وكالة تسنيم الدولية للانباء:
تُظهر التطورات الأخيرة في جنوب اليمن أن هذا البلد لم يعد مسرحًا لمجرد حرب أهلية أو صراع إقليمي بين السعودية وأنصار الله فحسب، بل إنه يتجه تدريجيًا ليصبح أحد الممرات الحيوية للمنافسة الجيوسياسية في البحر الأحمر.
إن ظهور وتثبيت "المجلس الانتقالي الجنوبي" بدعم واضح من حكومة الإمارات، وتزعزع تحالف الرياض-أبوظبي، وفي الوقت نفسه توسع النفوذ غير المعلن لفاعلين مثل الكيان الصهيوني على مسرح معادلات اليمن، يرسم صورة معقدة لمستقبل هذا البلد أمام المراقبين، مستقبل يمكن أن تكون له عواقب تتجاوز حدود اليمن، لتؤثر حتى على أمن منطقة غرب آسيا.
جنوب اليمن: ساحة معارك جيوسياسية لغرب آسيا
لطالما كانت اليمن في قلب الأزمات الإنسانية والأمنية لسنوات، لكن ما حدث في جنوب البلاد في السنوات الأخيرة يشير إلى تغير في طبيعة الأزمة. إن تشكيل "المجلس الانتقالي الجنوبي" بدعم من أبوظبي وسيطرته الفعلية على أجزاء من عدن والسواحل الجنوبية، قد خلق معادلة جديدة في حرب اليمن. هذا المجلس، الذي تنبع جذوره من التيارات الانفصالية التاريخية لليمن الجنوبي، لم يعد اليوم مجرد فاعل محلي فحسب، بل تحول إلى أداة جيوسياسية في منافسة القوى الإقليمية، وخاصة لدفع طموحات حكام الإمارات.
وفي الوقت نفسه، يُظهر التصدع المتزايد بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة -وهما الدعامتان الرئيسيتان للتحالف المضاد لأنصار الله- أن أهداف البلدين في اليمن، على الأقل على السطح، لم تعد متطابقة بالكامل. في هذا السياق، يبرز سؤال مهم: هل يمكن لجنوب اليمن أن يصبح حلقة وصل بين مصالح الإمارات وإسرائيل، ومنصة للضغط غير المباشر على أنصار الله ومحور المقاومة؟

المجلس الانتقالي الجنوبي وتزعزع تحالف الرياض–أبوظبي
تشكل "المجلس الانتقالي الجنوبي" عام 2017 بدعم واضح من الإمارات، وتمكن بسرعة من توسيع نفوذه في المناطق الرئيسية في جنوب اليمن، وخاصة عدن، العاصمة المؤقتة للمعارضة للحكومة المركزية في صنعاء. يسعى هذا المجلس إلى الحكم الذاتي أو حتى إحياء دولة جنوب اليمن المستقلة؛ وهو هدف يتعارض مباشرة مع استراتيجية السعودية.
تسعى السعودية إلى يمن موحدة لكن ضعيفة، تحكمها حكومة متوافقة مع الرياض ولا تشكل تهديدًا لأمن حدودها الجنوبية. في المقابل، ركزت الإمارات على السيطرة على الموانئ وخطوط الشحن والسواحل الاستراتيجية في اليمن، وفضلت تثبيت نفوذها طويل الأمد من خلال إنشاء هياكل شبه حكومية تابعة. يمكن فهم دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي في هذا الإطار بالضبط.

وفي هذا السياق، أُبلغ في الأيام الأخيرة عن اشتباكات مباشرة أو غير مباشرة بين القوات التابعة للسعودية والقوات المقربة من المجلس الانتقالي الجنوبي، وهي علامة على هذا الصدع الاستراتيجي؛ صدع يطرح غموضًا جديًا حول مستقبل التحالف العربي في اليمن.
إسرائيل: فاعل خفي لكن مراقب نشط
في غضون ذلك، إسرائيل هي حاليًا فاعل خفي؛ ليست قوة معلنة على مسرح اليمن، لكنها بلا شك مراقب نشط وذو مصلحة. فالبحر الأحمر ومضيق باب المندب لهما أهمية حيوية لتل أبيب. لأن أي خلل في أمن هذا الممر يمكن أن يؤثر مباشرة على التجارة والطاقة والأمن البحري لهذا الكيان.
أصبح أنصار الله، مع قدرته على استهداف السفن وتهديد الممرات البحرية، أحد التحديات الأمنية الجديدة لإسرائيل. في مثل هذه الظروف، يمكن لظهور قوة منافسة لأنصار الله في جنوب اليمن أن يكون جذابًا لتل أبيب.
ومع ذلك، تفضل إسرائيل البقاء في الظل حاليًا. تُظهر تجربة هذا الكيان في مناطق أخرى (مثل كردستان العراق) أن تل أبيب تستخدم غالبًا نموذج "النفوذ غير المباشر"؛ أي التعاون الأمني والاستخباراتي والتكنولوجي من خلال الحلفاء الإقليميين، دون وجود رسمي أو علني.
الإمارات: الحلقة الواصلة بين الظاهر والمخفي
هنا يبرز دور الإمارات. أبوظبي هي الجهة الوحيدة التي لديها علاقات وثيقة وعلنية مع إسرائيل، وفي نفس الوقت تتمتع بنفوذ عميق ومباشر على المجلس الانتقالي الجنوبي. هذا الموقع الفريد يحول أبوظبي إلى حلقة وصل محتملة بين المجلس الانتقالي الجنوبي وتل أبيب.

بعد اتفاقيات التطبيع، بدأت الإمارات تعاونًا واسعًا مع إسرائيل في المجالات الأمنية والاستخباراتية والبحرية وتقنيات المراقبة. يمكن أن يكون النقل غير المباشر للمعرفة أو المعدات أو المعلومات جزءًا من هذا التعاون. لقد شوهد مثل هذا النمط سابقًا في مناطق أخرى مثل القرن الأفريقي أو بعض النقاط الساحلية في البحر الأحمر.
في هذا الإطار، يمكن أن يصبح المجلس الانتقالي الجنوبي أداة للضغط غير المباشر على أنصار الله؛ ضغط يلبي، دون تدخل مباشر من تل أبيب، جزءًا من المصالح الأمنية لهذا الكيان على الساحة المتغيرة لليمن الذي لعب دورًا بارزًا في معركة دعم غزة.
سيناريو تقسيم جنوب اليمن: فرصة أم أزمة؟
أحد السيناريوهات الجادة، وإن لم تكن عاجلة، المطروحة في الأسابيع الأخيرة هو التقسيم الفعلي لجنوب اليمن. تحقيق مثل هذا السيناريو يستلزم إضعافًا كاملاً للحكومة المركزية، وتثبيت سلطة المجلس الانتقالي الجنوبي، ودعم إقليمي مستمر – خاصة من الإمارات. لم تواكب السعودية مثل هذه العملية حتى الآن، لكن استمرار الخلافات يمكن أن يقلل من قدرة الرياض على المناورة.
من منظور إسرائيلي، يمكن لتشكيل دولة ساحلية صغيرة تابعة في جنوب اليمن أن يشكل فرصة إستراتيجية: تهديد أنصار الله من الجبهة الجنوبية، وتخفيف الضغط على الملاحة في باب المندب، وخلق عمق أمني جديد في البحر الأحمر. لكن هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة أيضًا. يمكن أن يحول تقسيم اليمن البلاد إلى ساحة دائمة للحروب بالوكالة؛ وهو وضع يهدد ليس فقط استقرار المنطقة، بل وأمن الطاقة والتجارة العالميين.

التبعات لأنصار الله والمنطقة
بالنسبة لأنصار الله، فإن تثبيت هيكل عدائي في جنوب اليمن يعني مواجهة تهديد متعدد الأوجه. مثل هذا الوضع يمكن أن يوسع نطاق الصراعات وقد يؤدي حتى إلى نقل التوتر إلى المياه الإقليمية. ومع ذلك، تُظهر التجربة أن أنصار الله، في مواجهة الضغوط غير المتماثلة، عادة ما تسعى لتعزيز قوة الردع الخاصة بها، وليس التراجع.
في الواقع، التهديد الرئيسي لتثبيت سلطة المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن لمحور المقاومة، سيكون فتح الباب أمام الكيان الصهيوني للتدخل في معادلات اليمن الداخلية وتحويل هذه المنطقة إلى قاعدة استخباراتية – مراقبة لإسرائيل.
هذه التطورات يمكن أن تحول اليمن من أزمة داخلية إلى عقدة أمنية دولية؛ عقدة يمكنها حتى أن تجذب المزيد من الفاعلين من خارج المنطقة إلى معادلات البحر الأحمر المعقدة.

تظهر تطورات جنوب اليمن أن البلاد دخلت مرحلة جديدة من لعبة القوى. المجلس الانتقالي الجنوبي، والانقسام بين السعودية والإمارات، والدور الخفي لكن ذي المعنى لإسرائيل، كلها تشير إلى تغير جيوسياسي في اليمن. تفضل إسرائيل حاليًا البقاء في الظل، لكن الإمارات، بعلاقاتها الوثيقة مع كلا الطرفين – المجلس الانتقالي الجنوبي وتل أبيب – يمكن أن تلعب دور الحلقة الواصلة.
في النهاية، يبدو أن اليمن لم تعد مجرد ساحة لصراع داخلي أو منافسة عربية؛ بل تحولت إلى إحدى رقع شطرنج الأمن في البحر الأحمر؛ رقعة يمكن لأي خطوة خاطئة فيها أن تكون لها عواقب تتعدى عدن وصنعاء، وتُلقي بظلالها على منطقة غرب آسيا بأكملها.
/انتهى/