.
بعد أن وضعت الحرب أوزارها عام 2024، مشينا الطريق نحو الجنوبِ اللبنانيِّ. كنا في مهمة عمل، لكن ما رأيناه لم يكن مادة صحفية فقط، بل كان درساً في معنى التمسك بالأرض. من بلدة الخيام إلى عيتا الشعب، حيث عاد الناس رغم كلّ المخاطر، وحيث لا تزال الجدران تحكي، والعيون تروي.
الطريق إلى الجنوب ليس كأيّ طريق. هنا، كلّ حجر يحمل ذكرى، وكلّ منعطف يخفي حكاية. مررنا ببلدات تضررت، وبيوت تهدمت، لكن في كلّ مكان كان هناك من يعيد ترتيب الحياة. كنا في مهمة عملٍ، لكننا وجدنا أنفسنا أمام مشهد أكبر من أيّ تقريرٍ: مشهد العودة.
في الخيام، وقفنا أمام بيوت تضررت، وأمام أطلال تحكي عن ليال لا تُنسى.الأرض هنا لا تُترك، فمن يترك أرضه يترك تاريخه. في الخيام، العودة ليست مجرد قرار، بل هوية. كلّ عائلة عادت هي رسالة بأن هذه الأرض لأهلِها.
في عيتا الشعب، كانت الوجوه والعيون أشدّ صلابة. الأطفال عادوا يلعبون بين الركام، والنساء يفتحن أبواب البيوت المتبقية، والرجال يعيدون ترتيبَ ما تبقى. كلّ شيء يقول: نحن هنا، وسنبقى. عدنا لأن هذه أرضنا. لا نخاف، لأننا نعرف لماذا نبقى. نحن هنا من أجل الأجيال القادمة. في عيتا الشعب، لم نرَ فقط بلدة عادت، بل رأينا إرادة لا تُهزم. كلّ طفل يلعب بين الركام هو تحدّ لكلّ من حاول أن يمحو هذه الأرض.
التقينا شخصيات عديدة، كلّ واحد منها كان يحمل حكاية مختلفة، لكنها تشترك في شيء واحد: الإصرار على البقاء. والبقاء هنا هو انتصار بحد ذاته.

هذه ليست مجرد قرى على الخريطة، إنها ذاكرة وطن. من الخيام إلى عيتا الشعب، ومن كلّ بلدة في الجنوب، يخرج صوت واحد: مهما كانت التضحيات، لن نرحل.
هكذا عدنا من الجنوب، لا بمادة صحفية فقط، بل بيقين أن الأرض التي يحميها أهلها لا تُهزم. من الجنوب اللبنانيِّ، كان هذا التقرير. فسلام على أرض لا يغادرها أهلها.
/إنتهى/