نبض الشارع الإيراني: كيف استولت "يلدا" على ألوان المحلات وقلوب المارة؟

وكالة تسنيم الدولية للأنباء - في ممرات السوق، يتجلى صخب الناس وشغفهم للاحتفال بأطول ليلة في العام، وتُبسط موائد "شب جله" (ليلة الأربعين) المخصصة للعرائس الجدد. هنا، وفي كل خطوة، تُروى قصة جديدة؛ يجسدها كل شراء وتؤكدها كل ابتسامة.

إن "ليلة يلدا" ليست مجرد ليلة عابرة؛ إنها إرثٌ عبر قلب القرون ليصل إلينا. إنها الليلة التي تعلم فيها البشر أن يقطعوا دابر الشتاء الطويل بالاجتماع والأُنس. "يلدا" تذكرنا بأن صلة الرحم ليست مجرد توصية أخلاقية، بل هي نَفَس الحياة وجوهرها.

نبض الأسواق: ألوانٌ تُبشر بالفرح

للسوق في أواخر الخريف حالٌ ومزاجٌ آخر، فقد بدأ الاحتفال قبل الجميع. كل الدكاكين، من بائعي القماش والملابس إلى محلات المكسرات، صُبغت بصبغة "يلدا". الرمان يلمع تحت الأضواء، والبطيخ يُوزن بدقة متناهية، وغزل البنات أزهى لوناً من أي وقت مضى، بينما تفوح رائحة الشمندر والباقلاء المسلوقة كخيطٍ خفي ينسلّ بين الزحام ليجذب الناس من طرف السوق إلى طرفه الآخر.

الجو بارد، لكن السوق لا يعرف البرودة. حتى صقيع الشتاء لم يستطع إطفاء شعلة هذا الشغف. بخار الشاي المتصاعد من كؤوس الباعة يمتزج بأنفاس المارة، ليدحر برودة "آذر".

بصفتي مراسلاً، أقف في قلب هذا الزحام أراقب حركة الناس الدؤوبة. السوق مزدحم، لكنه ازدحامٌ يبعث على الراحة لا السأم؛ ففي الأيام التي تسبق "يلدا"، يمتلئ المكان بالذكريات. تختلط الأصوات ببعضها: الباعة يتحدثون بصبر وطول أناة، والناس يفاصلون في الأسعار، يضحكون، ولا يملكون أي رغبة في العجلة.. فضاء السوق ينبض بالحياة.

فلسفة الألوان والروايات

يغير السوق رداءه قبل أيام من "يلدا". أحمر الرمان ليس مجرد لون، بل هو "أحمر الحياة"، وأخضر البطيخ هو "اخضرار الأمل" الذي يعبر من قلب الشتاء. لقد اجتاح هذان اللونان المحلات لدرجة يمكن القول فيها إن "يلدا" قد استولت على المكان.

في هذه الأيام، حتى وإن لم تكن بحاجة لشيء، يراودك الإغراء للشراء. عدوى التسوق تنتقل إليك بسرعة؛ تنظر، تتردد قليلاً، ثم فجأة تجد نفسك قد صرت جزءاً من الحشود، والحقائب تزداد واحدة تلو الأخرى في يديك.

السوق ليس مكاناً للبيع والشراء فحسب، بل هو "منصة للحكايات". كل إنسان يمر بجانبك يحمل قصة يمكن سماع جزء منها؛ يكفي أن تقف قليلاً وتُعير سمعك للناس.

الأطفال: قلب "يلدا" النابض

إذا أردت أن تعرف إن كانت "يلدا" لا تزال حية، فانظر إلى الأطفال؛ فهم قلب السوق النابض. وسط هذا الضجيج، للأطفال نصيبهم الخاص؛ أيادٍ ممتلئة بالمشتريات وعيون تلمع بالبهجة.

يقول طفل صغير: "في ليلة يلدا، سأسهر مع أبناء عمي حتى منتصف الليل، سنلعب الغميضة، والتمثيل الصامت، ثم نشاهد فيلماً.. سنبقى مستيقظين لوقت متأخر لنلعب". عيناه تلمعان؛ وكأن ليلة "يلدا" قد جاءت لديه بالفعل قبل موعدها. بالنسبة له، "يلدا" هي ليلة "اللا قانون" الجميلة.

وعلى مقربة منه، تنظر طفلة بدقة إلى زجاجات طلاء الأظافر، تختار اللونين الأحمر والأخضر، وبقوامها الصغير ونبرتها الطفولية تقول بجدية: "أريد أن تتناسب أظافري مع ألوان الرمان والبطيخ". لقد تغيرت اهتمامات الجيل الجديد، لكن الشغف هو ذاته؛ فأطفال هذا العصر لهم "يلداهم" الخاصة، وهي بالنسبة لهم "احتفال" لا مجرد "ذكرى"؛ ليلة ينتظرونها بفارغ الصبر.

وفي خضم الزحام، تلمح أزواجاً لكل منهم حكايته. أرى عروساً وعريساً في فترة الخطوبة، ينتقد كل منهما ذوق الآخر ثم يعودان لنفس البضاعة بابتسامة. يتحدثون عن طقوس "شب جله" حيث تُهدى الهدايا للعروس وتُقام الأفراح، يتحدثون عن التحضيرات، وتنسيق الفواكه، والضيوف القادمين.

"يلدا" نصيب أصحاب القلوب الكبيرة

جذب انتباهي زوجان يتسوقان، ليس لأنفسهما، بل يجهزان طلبيات لعدة عائلات. حين سألتهما عن سبب هذا الحجم الكبير من المشتريات، قالا إن هذه الطرود ستصل إلى أطفال دور الأيتام، وأطفال الشوارع، والعائلات المتعففة التي لا تقوى على شراء مستلزمات "يلدا".

قالا جملة تركتني مذهولاً: "لا معنى لليلة يلدا إلا حين يكون للجميع نصيبٌ منها".

توقفتُ طويلاً عند هذه الكلمة؛ كيف يقتطع أصحاب القلوب الكبيرة من نصيبهم لكي لا يكون نصيب الآخرين "صفراً"؟ لم أجد جواباً سوى قدرة الخالق الذي يعرف المعنى الحقيقي للمهابة ويخلق مثل هؤلاء البشر. هذه الجملة حولت "يلدا" من مجرد احتفال إلى "مسؤولية إنسانية".

ليلة "يلدا" ليست مجرد تاريخ في التقويم؛ إنها ذكرى الليالي التي كان يجتمع فيها البشر ليقصروا عمر الشتاء. هي سنتنا التي ولدت من رحم الحاجة لـ "البقاء معاً". وفي قلب هذا الطقس القديم، يتنفس مفهوم "صلة الرحم": أن نرى بعضنا، ونسمع بعضنا، ونمنح بعضنا الوقت.. تلك الأشياء التي نفقدها هذه الأيام بسهولة، دون أن نشعر.

/انتهى/