الملثّم بالكوفية الفلسطينية الذي حوّل الصوت إلى سلاح: أبو عبيدة.. مهندس وعي الأمة

خاص تسنيم/ أمل محمد شبيب

في قلب العاصفة، حيث تُختزل الحروب اليوم بصور الأبطال المكشوفي الوجوه وأسماء النجوم المتلألئة على الشاشات، اختار رجلٌ أن يتخفّى وراء قطعة قماش فلسطينية، الكوفية، برمزيتها وحضورها ومعناها.

 لم يكن هذا التخفّي خطأً إستراتيجياً، ولا عجزاً عن الظهور، بل كان خياراً ذكياً حوّل صوتاً واحدًا إلى ظاهرة غيرت قواعد اللعبة الإعلامية والنفسية في الصراع العربي - الإسرائيلي. إنه "أبو عبيدة"، الناطق العسكري باسم كتائب القسام، الذي تحوّل من مجرد مُعلن عن العمليات إلى مهندس رئيسي للوعي الجمعي.

من مخيم جباليا إلى واجهة العالم

هو حذيفة الكحلوت، الذي عُرف وأُشتهر  باسم "أبو عبيدة"، الفلسطيني المقاوم الذي حملّ القضية وسمع العالم صداها عبر صوته وحضوره، نشأ في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة، حيث يتنفس الطفل الفلسطيني حكاية النكبة مع أولى أنفاسه.

تلقى تعليمه في مدارس وكالة الأونروا، وتشكل وعيه في أروقة النشاط الطلابي الإسلامي. مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، انضم إلى حركة حماس، ليجد نفسه يسير في مسار يدمج بين العمل الميداني والإعلامي داخل جناحها العسكري، كتائب القسام.

بدأ ظهوره في مواد مرئية بين عامي 2002 و2003، معرّفاً عنه كـ"قائد في الكتائب". لكن نقطة التحول الحقيقية كانت عام 2004، عندما ظهر لأول مرة بشكل علني – مع بقاء وجهه ملثماً – خلال مؤتمر صحفي في معركة "أيام الغضب"، ليشرح مجريات القتال ويستعرض أدوات المقاومة. منذ تلك اللحظة، بات هو الصوت الرسمي، الناطق باسم آلة عسكرية معقدة، والجسر بين ساحة القتال وعالم المشاهدين.

 

المحطات التي صنعت الأسطورة

لا يمكن الحديث عن "أبو عبيدة" دون التوقف عند يونيو/حزيران 2006. في ذلك الظهور التاريخي، أعلن للعالم نجاح عملية "الوهم المتبدد" وأسر الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط". كان الإعلان أكثر من مجرد خبر عسكري، لقد كان رسالة نفسية مدوية، محوّلاً صورة المقاومة من رد الفعل إلى صانع الحدث الاستراتيجي. جاء الإعلان في توقيت بالغ الحساسية، ليرسم صورة جديدة في الذهنية العربية: مقاتلون ملثمون قادرون على إدارة عمليات معقدة ومساومة دولة نووية.

عبر الحروب المتعاقبة، من "الرصاص المصبوب" (2009) إلى "عامود السحاب" (2012) و"العصف المأكول" (2014)، تكرس دوره كراوي الملحمة. كان صوته هو الخيط الذي يربط المشاهد بالحدث داخل الأنفاق وعلى حدود القطاع. لم يعد مجرد ناطق، بل أصبح المؤرخ اللحظوي للمقاومة، والمرجع الأول في تفكيك الرواية الإسرائيلية.

 

طوفان الأقصى: الذروة الإعلامية

مع انطلاق معركة "طوفان الأقصى" في أكتوبر 2023، ارتقى أبو عبيدة من كونه صوت المقاومة إلى ظاهرة ثقافية وسياسية عابرة للحدود. في خضم الفوضى الإعلامية والتضليل الممنهج، قدم بياناته كمرساة للحقيقة. أسلوبه الهادئ الواثق، مع إعلانه أرقامًا دقيقة عن الخسائر الإسرائيلية – التي كانت تلاحقها مصادر العدو نفسه مؤكدة – بنى له مصداقية أسطورية.

تحولت بياناته المسجلة إلى حدث ينتظره الملايين، ليس في العالم العربي فحسب، بل بين متابعي الشأن الدولي. الصحف العالمية كانت تترجم تصريحاته، والمحللون العسكريون يفتحونها. لقد نجح، بقناعه وصوته، في اختراق الحصار الإعلامي المضروب على غزة، محوّلًا المعركة من صراع محلي إلى قضية رأي عام عالمي. كان خطابه مباشرًا، موجّهًا إلى قلوب العرب بعبارات مثل "أبناء أمتنا العربية والإسلامية"، وإلى عقول الغرب بلغة الوقائع والأرقام، وإلى جنود الاحتلال برسائل نفسية تذيب معنوياتهم.

سحر القناع: لغز الصوت المجهول

يكمن جزء كبير من قوة "أبو عبيدة" في ذلك الوجه المخفي. في عصر الهوس بالشهرة الفردية، قدم نموذجاً مغايراً: البطل المجهول. القناع لم يحمِ هويته فحسب، بل حمى فكرة المقاومة من التمركز حول شخص. جعل المستمع يركز على الرسالة لا على المرسل، على القضية لا على الوجه. هذا الغموض خلق هالة من القداسة والقوة، فالمجهول قد يكون أي شخص، وقد يكون كل الأشخاص. لقد حول نفسه إلى رمز يمكن للجميع التماهي معه، رمز التضحية المجردة من الأنا.

أما علمياً، يثير الغموض فضولًا أكبر ويحفز الخيال. فالمشاهد، بدلاً من أن ينشغل بتحليل ملامح الوجه، ينصت بتركيز أكبر إلى نبرة الصوت وفحوى الكلمات وبلاغة العبارات، لقد أصبح صوت "أبو عبيدة" نفسه هوية كاملة.

 

بلاغة الخطاب: تشريح سلاح الكلمة

لم يكن نجاح أبو عبيدة وليد الصدفة أو مجرد ثمرة لحظية، بل كان نتاج خطاب استثنائي مدروس بدقة عالية، يشبه في تكوينه تحفةً هندسية تجمع بين متانة البناء وجمالية الأداء. ففي عالمٍ تغمره الضوضاء والخطابات المفتعلة، برز صوته كمنارة واضحة، تعتمد على مقومات بلاغية ونفسية صقلتها التجربة وأكدتها المواجهة.

الصوت: كان السلاح الأول، جهوري دون صخب، واضح دون جفاف، وثابت دون جمود. لم يكن مجرد حنجرة تقدّم أخباراً، بل كان أداة إقناع تنقل الثقة من خلال طبقات النبرة المتدرجة، التي تمزج بين حزم القائد الذي يعلن النصر، ووقار المؤرخ الذي يسجل الوقائع، ورحمة الناطق الذي يترحم على الشهداء. هذه النبرة المتزنة حوّلت الخوف إلى طمأنينة، والترقب إلى يقين، حتى في أحلك ساعات الحصار والدمار.

اللغة لم تكن عادية أيضاً، لقد كان يتحدث بلغة عربية فصيحة واضحة، لكنها غير متقعّرة، لتكون قريبة من كل مسامع. كان يوظف مفردات تنتمي إلى العمقين الديني والتاريخي، كـ"الجهاد" و"الملاحم" و"الأبطال"، فتُثير المشترك الثقافي والعاطفي للأمة. وفي الوقت نفسه، لم يغرق في الخطاب التجريدي، بل كان يخاطب العقل بلغة واقعية ملموسة، يتحدث عن "الدبابات الميركافا" و"المدرعات" و"الإسقاطات الجوية" و"العبوات الناسفة"، ليثبت أن خطابه قائم على أرض صلبة من الحقائق العسكرية، وليس مجرد شعارات عاطفية.

أما هيكل الخطاب فكان يُشبه طقساً شعائرياً مريحاً ومتوقعاً، يُعيد الطمأنينة إلى النفوس في خضم الفوضى. كان يبدأ دائماً بالتحية والثناء على صمود الشعب الفلسطيني، معترفاً بأن الانتصار ثمرة تضحيات الجميع. ثم ينتقل إلى صلب الموضوع: سرد الحقائق الميدانية بأرقام محددة ودقيقة، مما يمنح المستمع إحساساً بالمصداقية المطلقة. بعد ذلك، يوجّه رسائله المُصمّمة بدقة: رسائل دعم وتثمين للجماهير العربية والإسلامية، ورسائل تهديد نفسي موجهة للعدو ولجنوده، ورسائل توضيحية للرأي العام العالمي بلغة العقل والمنطق. ويختم خطابه عادة بالدعاء والتكبير، ليربط النتيجة النهائية بالقوة الإلهية، معززاً الأمل حتى في أحلك الظروف. هذا الهيكل المتكرر لم يكن جموداً، بل كان ذكاء، لأنه صنع رابطة شرطية في اللاوعي الجمعي بين صوت "أبو عبيدة" وبين أنباء الصمود والانتصار.

والتوقيت كان عنصراً حاسماً في هذه المعادلة. لم يكن يظهر بشكل عشوائي، بل كان ظهوره محسوباً بدقة متناهية: إما في اللحظات الحاسمة التي تحتاج إلى توضيح الموقف، أو مباشرة بعد عمليات نوعية وكبيرة، ليرسخ في أذهان الجميع أن ظهوره كان يقترن دائماً بأخبار القوة والإنجاز. هذا الاقتران حوّل انتظار خطابه إلى انتظار للإنتصار ذاته، وجعل من صوته جرس أخبار يُعلن عن تحولات الميدان قبل أي مصدر آخر.

هذه المكونات معاً - الصوت، اللغة، الهيكل، والتوقيت - شكّلت نظاماً اتصالياً متكاملاً حوّل "أبو عبيدة" من ناطق عسكري إلى ظاهرة ثقافية وإعلامية نادرة.

 لقد أثبت أن الكلمة، حين تُصاغ بحكمة وتُلقى بحنكة، يمكن أن تكون أقوى من الرصاصة، وأن الصوت الواحد، إذا انطلق من قلب الحق ومنطق القوة، يمكن أن يهز عروش الإمبراطوريات الإعلامية ويُعيد تشكيل الوعي.

 

الاستهداف والوريث: استمرارية الرمز

أدرك الاحتلال الإسرائيلي مبكراً خطورة هذا السلاح الناعم، فحاول استهدافه مراراً، وتعرّض لمحاولات إغتيال عدة مرات بإعتراف إسرائيلي، حتى تاريخ آب/ أغسطس 2025، حين أعلنت قوات الإحتلال الإسرائيلي عن اغتياله،  ولكن المفارقة أن الاستهداف لم يقتل الفكرة. فبعد أشهر من الصمت، ظهر قناع جديد في ديسمبر 2025، معلناً استلام اللقب نفسه "أبو عبيدة"، وكاشفاً للمرة الأولى عن الاسم الحقيقي لسلفه: حذيفة الكحلوت. هذه النقلة عبقرية، فهي تؤكد أن "أبو عبيدة" ليس شخصاً، بل منصباً فكرياً وإعلامياً، ورمزاً مؤسسياً يتوارثه المقاومون. لقد تحوّل من بطل فردي إلى تراث ثوري قادر على البقاء والتجدد.

 

البعد الثقافي: إعادة تعريف البطولة العربية

في الثقافة العربية الحديثة، التي تشرّبت لقرون نموذج الفارس المكشوف الوجه والبطل المُتَغَنَّى به بأسمائه وأفعاله، قدّم أبو عبيدة نموذجاً ثورياً للبطولة. بطولة الجماعة على الفرد، بطولة الفكرة على الشخص، بطولة الاستمرارية على النجمية الآفلة. لقد استعاد، بشكل غير مباشر، شيئًا من روح "الفداوية" التاريخية وأخلاقيات "المجاهد الخفي" في التراث الإسلامي، حيث العمل لله وللقضية بلا انتظار للشهرة أو المكافأة الدنيوية. في زمن وسائل التواصل الاجتماعي والصراع على الظهور، جاءت ظاهرة التلثم لتقول: "هنا، حيث تختفي الأسماء، تخلد القيم".

 

البعد الاستراتيجي: حرب المعلومات في العصر الرقمي

في المسرح الاستراتيجي المعاصر، حيث لم تعد الحرب تُخاض بالذخيرة وحدها، بل بالكلمة والصورة والسردية، برز "العمق المعلوماتي" كساحة حاسمة لا تقل أهمية عن جبهات القتال. وفي هذه الساحة بالذات، أظهر أبو عبيدة براعة نادرة، محوّلاً محدودية الإمكانيات إلى قوة ضاربة، ومُحرجاً آلة الدعاية الإسرائيلية الضخمة بقدرته الفذة على صياغة الوعي وإدارة المعنى.

فبينما انهمكت المؤسسة الإسرائيلية، بميزانياتها الهائلة وتقنياتها المتطورة، في محاولة فرض روايتها، نجح هذا الصوت الواحد المقاوم في قلب المعادلة عبر ثلاث خطوات رئيسية:

أولاً، إعادة تأطير الصراع من جذوره. فلم يعد الخطاب يدور في فلك "الهجمات الإرهابية" أو "العمليات الانتقامية" كما تحاول الرواية الإسرائيلية أن تروّج، بل تحوّل تحت بصيرته الثاقبة إلى سردية واضحة وقوية: "مقاومة شرعية" في وجه احتلال غاشم، و"معركة كرامة" لشعب يأبى الذل والهوان. لقد نجح في تحويل الفعل العسكري من مجرد رد فعل آني إلى مشروع تحرري متكامل، يمتلك مشروعية أخلاقية وتاريخية، معتمداً في ذلك على مفردات عربية وإسلامية وإنسانية يدرك مدلولها العالم بأسره، ويتعاطف مع مضمونها كلُّ حرٍّ شريف.

ثانياً، إدارة التوقعات بطريقة ذكية، فلم يقدم العمليات العسكرية كأحداث منعزلة، بل حبكها ضمن نسيج استراتيجي أوسع. كل عملية نوعية، كل تفجير لمدرعة، كل إسقاط لطائرة مسيرة، كان يربطها بالهدف الأكبر: التحرير والعودة. بهذه الطريقة، حوّل التكتيكات الميدانية إلى لبنات في صرح استراتيجي طويل المدى، مما حافظ على الزخم الشعبي وحوّل الانتظار من حالة سلبية إلى ترقب نشط لتحقيق الحلم الكبير.

ثالثاً، استثمار التناقض الظاهر لصالحه،  فصورة الرجل الملثم، الذي يظهر غالباً في غرفة بسيطة خلفية خالية من الزخارف، كانت تقف في تناقض صارخ مع التعقيد التقني والعسكري للعمليات التي يعلن عنها: عمليات تخترق حدوداً محصنة، وتدمر أسلحة متطورة، وتأسر جنوداً في أكثر الجيوش تكنولوجية. هذا التناقض لم يكن نقطة ضعف، بل كان مصدر قوة جاذب، يخلق إحساساً بالانبهار والإعجاب: كيف يمكن لقوة تبدو بسيطة في مظهرها أن تكون بهذه الدرجة من الفعالية والتعقيد في أدائها؟

لقد حوّل أبو عبيدة فن التلخيص إلى سلاح، والبساطة الإخراجية إلى رسالة. فبثه المسجل البسيط مقارنة بالاستوديوهات الفاخرة والبث المباشر عالي الجودة الذي يملكه كيان الإحتلال الإسرائيلي، كان في حقيقته إحراجاً له، فقد كشف أن التفوّق التكنولوجي الهائل عاجز عن كسر إرادة إنسان بسيط في مظهره، عظيم في مقولته. كان ذلك الصوت الواثق الذي يعلو من مكان سري مجهول، تذكيراً يومياً بأن الحرب ليست معركة موارد فحسب، بل هي معركة إرادات، وأن الرواية الأكثر قوة ليست بالضرورة الرواية الأكثر تكلفة، بل الرواية الأكثر صدقاً واتصالاً بقلوب الناس وعقولهم. في النهاية، أثبت أن في عصر المعلومات، قد يكون أعظم انتصار هو انتزاع السردية من يد الخصم، وتحويل الصوت الواحد إلى صدى الأمة كلها.

التأثير النفسي على الداخل الإسرائيلي: سلاح التفكيك من الداخل

لعل أحد أبرز انتصارات أبو عبيدة غير المنظورة، كان اختراقه العميق للحدود النفسية للداخل الإسرائيلي نفسه. فلم تكن خطاباته مجرد بيان موجه للعالم العربي، بل كانت تُتَرجم بدقة وتُنشر على نطاق واسع داخل الفضاء الإسرائيلي، لتصبح مصدر قلق حقيقيّ للقيادات العسكرية والأمنية، وموضوع جدل يوميّ في وسائل إعلامه وشبكات التواصل الاجتماعي لمواطنيه.

وسرّ هذا التأثير يعود إلى عدة عوامل ذكية استخدمها هذا الصوت الملثم. أولاً، لقد خاطب الشكوك الداخلية الكامنة في اللاوعي الجمعي الإسرائيلي.  فبينما كانت المؤسسة الرسمية ترفع شعارات "الجيش الذي لا يُقهر" و"الدرع الحديدي"، جاء صوته ليكشف عن ثغرات هذا الخطاب، مؤكداً فشل أجهزة الاستخبارات واختراقاتها، ومذكراً بضعف المنظومة الأمنية أمام إرادة المقاومين البسطاء. كان يرسل رسالة الى المستوطن الإسرائيلي العادي بلغة الحقائق التي يشك فيها سراً، فيجعل من هذا الشك يقيناً.

جسّد "ابو عبيدة" ظاهرة "التضاد المعلوماتي"، ففي وقت كانت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تلجأ إلى التعتيم أو التزوير في إعلان خسائرها، كان "أبو عبيدة" يقدم أرقاماً مفصلة عن الجنود القتلى والمعدات المدمرة، وغالباً ما كانت هذه الأرقام تثبت صحتها لاحقاً من خلال مصادر إسرائيلية مستقلة أو عبر اعترافات رسمية متأخرة. هذا التناقض خلق فجوة ثقة متسعة بين المواطن الإسرائيلي وحكومته، وزرع سؤالاً مقلقاً: "من الذي يكذب علينا؟".

إضافة الى كل هذا، صنع "التفوق النفسي" عبر الصوت والنبرة، فبينما كان المسؤولون والإعلاميون الصهاينة يظهرون أحياناً بالتردد والتناقض والتبريرات المعقدة، كانت نبرة أبو عبيدة تنضح باليقين والثبات والوضوح الذي لا لبس فيه. هذا التباين لم يكن مجرد أسلوب إلقاء، بل كان رسالة نفسية عميقة: نحن نعلم ما لا تعلمون، ونثق بما تترددون فيه. لقد حول حالة الخوف والترقب الإسرائيلية إلى مصدر قوة للمقاومة.

نتيجة لهذا كله، تحول اسم "أبو عبيدة" داخل الخطاب الإسرائيلي من مجرد عدو عسكري إلى رمز للحقيقة المزعجة التي لا يمكن إسكاتها، والقوة الغامضة التي لا يمكن احتواؤها،  لقد حقق إنجازاً استراتيجياً نادراً: جعل العدو يستمع إلى صوت خصمه، بل ويراقبه بقلق، ويترجم كل كلمة يقولها. وهكذا، انتصرت المقاومة ليس فقط في اختراق الحدود الجغرافية، بل وفي اقتحام أعمق حصون العدو: عقلَه وقلبه، لتصبح الحرب معلنة على جبهتين: جبهة الرصاص، وجبهة الوعي.

من الرجل إلى المدرسة..

لم يعد "أبو عبيدة" مجرد اسم، أو حتى رمز عابر في سجل الصراع. لقد تحوّل، بما أبدعه من فرادة في الأداء والخطاب، إلى مدرسة كاملة تُدرَّس في علم الاتصال الاستراتيجي والحرب النفسية والسياسية. مدرسة تقدم دروساً لا تقتصر على ساحات القتال، بل تمتد إلى قلب المعركة الأكبر: معركة الوعي والوجود.

هذه المدرسة تعلمنا، أولاً، أن القوة لا تكمن دائماً في الوضوح والظهور، بل قد تختفي في ثنايا الغموض المدروس. فذلك القناع الذي حجب الوجه، لم يحجب الحضور؛ بل على العكس، وسَّعه إلى آفاق لا تحدها ملامح شخص واحد. لقد حوّل الغياب البصري إلى حضور سمعي وهُويَّاتي مكثف، يملأ المساحات كلما ازدادت إضاءة الشاشات إظلاماً.

وتؤكد لنا، ثانياً، أن المصداقية هي السلاح الأعتى في زمن الفوضى المعلوماتية والريبَة.  في عصر تطغى فيه الأكاذيب وتتناسخ فيه الروايات المزيفة، جاء صوته حاملاً رصيداً من الوقائع والأرقام التي أثبت الزمن صحتها، فبنى جسراً من الثقة مع الملايين، وصار مرجعاً حتى لأعدائه حين تشتبه الحقائق. لقد أظهر أن الحقيقة، ولو جاءت من تحت الأنقاض، أقوى من كل آلات الدعاية المُموَّلة.

كما تبرهن لنا، ثالثاً، أن الصوت الواحد يمكن أن يتحول إلى جيش، وأن الفكرة المجردة يمكن أن تصير درعاً منيعاً يصدّ أعتى الحملات. لقد تجاوز دوره الناطق العسكري إلى مهندس للمعنويات، ومنشئ لرواية مضادة قادرة على استيعاب آلام الأمة وآمالها وصبّها في بوتقة مشروع تحرري واحد.

وأخيراً، تذكرنا هذه المدرسة بأن المقاومة ليست مجرد رصاصة تُطلق أو عملية تفجيرية تتم، بل هي عملية مستمرة ومتجددة لبناء الوعي، وترميم الإرادة، ونسج الهوية من جديد في مواجهة آلات التشويه والنسيان. إنها المعركة الدائمة على الذاكرة والمعنى.

 الإرث الذي لا يموت

لقد قاد نضالاً وجهاداً من نوع آخر، جهاد الكلمة، لم يمتلك يملك قناة عالمية كبيرة، لكنه لامس قلوب كل الشعوب والمستضعفين في الأرض، لم يغيّر أبو عبيدة فقط طريقة إعلام المقاومة، بل غيّر طريقة إدراك العالم لها.

لقد أثبت أن أعتى الأسلحة في عصرنا قد لا تكون الصواريخ فقط، بل الكلمة الموثوقة، والصوت الهادئ الذي يخترق الضجيج، والرمز الغامض الذي يلهب الخيال. في سجله إنجاز فريد: تحويل مقاتل ملثم في قطاع محاصر إلى لاعب رئيسي في المشهد الإعلامي العالمي، ومهندس لوعي جيل كامل رأى في القناع تجسيدًا للإرادة، وفي الصوت المجهول صوت الحق نفسه. لقد ترك إرثًا يختزل حكمة المقاومة: أن الوجه قد يُستشهد، لكن الصوت إذا تحول إلى فكرة، فإنه يخلد.

في المحصلة، تختزل ظاهرة أبو عبيدة حكمةً إنسانية خالدة: أن أعظم الانتصارات لا تُقاس بالسيطرة على الأرض وحدها، بل بالسيطرة أولاً على العقل والقلب. وأن البطل الحقيقي ليس ذلك الذي يظهر بوجهه ليجتمع حوله الأتباع، بل هو من يختفي شخصه ليكبر مبدأه، فلا يحتاج إلى كشف وجهه لإثبات وجوده، لأنه يصوغ وجوداً أوسع من ذاته، وجوداً يتردد صداه أينما حلَّ الظلم، وأينما انتفض إنسان من أجل الكرامة.

 لقد غادر حذيفة الكحلوت، وبقيت فكرة "أبو عبيدة" تُعلّم الأجيال: أن القناع قد يسقط، ولكن الصوت إذا تحوّل إلى ضمير، فإنه لا يموت.

/إنتهى/