ورداً على سؤال تسنيم حول كيفية تعرّض نظرية الردع لدى الكيان الصهيوني للتحدي بطوفان الأقصى، وكيف تفككت العقيدة العسكرية لهذا الكيان بعد ثلاث سنوات على جبهات مختلفة، أشار أبو شريف إلى ما يلي:
"أعتقد أن مفاجأة كبيرة جداً وقعت في السابع من أكتوبر (2023). لقد جُهّزت الاستعدادات (من جانب المقاومة) على أفضل وجه، وقدم مقاتلو المقاومة الفلسطينية أداءً احترافياً استثنائياً؛ مفاجأة كاملة أربكت العدو تماماً."
"ورغم أن معسكرات النظام الصهيوني كانت مجهزة حصراً لمراقبة قطاع غزة والحرص عليه، إلى جانب كميات ضخمة من كاميرات المراقبة والاستطلاع الجوي والتنصت على جميع المكالمات الهاتفية والأحاديث، فإن كل هذه الأنظمة فقدت فعاليتها في لحظة واحدة، بفضل الله وبتخطيط وتغطية من مقاتلي المقاومة. وتمكنوا من الدخول إلى المنطقة والوصول إلى هذه المعسكرات العسكرية. وإضافة إلى ذلك، حدث انهيار كامل في محيط قطاع غزة (إشارة إلى المستوطنات الصهيونية المحيطة به) وفي الوحدة التي كانت تتولى مسؤولية حماية غزة والتصدي لها."
"وفي أعقاب هذا السقوط الثقيل وفشل العقيدة الأمنية، حصل النظام الصهيوني من اللحظات الأولى على دعم شامل سياسي ودبلوماسي ومالي من القوى الغربية، وخصوصاً أمريكا وأوروبا؛ وهو دعم منع انهياره الكامل."
"ومع ذلك، فإن جرائم الكيان الصهيوني وأعماله الإرهابية في غزة والضفة الغربية ولبنان وسائر الجبهات لم تحقق له أي إنجاز حقيقي. فلو كان هذا الكيان قادراً على استغلال هذه الضربة بالاستناد إلى القوى العالمية ومرافقة بعض الحكومات، لحقق مكاسب ملحوظة؛ لأنه كان ينتظر مسار تطبيع العلاقات، وكان يقصد تحقيق مكاسب مثل إقامة روابط مع الدول المجاورة وتجريم المقاومة."
هروب نتنياهو من المسؤولية وأفول نفوذ إسرائيل في أمريكا
"مع ذلك، يرفض نتنياهو تحمّل مسؤولية ما جرى؛ فهو يتبع دائماً سياسة الهروب إلى الأمام ولا يقبل تحمّل مسؤولية تبعات السابع من أكتوبر والجرائم التي تلته. لكن هذا النهج ترك في النهاية أثراً معاكساً على صورة النظام الصهيوني ووضعه الدولي."
"الفشل الحقيقي هنا؛ فهذه الجرائم شوّهت صورة هذا الكيان ليس فقط في العالم العربي وفلسطين، بل أيضاً في المجتمعات التي كانت تشكّل سابقاً مظلة حامية للكيان الصهيوني، وتُعفيه من المسؤولية الدبلوماسية عن جرائمه عبر تقديم روايات مضللة."
ورداً على سؤال تسنيم حول وضع المقاومة في المنطقة وأفق موازين القوى في غرب آسيا بعد عملية طوفان الأقصى، أشار أبو شريف إلى ما يلي:
"نحن نفهم أن المقاومة، سواء قبل السابع من أكتوبر (2023) أو بعده، اتخذت صوراً وأشكالاً متنوعة؛ لقد قاومنا بالحجر والسكين والسلاح والصاروخ والمواقف السياسية والصمود. وفي ثقافتنا، ليس الصبر والصمود مجرد قيمة أخلاقية، بل هو مكوّن ومتغير استراتيجي."
"وكما هو واضح للجميع، لم يتمكن الكيان الصهيوني من هزيمة أي من جبهات المقاومة. فرغم أن قطاع غزة تحمّل دماراً واسعاً (بسبب الهجمات الوحشية للصهاينة)، بحيث أُسقط أكثر من 120 ألف طن من المواد المتفجرة على رؤوس الناس، وسقط آلاف الشهداء والجرحى، وسُوّي 90 في المئة من المنطقة بالأرض، فإن العدو فشل في تهجير سكان غزة وطردهم والسيطرة على هذا القطاع. ولا تزال غزة ثابتة وراسخة، وشعبها صامد، والمقاومة تتحدث باسمه."
"ولا تزال المشاورات مع حماس مستمرة، والوضع في لبنان مشابه. فرغم أن ضربات ثقيلة وُجّهت إلى حزب الله، فإن هذه الحركة نفذت آلاف العمليات ضد الكيان الصهيوني، ولم يتمكن الكيان الصهيوني من السيطرة على أي منطقة في لبنان، إلا واجه صمود المقاومة وثباتها، وتراجع متحملاً خسائر بشرية وأضراراً في العتاد. ومن هنا، فإن المقاومة حية وفاعلة."
"والأهم من ذلك، أن أركان قوة الكيان الصهيوني قد أُضعفت، وبعضها وصل إلى حافة الانهيار. وقد تزعزع بشدة المكوّن الأكثر محورية في قوة الكيان الصهيوني، أي مكانته في أمريكا وأوروبا."
"لقد حدث تغيير حقيقي تصادق عليه الأرقام واستطلاعات الرأي، وسيُظهر هذا التحول تدريجياً أثره في البنية السياسية الأمريكية، وسينعكس في تركيبة الكونغرس ومجلس والشيوخ والبلديات والمحافظات وحتى الحكومات. ونتيجة لذلك، فإن نفوذ النظام الصهيوني في هذه الدول آخذ في الأفول."
"حتى الأمريكيون أنفسهم يقرّون بهذه الحقيقة؛ فقد اعترف ترامب (الإرهابي والمجرم) بأنه 'في الخمس والعشرين سنة الماضية، لم يشهد أي ظاهرة في أمريكا أفولاً بهذه السرعة وبهذا الحجم، كما أفول نفوذ إسرائيل داخل أمريكا.'"
"إذن، حدث تحول حقيقي: الكيان الصهيوني تضرر، وفي المقابل حصلت المقاومة على دعم أحرار العالم؛ الذين يقفون اليوم في جميع أنحاء العالم ضد الصهيونية."
عدم فعالية المظلة الحامية الغربية ومراجعة العقيدة الأمنية لدول المنطقة
ورداً على سؤال حول أسباب عدم ثقة دول المنطقة بالحكومة الأمريكية الإرهابية واتجاهها إلى تقاربات وتحالفات أمنية جديدة داخل المنطقة، أكد ممثل حركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني ما يلي:
"للأسف، هذه الحكومات لا تملك إرادة ذاتية وهي تابعة للغرب وأمريكا. وأعتقد أنها (الحكام العرب وبعض دول المنطقة الأخرى) تتعرض لأشد الضغوط والابتزازات، وخصوصاً من النظام الصهيوني. فالفضائح المتعلقة بالملفات الأخلاقية (مثل قضية إبستين) تطال كثيراً من هؤلاء الحكام، وإسرائيل تملك الأرشيف الرئيسي لهذه الملفات. ورغم أن أدوات الضغط هذه كانت دائماً فعالة ومؤثرة، فإن ضغوط الرأي العام والحقائق الموضوعية بعد المواجهة مع إيران كشفت في النهاية عدم فعالية المظلة الحامية الغربية."
"إن القواعد العسكرية (للحكومة الأمريكية الإرهابية) في الدول العربية لم تُنشأ لأمن هذه الدول، بل أساساً لحماية أمن النظام الصهيوني. ومن هنا، فإن هذه القواعد لم تكن مصدراً للأمن فحسب، بل تحولت إلى عبء ثقيل على الدول المضيفة وإلى أهداف محتملة لإيران ومحور المقاومة (لتنفيذ هجمات انتقامية)."
"وفي أعقاب هذه التطورات، حدث نوع من المراجعة الجذرية في العقيدة الأمنية لهذه الدول. فاتجاه السعودية نحو قوى مثل الصين وباكستان وتركيا، وميل الإمارات إلى تطوير علاقاتها مع الصين وروسيا، يعبّر عن محاولتها تحقيق توازن في علاقاتها الخارجية. وقد أدرك حكام هذه الدول أن المظلة الحامية الأمريكية لا تملك الفعالية اللازمة، وأن هدفها هو فقط تأمين مصالح واشنطن وتل أبيب في المنطقة."
/انتهى/