أرادوا إسكاتها... فتكلمت القضية

 

 

ماذا يمكن أن يخيف الاحتلال أكثر من صحفية تحمل كاميرا؟

السؤال يبدو بسيطاً، لكن قصة فرح أبو عياش تجعل الإجابة أكثر تعقيداً. في آب/أغسطس العام الماضي، اقتحمت قوات الاحتلال منزل الصحفية الفلسطينية فرح أبو عياش في بيت أُمّر شمال الخليل، واعتقلتها. ومن هنا، حاول الاحتلال أن يضع القصة في إطار أمني، لكن عندما ننظر إلى التفاصيل من زاوية أخرى، يظهر السؤال الحقيقي: هل كانت المشكلة فعلاً في الأمن؟ أم في الصحافة؟

فرح لم تكن تحمل سلاحاً، ولم تكن تقود مجموعة مسلحة. كانت صحفية تعمل في الإعلام، وركّز التحقيق معها على عملها الصحفي مع وكالة "تسنيم"، وعلى نشاطها الإعلامي. وهنا تبدأ المفارقة: إذا كان الاحتلال يريد تقديمها كخطر أمني، فأين هو هذا الخطر؟ ولماذا يتحول العمل الصحفي نفسه إلى محور تحقيق أمني؟ ولماذا يصبح نقل الأخبار، والتواصل مع مؤسسة إعلامية، سبباً كافياً لتحويل صحفية إلى معتقلة؟

ربما لأن المشكلة لم تكن في ما تفعله فرح، بل في ما يمكن أن تراه وتنقله. فالاحتلال يستطيع أن يفرض حصاراً على مكان، ويمنع الوصول إلى منطقة، ويغلق الطرق، ويعتقل الصحفيين، لكنه يواجه مشكلة أكبر عندما تخرج الحقيقة من خلف الحواجز، لأن الصحفي لا يحمل فقط كاميرا، بل يحمل رواية، والرواية هي المعركة الحقيقية.

المفارقة الأوضح ظهرت خلال التحقيق نفسه. هم أرادوا أن يأخذوا الحديث إلى إيران، لكنها أعادت النقاش إلى غزة، وقالت بوضوح إن عدوها هو من يجوع مليوني إنسان وأطفال غزة. وهنا انقلب المشهد: السؤال كان عن إيران، لكن جوابها كان عن غزة. عن الجوع، وعن الأطفال، وعن الواقع الذي تراه الصحفية أمام عينيها. هم أرادوا أن يجعلوا القضية "تسنيم"، وهي أعادتها إلى الصحافة. هم أرادوا أن يجعلوا القضية "إيران"، هي أعادتها إلى فلسطين. وهنا تحديداً تكمن قوة الصحفي، لأنه عندما يرفض أن يجيب وفق السؤال الذي صيغ له، يصبح السؤال نفسه موضع محاكمة.

وهذه ليست قصة فرح وحدها. فكلما ضاقت المساحة أمام الصحفي الفلسطيني، اتسعت مساحة السؤال: لماذا كل هذا الخوف من الشاهد؟ لماذا يصبح من يصور وينقل ما يراه هدفاً للاعتقال والتهديد؟ لأن المشكلة، ببساطة، ليست في وجود الصحفي، بل في ما قد يكشفه.

لكن السؤال الذي يجب أن نقلبه هو: هل اعتقال الصحفي يسكت الحقيقة؟ أم يكشف حجم الخوف منها؟ لأن فرح، حتى وهي خلف القضبان، تحولت من صحفية يجري التحقيق معها إلى قضية تتعلق بحرية الصحافة نفسها. الاحتلال أراد أن يجعل من الاعتقال رسالة تخويف، لكن الرسالة انقلبت عليه. فبدلاً من أن يصبح السؤال: ماذا فعلت فرح؟ أصبح السؤال: لماذا يخاف الاحتلال من صحفية؟

وهنا نصل إلى جوهر القصة. قد تستطيع القوة العسكرية أن تمنع صحفياً من الوصول إلى مكان، وقد تستطيع أن تصادر كاميرته، وقد تستطيع أن تضعه خلف القضبان، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تمحو الصورة التي خرجت قبل الاعتقال، ولا أن تعيد رواية كاملة إلى الصمت بعد أن تصل إلى الناس. وهذا هو سبب أهمية قصة فرح، لأن المعركة لم تكن فقط على حرية مراسلة، بل كانت على حق الصحفي في أن يرى، وحقه في أن ينقل، وحق الجمهور في أن يعرف.

 

ولهذا، فإن السؤال الأخير ليس: لماذا اعتُقلت فرح أبو عياش؟ بل: ماذا كان يمكن أن تقول لو بقيت حرة؟ ربما هنا تكمن الحقيقة التي حاول الاعتقال أن يخفيها، أن الاحتلال لم يعتقل مجرد صحفية، لقد حاول أن يعتقل شاهداً، لكن الشاهد عندما يُعتقل لا تختفي الحقيقة معه، بل أحياناً تصبح قضيته هي الحقيقة التي يحاولون إخفاءها. وهنا تنقلب الرواية بالكامل: من صحفية متهمة إلى صحفية تحوّل اعتقالها إلى سؤال، ومن سؤال أمني إلى سؤال عن حرية الصحافة، ومن محاولة لإسكات صوت إلى صوت جديد يسأل: إذا كانت الرواية قوية إلى هذا الحد، فلماذا تخاف من كاميرا؟

/إنتهى/