظرنا إلى الأمور بنزعة متشددة دفعنا ثمناً باهظاً. في المقابل، عندما نقارب القضايا بسعة صدر، نصل إلى نتائج أفضل. وربما يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: لو أن الإمام علي عليه السلام علم في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان بأن ابن ملجم ينوي اغتياله، هل كان سيصدر في صباح اليوم التالي حكماً بإعدام ابن ملجم؟ بالطبع أعترف بأن مثل هذه القرارات عميقة ومعقدة للغاية.
– نظراً لخصوصية موضوع الفيلم، يبدو أن إنتاجه والبحث المتعلق به استغرقا وقتاً طويلاً؛ أليس كذلك؟
كان إنتاج هذا الفيلم بالغ الصعوبة، واستغرق مسار البحث فيه وقتاً طويلاً. قرابة عامين ونحن منخرطون في إنجازه. ورغم ما لقيْناه من تعاون بعض الشخصيات، واجهنا مشكلات مع مؤسسات عدة، من بينها السلطة القضائية. حتى هؤلاء لم يكونوا مستعدين للظهور أمام الكاميرا، وبجهد كبير أقنعناهم بالحديث والدفاع عن أنفسهم. قلنا لهم: لسنا هنا لاستجوابكم! وخلال مراحل الإنتاج سافرت مراراً إلى كرمان.
/انتهى/