1. الرئیسیة
  2. کل العناوین
  3. الشرق الأوسط
  4. الدولی
  5. ایران
  6. الأقتصاد
  7. تکنولوجیا الفضاء
  8. الثقافة والمجتمع
  9. الریاضة
  10. التقاریر المصورة
  11. الفیدیوهات
  12. الغرافیک
    • فارسی
    • english
    • Türkçe
    • עברית
    • Pусский
  • RSS
  • Telegram
  • Instagram
  • Twitter
  • الرئیسیة
  • کل العناوین
  • الشرق الأوسط
  • الدولی
  • ایران
  • الأقتصاد
  • تکنولوجیا الفضاء
  • الثقافة والمجتمع
  • الریاضة
  • التقاریر المصورة
  • الفیدیوهات
  • الغرافیک

الحاج رمضان.. جندي فلسطين الذي لم يُر: سيرة رجل الظل كما لم تُروَ

  • 2026/09/30 - 19:27
  • الأخبار ایران
الحاج رمضان.. جندي فلسطين الذي لم يُر: سيرة رجل الظل كما لم تُروَ

ليس كل الرجال يُكتبون، وليس كل الظلال تُرى، ولكن حين يكون الظلّ رجلاً، وحين يكون الرجل قضية، فحتى الصمت عنه يصبح سيرة تُروى.

ایران

 

.

 

 

 

محمد سعيد إزادي... الوجه الذي لا تعرفه الميادين

في لقاء خاص يفتح نافذة على الوجه الآخر لرجل ارتبط اسمه بفلسطين والمقاومة، وعاش سنوات طويلة بعيداً عن الأضواء، بعيداً عن الألقاب والمواقع والمسؤوليات استضافت "وكالة تسنيم" عائلة الشهيد محمد سعيد إيزادي، المعروف بـ"الحاج رمضان"، ، لتستعيد مع زوجته السيدة زهراء حمادة تفاصيل الرجل الذي عرفته داخل المنزل أباً وزوجاً وصديقاً ورفيقاً، وتروي جوانب من حياته العائلية، وعلاقته بفلسطين وإيران والمقاومة، والقيم التي حرص على أن يزرعها في أبنائه.

لقاء يستعيد الحاج رمضان الإنسان، من خلال ذاكرة عائلته، وتفاصيل صغيرة تكشف شخصية الرجل الذي بقي اسمه في الظل، بينما كان أثره حاضراً في ساحات المقاومة.

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

الحاج رمضان... الرجل خلف الألقاب

من شخصية الشهيد محمد سعيد إزادي بدأ الحوار ، بعيداً عن كل الألقاب والمواقع والمسؤوليات التي عرفه الناس من خلالها، لنقترب من الرجل الذي كان خلف هذه الصورة؛ الزوج والأب والصديق والرفيق، ونكتشف كيف كان الحاج رمضان داخل منزله، في المساحة التي لا تشبه الميدان ولا تعرفها الأضواء.

تبدأ السيدة زهراء حديثها عن الحاج رمضان من حضوره داخل المنزل، حيث لم يكن قائداً أو مسؤولاً، بل كان أباً وصديقاً ورفيقاً، وحتى طبيباً لأسرته. وتكشف أن الرجل الذي كان شديد القوة خارج البيت، كان يترك هذه الصورة عند الباب، ويدخل إلى عائلته محمّلاً بالحنان والاهتمام، حريصاً على أن يمنح أطفاله ما يستطيع من وقته، وأن يحضر في تفاصيل حياتهم الصغيرة، قائلة:  "كان الأب، والصديق، والرفيق، وكان الطبيب. الحاج رمضان كان عندما يدخل إلى البيت، يتغير كل جو البيت. بقدر ما كان قوياً خارج البيت وقائداً عظيماً، كان في البيت حنوناً جداً. كان يحاول، في الوقت الذي يكون فيه بالبيت، أن يعطي وقتاً للأطفال، يجلس معهم، يلعب معهم. عندنا فاطمة، بنتي، مثلاً تحب كثيراً أكل "قورمه سبزي"، فكان هو وحده يقوم ويقول: "أنا بدي أعملها بإيدي". الصباح كان يحب أن يحضر لهم الفطور والترويقة. كان إنساناً طيباً جداً، يفهمني من مجرد نظرة، كان قارئاً للعيون، محباً، محترماً. عندما يكون عندي أي مشكلة أو أحس بأي وجع، كان هو الطبيب بدعائه، بلمساته، بحنانه، بكلامه الطيب."

هذه الصورة التي ترسمها السيدة زهراء للحاج رمضان تكشف جانباً لا يقل أهمية عن صورته قائداً؛ رجل كان يرى في البيت مساحة للحضور الحقيقي، ويعرف كيف يحوّل التفاصيل اليومية إلى لحظات قرب مع عائلته.

 

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

عندما بدأت التفاصيل تتكلم... والحياة السرية تنكشف

ومن هذا الوجه العائلي، ينتقل الحديث إلى بداية العلاقة نفسها؛ إلى قصة زواج لم تبدأ بتعارف تقليدي، بل جاءت في سياق حياة رجل إيراني يعمل بين لبنان وسوريا، وامرأة سورية لم تكن تعرف يومها من هو الرجل الذي ستدخل معه هذه الحياة.

تستعيد السيدة زهراء بدايات العلاقة، موضحة أن الحاج رمضان كان يعمل بين لبنان وسوريا، فيما كانت هي تعيش في سوريا، وأن فكرة الزواج وصلت إليها من أشخاص كانوا يعرفونه عن قرب. وتشير إلى أن الحاج قاسم سليماني وصديقاً للحاج رمضان يُعرف باسم أبو محمد، كانا صلة الوصل بين الطرفين، فيما لم تكن هي تعرف الرجل الذي يُعرض عليها الزواج منه، ولا تعرف طبيعة حياته أو مسؤولياته، وهنا تقول: "كان عمل الحاج رمضان بين لبنان وسوريا، وأنا كنت أعيش في سوريا. طلبوا من الحاج رمضان أن يتزوج كي يكون لديه أطفال تكمل هذا الطريق، فوقع الاختيار عليّ من قبل أشخاص معينين، مثل الحاج قاسم سليماني وصديق للحاج اسمه أبو محمد، فكانوا هم صلة الوصل. طلبوا مني أول مرة، ولم أكن حينها أعرف الحاج رمضان، كل ما كنت اعرف ان شخصياً ايرانياً يريد الزواج. لكن بعد عدة محاولات وبعد الزواج، أنا فهمت من هو هذا الرجل، وما السر في أنه يعيش بشكل مخفي، بدأت ألاحظ أن سيارات الحاج رمضان تتبدل دائماً، وأن أشخاصاً معينين يأخذونه، وأشخاصاً معينين يعيدونه، وكان يُطلب منا دائماً تغيير المنزل.

لكن هذه الجملة البسيطة لم تكن كافية لتكشف حقيقة الرجل الذي ستتزوجه. فالحاج رمضان كان يعيش حياة شديدة الخصوصية، ومع مرور الوقت بدأت السيدة زهراء تلاحظ تفاصيل لا تشبه حياة الرجل العادي؛ سيارات تتبدل، أشخاص محددون يأخذونه ويعيدونه، ومنازل تتغير باستمرار. ومن هذه التفاصيل بدأت تتشكل لديها صورة مختلفة عن الرجل الذي دخل حياتها.

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

"جندي صغير"... الكلمة التي فتحت باب الحكاية

 نكمل الحديث في سيرة هذا الرجل العظيم، والسر الذي جعل زهراء حمادة توافق على الزواج من شخص لا تعرفينه، ولم تسمع  به، حتى لو كانت سمعت بإسمه فهي لا تعرف  شخصيته ومن هو، أو ما مسؤولياته في الحياة، ولا طبيعة الجانب الأمني الذي يعيش فيه.

لم يكن قرار السيدة زهراء منفصلاً عن قناعاتها وتجربتها السابقة، ولا عن الجملة الأولى التي قالها لها الحاج رمضان عن نفسه. فهو لم يقدم نفسه قائداً أو صاحب موقع، بل قال إنه "جندي صغير"، وكانت هذه العبارة بالنسبة إليها كافية لتفتح باباً من الثقة، خصوصاً أنها كانت تحمل في داخلها سؤالاً عن الطريق الذي يمكن أن تسلكه مع أولادها بعد استشهاد زوجها الأول.

وهنا تقول زهراء: "أول كلمة قالها لي الحاج رمضان: "أنا جندي صغير عند الإمام القائد والسيد حسن". ونحن في ذلك الوقت، السوريون الشيعة، من عاشقين السيد حسن والإمام القائد، فهذا الشيء الذي جعلني أندفع. أنا كنت قبلاً زوجة شهيد، فكنت دائماً أفكر كيف أنتقم ممن يتّم أولادي، ولقيت الحاج رمضان كان هو الباب. فهذا هو السبب."

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

وتضيف أن تجربة الشهيد الأول بقيت حاضرة في قرارها، وأنها ربطت بين الدعاء الذي كانت ترفعه وبين الطريق الجديد الذي وجدت نفسها أمامه. وبعد أن رأت الشهيد الأول في المنام، ازداد إصرارها على أن ما يحدث ليس مصادفة، بل طريق رسمته لها الحياة وأرادت أن تسلكه مع أولادها.

تضيف قائلة: "بعد ما رأيت في منامي الشهيد الأول، أصبح إصراري أكبر، أن هذا هو الطريق الذي رسمه لي رب العالمين عن طريق المنام وعن طريق الدعاء الذي كنت أدعوه دائماً: "يا رب، دلني على الطريق الذي أمشي فيه أنا وأولادي، حتى أنتقم ممن يتم أولادي".

ولأن اسم السيد حسن نصر الله كان حاضراً في الجملة الأولى التي قدم بها الحاج رمضان نفسه، لم يكن هذا الاسم مجرد تفصيل عابر في قصة التعارف، بل كان جزءاً من البيئة الفكرية والوجدانية التي أحاطت بحياة العائلة لاحقاً، ومن الذاكرة التي بقيت حاضرة لدى السيدة زهراء، لنسترسل بالحوار حول الأهمية التي وصلها إليها سماحة السيد حسن نصرالله في حياتنا وفي قراراتنا اليومية، فتقول زوجة الشهيد:

"صحيح، السيد حسن نصر الله كان موجوداً بحياتنا. في حرب 2006، لا يمكن أن أنسى خطابه عندما قال: "انظروا إلى هذه البارجة إنها تحترق". حتى هذه اللحظات وهذه الكلمات وأسلوبه بالحديث لا يمكن ان ننساه. حتى أولادي دائمة الحديث والكلام لهم عن سماحة السيد حسن، عاش معي في مراهقتي، كان معشوقي السيد حسن".

 

خلف الصمت... كانت فلسطين

ومع هذا الحضور، يأخذ الحوار طريقه إلى الجانب الآخر من شخصية الحاج رمضان؛ الرجل الذي لم يكن يتحدث كثيراً عن عمله، والذي جعل من طبيعة مهمته مساحة مغلقة لا يفتحها بسهولة حتى مع أقرب الناس إليه. فمتى بدأت السيدة زهراء تدرك أن وراء هذا الصمت حياة كاملة من العمل المقاوم والارتباط بفلسطين؟

فقد كان الحاج رمضان قليل الكلام، ولا سيما في بداية العلاقة، وقد وضع منذ البداية حدوداً واضحة حول طبيعة عمله. تقول السيدة زهراء إنه أخبرها بأن عمله "خط أحمر"، وأن لديه تكليفاً شرعياً لا يستطيع دائماً الحديث عنه، فاحترمت هذه الخصوصية. لكن مع مرور الوقت، بدأت التفاصيل المحيطة بحياته تكشف لها أن المسؤولية التي يحملها أكبر مما كانت تعرف. وتقول: "كان الحاج رمضان قليل الكلام، لا يتكلم كثيراً، ومع بداية تعارفنا وحديثنا، اول ما قاله لي: عملي خط أحمر، عندي تكليف شرعي لا أستطيع أن اتحدث به". فاحترمت هذه الخصوصية. لكن مع الوقت صرت أنتبه، تغيير المنزل والبيوت، تغيير السيارات، فشعرت أن هذا الشخص لديه علاقات ومسؤوليات كبيرة جداً. مع الوقت وبعد فترة من الزمن فهمت أنه له علاقة بملف فلسطين".

وكانت فلسطين نفسها هي المفتاح الذي جعل الصورة تكتمل أكثر. فالسيدة زهراء لم تعرف دوره من خلال تفاصيل العمل فقط، بل من خلال علاقته العاطفية بالقضية، وطريقة تأثره بما يجري في فلسطين، ولا سيما حين كان يتابع أخبار الشهداء والأطفال.

وهنا تحدثنا عن فلسطين في وجدانه: "الشيء الذي لفت نظري، عندما كان يتابع الأخبار، كان يبكي، بكاء بصوت عالٍ، يتأثر على الشهداء وعلى الأطفال، وكان دائم الحديث عن فلسطين لي وللاولاد، يقول معبّراً: "نحن الآن في فترة حزن على أطفال غزة". وكان يطلب منا تأجيل أي احتفالات إلى ما بعد الانتصار، إن شاء الله. كان يحب أن يعيش الأطفال هذا الجو، ويشعرهم بالمسؤولية."

 

نداءٌ عابر... حين ظهر الحاج رمضان للمرة الأولى

ومع أن السيدة زهراء بدأت تفهم طبيعة حياة زوجها، بقي اسمه نفسه محاطاً بالسرية. فالحاج رمضان لم يكن الاسم الذي عرفته منذ البداية، ولم تعرف هويته بهذه الصفة إلا بعد سنوات، في مصادفة عابرة خلال وجودهما في العراق، وكيف معرفتها بهويته، فبعد نحو ثلاث أو أربع سنوات من الزواج، جاءت لحظة كشفت لها الاسم الذي سيصبح لاحقاً مرتبطاً بشخصية الحاج رمضان. كان ذلك في طريق المشاية في العراق، حين ناداه أحد الأشخاص باسمه المعروف، فلفت الأمر انتباهها. وبعد انتهاء المسيرة، عادت لتسأله عن الاسم، ليجيبها بطريقة بسيطة أن الأسماء جزء من طبيعة العمل، وهنا تضيف: " عرفت بشخصيته لاحقاً، بعد عدة سنوات، بعد ثلاث أو أربع سنوات، وكانت بطريقة الصدفة عندما عرفت باسم "الحاج رمضان"، يومها كنا في العراق على طريق المشاية، وفي أحد المواكب نادى شخص يعرفه بإسم الحاج رمضان،اقترب وسلم عليه وقال: "السلام عليكم حاج رمضان". فلفت انتباهي هذا الاسم. بعد سألته: "من هو الحاج رمضان؟ وما هي القصة؟" فضحك وقال: "نحن في عملنا عندنا اسمين، فالعسكري لقبي". سألته لماذا رمضان، اجاب لا اعرف، فجأة طلب مني اسم واخترت اسم الحاج رمضان".

 

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

 

حقيقةٌ مؤجلة... حين بقي الأب سراً في عيون أبنائه

لكن ما كان محاطاً بالسرية بالنسبة إلى الزوجة، كان أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الأطفال. فالحاج رمضان لم يكن يريد أن تصل حقيقة هويته إليهم في وقت مبكر، ولذلك عاش أولاده سنواتهم الأولى في سوريا وهم يعتقدون أن والدهم سوري، وأن سفره المتكرر ليس سوى جزء من طبيعة عمله.

ومع مرور الوقت، بدأت الإجراءات الأمنية المحيطة بحياتهم تترك أسئلتها الخاصة؛ أماكن تتغير، وهواتف تغيب في بعض الظروف، ووسيلة التواصل نفسها تتحول أحياناً إلى رسائل مكتوبة.

ومن هنا نفتح جانباً آخر من هذه الحياة التي عاشها الحاج رمضان بعيداً عن الأضواء: هل كان أولاده يعرفون حقيقة والدهم، أم أن السرية التي أحاطت به امتدت إليهم أيضاً؟ وتوضح السيدة زهراء أن الأطفال لم يكونوا يعرفون الحقيقة في سنواتهم الأولى، وأن الصورة التي عاشوا عليها كانت مختلفة تماماً عن حقيقة والدهم. كانوا يرونه أباً يسافر بحكم عمله، ويعيشون حياة طبيعية في سوريا، إلى أن بدأوا مع الوقت يكتشفون أن هناك شيئاً غير عادي في طبيعة حياتهم، وأن الإجراءات الأمنية ليست تفصيلاً عابراً، بل جزء من يوميات الأسرة، فتقول: "لا، عندما كنا نعيش في سوريا لم يكن الأولاد يعرفون، كانوا يعرفون في الأساس أن جنسيتهم سورية ويعيشون بشكل طبيعي، وأبوهم بيسافر لأن شغله يتطلب السفر، ولكن بعد فترة، عرفوا الأولاد أن أبوهم ليس سورياً، وصاروا يلاحظون أن الإجراءات الأمنية صعبة نوعاً، وبع لاأماكن لا نستطيع الحديث فيها، وبعض الأماكن لا يوجد معنا هواتف، والتواصل عن طريق الرسائل الورقية".

 

خارج أبواب المنزل قائد... وداخله إنسان يعكس ما في قلبه

إذا كانت صورة الحاج رمضان خارج المنزل مرتبطة بالهدوء والسرية والمسؤوليات الكبيرة، فإن صورته داخله كانت تقوم على شيء آخر تماماً؛ البساطة والتواضع. وهي صفات لم تكن بالنسبة إليه شعارات أو كلمات تُقال، بل سلوكاً يومياً يظهر في أبسط تفاصيل حياته، وفي الطريقة التي كان يتعامل بها مع أفراد أسرته وكل من يدخل منزله، مهما كان موقعه أو دوره. وكان الأهم أنه لم يكن يكتفي بأن يعيش هذا التواضع بنفسه، بل كان يحرص على أن يتحول إلى قيمة يتعلمها أولاده من خلال الممارسة.

ومن هنا، يصبح الحديث عن تواضع الحاج رمضان أكثر وضوحاً حين نستعيد التفاصيل الصغيرة التي بقيت في ذاكرة السيدة زهراء؛ تفاصيل ربما تبدو عادية، لكنها تكشف الكثير عن شخصية الرجل داخل منزله، وعن نظرته إلى الإنسان بعيداً عن الأسماء والمواقعف. نحن عرفنا الحاج رمضان بـ"حاج فلسطين" بعد استشهاده المحاور، ونسمع كثيراً عن ذكائه الحاد، وهدوئه، وصبره، وإيمانه، وتواضعه الشديد، لكن ان نسمعها من زوجته بشكل مباشر تكون أكثر أثراً، سيما لمس هذه الصفات من خلال حياته الشخصية داخل البيت، ومع العائلة والمحيط.

تستعيد السيدة زهراء هنا واحدة من تلك التفاصيل التي تختصر الكثير من شخصية الحاج رمضان. فحتى مساعدة المنزل، مريم، لم يكن يسمح بأن تشعر بأنها مختلفة عن أفراد الأسرة، بل كان يصر على أن تكون جزءاً من البيت، وأن تجلس معهم إلى المائدة، وأن تحظى بالاحترام نفسه. وحتى في تفاصيل الطعام والهدايا، كان حضورها بالنسبة إليه أمراً طبيعياً لا يحتاج إلى تبرير، تقول:

"كان عندنا مساعدة بالبيت، اسمها مريم. كان ينبهنا ويقول: "مريم هي فرد من أفراد العائلة". كانت تجلس معنا على طاولة الطعام. إذا سافرنا، الهدية الأولى كانت لمريم.

في شهر رمضان، كنت أسأله عن الإفطار فكان يطلب أن نسأل مريم، كانت مريم هي التي تقرر ماذا سنأكل كل يوم، وايضاً عندما كان يزورونه الشباب، لا سيما عندما يصلون وقت الغذاء أو الإفطار، لم يسمح لأحد ان يخرج دون أن يجلس مع عائلته على طاولة الإفطار.

 ولم يكن هذا التعامل مجرد صورة من صور التواضع الشخصي، بل كان جزءاً من التربية التي أراد الحاج رمضان أن يتركها في أولاده. كان يحوّل الموقف اليومي إلى درس في احترام الآخرين، ويؤكد لهم أن قيمة الإنسان لا تحددها وظيفته أو مكانته أو اسمه، وأن التواضع يبدأ من الطريقة التي نتعامل بها مع من هم حولنا.

وتتابع السيدة زهراء، مستحضرةً الطريقة التي كان يرسّخ بها هذه القيم في نفوس الأطفال: "كان جداً متواضعاً وبسيطاً، حتى كان ينبه الأولاد: "لمريم احترام واجب، ويجب علينا جميعاً مساعدتها، فكان يربي الأولاد على أن جميعاً سواسية، لا فرق ولا اختلاف إلا بالتقوى، بل كان يعمل على المقارنة بينهم من خلال الصلاة والصيام  وليس بالأشخاص أو بالمذاهب، كان يربي الأولاد على هذا التواضع."

 

خلف صرامة الميادين... رجل من رحمة

هذا التواضع والبساطة يفتحان على مفارقة أساسية في شخصية الحاج رمضان؛ الرجل الذي كان الآخرون يرونه قائداً شديداً وصارماً، بينما كانت زوجته تراه بصورة مختلفة تماماً. وهنا يظهر الفرق بين الحاج رمضان الذي عرفه محيط العمل، والحاج رمضان الذي عرفته عائلته خلف الأبواب المغلقة؛ حيث تسقط صرامة الميدان، ويظهر الإنسان بكل هدوئه وحنانه وبساطته.

ورغم حجم المسؤوليات التي كان يحملها، وكونه قائداً كبيراً، كيف كان داخل المنزل وكيف كانت تشعر بحجم المسؤوليات؟

تقول السيدة زهراء إن صورة الحاج رمضان داخل المنزل كانت بعيدة تماماً عن الصورة التي كان ينقلها بعض الشباب الذين عملوا معه. فلم تكن ترى ذلك الرجل العصبي أو الصارم الذي كانوا يتحدثون عنه، بل كان حضور الأب والزوج والإنسان هو الطاغي على تفاصيل الحياة اليومية. حتى إنها كانت تستغرب عندما تسمع ممن كانوا حوله أنه سريع الغضب أو قليل الابتسام، لأنها لم تكن تعرف هذا الوجه منه، وتقول: " كان إنساناً وأباً وزوجاً. في بداية زواجي، كنت اتفاجأ عندما يقول لي بعض الشباب الذين كانوا حول الحاج رمضان مثلاً بأن الحاج عصبي، يغضب  ولا يضحك، كنت اسأل بإستغراب: عن من تتحدثون؟ أنا لا أرى هذا في البيت"."

ولم تكن المسألة بالنسبة إليها مجرد اختلاف في الانطباع، بل كانت تعيش في المنزل شخصية تكاد تكون نقيض الصورة التي عرفها الآخرون عنه. فمهما كانت المسؤوليات التي يحملها خارج البيت، كان قادراً على أن يترك ثقلها خلف الباب، ويدخل إلى أسرته بروح مختلفة؛ يضحك، ويمنحهم الحنان، ويتعامل مع مشكلاتهم بهدوء، مؤمناً بأن لا مشكلة تستحق أن تتحول إلى يأس.

وتضيف السيدة زهراء، مستعيدة طريقته في التعامل مع أبسط الأزمات داخل المنزل: "كان دائماً يضحك، وكان كثير الحنان. لم أره غاضباً أبداً. مهما كانت المشكلة في البيت، كان دائماً يأخذها ببساطة، ويقول: كل شيء له حل، ولا يوجد شيء ليس له حل". حتى إذا انكسر شيء في البيت، كان يضحك ويقول: "هذا يمكن إصلاحه، وسيصبح جيداً". لقد عودنا في هذه الحياة على أن لكل شيء حلاً."

ولعل هذه العبارة الأخيرة تختصر جانباً أساسياً من الشخصية التي عرفتها عائلته؛ رجل لم يكن يسمح للمشكلة بأن تكبر في نفوس من حوله، وكان يحوّل حتى التفاصيل الصغيرة إلى درس في الصبر والأمل والثقة بأن الأبواب لا تُغلق أمام من يبحث عن الحل.

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

فلسطين... حين تصبح القضية تربية

ومن الرجل الذي كان يزرع الطمأنينة داخل البيت، يعود الحوار إلى القضية التي لم تكن تغادر وجدانه؛ فلسطين. فإذا كان الحاج رمضان قد حمل ملف فلسطين لسنوات، فإن الأهم هو كيف تحولت هذه القضية إلى جزء من الحياة اليومية لعائلته، وكيف كان ينقلها إلى أطفاله بعيداً عن لغة الشعارات، فننتقل بالحديث عن الحاج رمضان وفلسطين والمقاومة، الرجل الذي ارتبط اسمه بفلسطين، وصاحب القضية الفلسطينية، وحامل ملف فلسطين منذ مطلع التسعينيات في القرن الماضي، والرجل الذي حمل فلسطين الى بيته وعائلته ووجدانه بكل تفاصيلها.

تخبرنا زوجة الشهيد كيف كانت فلسطين حاضرة في البيت بصورة لا تحتاج إلى كثير من الشرح. وتستعيد موقفاً من فترة ما بعد طوفان الأقصى، حين كان عيد ميلاد ابنها قريباً، لكن الحاج رمضان أراد أن يفهم الطفل أن هناك أطفالاً يعيشون الموت والحصار، وأن الاحتفال لا يمكن أن يكون منفصلاً عن ألمهم، قائلة: كانت فلسطين دائماً موجودة معنا، خصوصاً بعد طوفان الأقصى، في ذلك الوقت اقترب عيد ميلاد ابني، فأخبره الحاج أنه في هذه الفترة لن نقيم عيد ميلاد، لأن هناك أطفالاً في غزة يستشهدون".

وتشير إلى أن الرسالة بقيت مع الطفل حتى بعد عودتهم إلى سوريا، حيث رفض بنفسه فكرة الاحتفال، بعدما فهم أن ما يحدث لأطفال غزة يجب أن يعنيه هو أيضاً.

تضيف: "كان ابني صغيراً جداً، فعندما عدنا إلى سوريا أخبر والديّ بأنه لا يريد أن يحتفل بعيد ميلاده، لأن أطفال غزة يستشهدون". فسألوه: "من أخبرك أن أطفال غزة يستشهدون؟" فقال: "بابا أخبرني، وقال إن الاحتفالات ممنوعة حالياً".

وتوضح أن الحاج رمضان لم يكن يريد أن يزرع الحزن في نفوس الأطفال، بل المسؤولية؛ أن يشعروا بالآخرين، وأن يعرفوا أن الظلم لا يصبح أقل أهمية لأن ضحاياه يعيشون في مكان بعيد، وفي هذا تقول: "كان يوصل الفكرة بطريقة معينة إلى الطفل، بحيث لا يشعر بالحزن، بل يشعر بالمسؤولية، ويجعله يشعر أننا يجب أن نشعر بأطفال غيرنا، وأن نشعر بالناس الذين يتعرضون للظلم".

 

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

الشهداء... إرث المسيرة وامتداد الحكاية

وهذا الإحساس بالمسؤولية لم يتوقف عند أطفال غزة، بل امتد إلى علاقة الحاج رمضان بالشهداء وعائلاتهم. فكان يرى في الشهادة منزلة يتمنى صاحبها، لكنه في الوقت نفسه كان يعيش وجع العائلات التي تخسر أبناءها، ويشعر أن مسؤوليته تجاههم لا تنتهي عند لحظة الاستشهاد. وهنا نتوقف عند نظرة الحاج رمضان الى المقاومة في فلسطين، وإلى الشهداء في فلسطين، وإلى عائلات الشهداء، فتقول السيدة زهراء إن الحاج رمضان كان حنوناً جداً تجاه أطفال الشهداء، وكان يحمل ثقة كبيرة بالمجاهدين وبأنهم سيواصلون الطريق نحو الانتصار. لكنه عندما يسمع باستشهاد أحدهم، كان يعيش مشاعر مزدوجة؛ يبارك للشهيد ويقول "هنيئاً له"، وفي داخله ألم كبير تجاه عائلته: "كان يشعر بالخجل من عائلاتهم لأن لديهم شهيداً. وكان دائماً يوصي بعائلات الشهداء".

ومن هنا يصبح السؤال عن التربية أكثر عمقاً: كيف كان يحوّل هذا الإحساس بالشهداء وفلسطين والمظلومين إلى مفاهيم يعيشها أولاده، لا إلى مجرد أحاديث يسمعونها؟

تستعيد السيدة زهراء واحدة من الأفكار الأساسية التي كان الحاج رمضان يكررها أمام أولاده: أن الإنسان خُلق ليكون مع المظلوم ضد الظالم، وأن هذه المسؤولية لا ترتبط بالهوية أو الجنسية أو الطائفة. ومن هذا المدخل، كان يشرح لهم معنى العدو المشترك، ويضع فلسطين والمقاومة ضمن هذه الرؤي، تضيف: "كان دائماً يقول للأولاد إن الله خلقنا في هذه الدنيا لكي نكون مع المظلومين ضد الظالم، ولدينا في هذه الحياة مهمة، ويجب أن ننجزها، وهي الوقوف دائماً مع المظلومين في أي مكان، بغض النظر عن هويته أو جنسيته أو طائفته. إذا كان هناك مظلوم، يجب أن نقف معه، فعدونا مشترك، شارحاً للأولاد أن العدو المشترك هو "إسرائيل"، وأن "إسرائيل" ستزول حتماً. وكان بهذه الطريقة يشرح للأولاد من هو عدوّنا، ومع من يجب أن نكون".

 

إيران... القلب العابر للحدود

ومن فلسطين التي سكنت وجدانه، ينتقل الحوار إلى إيران، التي لم يرها الحاج رمضان منفصلة عن مشروع المقاومة أو عن قضية فلسطين. فقد كانت الجمهورية الإسلامية بالنسبة إليه أكثر من وطن؛ كانت، كما تصفها زوجته، "القلب"، والبلد الذي رأى فيه امتداداً لفكرة نصرة المظلومين، فنتحدث معها عن الحاج رمضان وإيران، وهو الذي عندما طلبها للزواج عرّف نفسه بـ "جندي صغير عند الإمام والسيد القائد والسيد حسن نصر الله"، ولأن السيد القائد هو الثورة الإسلامية، كان السؤال عن ارتباطه بالثورة الإسلامية في إيران وبمشروع الدعم لفلسطين ومفهوم ايران داخل البيت.

تقول السيدة زهراء إن إيران كانت حاضرة في حديث الحاج رمضان مع أولاده، لا بوصفها بلداً يرتبط به فقط، وإنما باعتبارها جزءاً من رؤيته للعالم وللمقاومة ونصرة المستضعفين. وكان يقول لهم إن الجمهورية الإسلامية هي البلد الذي يفترض أن يعيشوا فيه مستقبلاً، وإن علاقتهم بها ترتبط أيضاً بولاية الفقيه: "إيران كانت القلب بالنسبة إليه، كان دائماً يقول للأولاد إن الجمهورية الإسلامية هي البلد الأساسي الذي يفترض أن يعيشوا فيه بعد فترة، تحت ولاية الفقيه. وكان يقول إن هذا البلد مثل الأم الحنونة. أينما يوجد مظلوم، تبقى إيران هي التي تساعد."

وتضيف أن الحاج رمضان كان يرى في الدعم الذي تقدمه إيران لفلسطين وسوريا ولبنان وغيرها امتداداً لهذا الدور، وكان يعتبر أن ما يجمع هذه الساحات هو وجود مظلومين ومستضعفين يحتاجون إلى من يقف إلى جانبهم، تضيف: "كنا نشهد أنها تساعد فلسطين وسوريا ولبنان وأفريقيا، وفي كثير من المناطق التي يوجد فيها مظلومون ومستضعفون. وكان الحاج يقول دائماً إن البلد الوحيد الذي وقف إلى جانب هؤلاء هو إيران. كان قلبه قلب إيران."

إذاً، لم يكن دعم فلسطين منفصلاً عن الوفاء للثورة الإسلامية، بل كان الاثنان عنواناً واحداً في رؤيته؛ مقاومة واحدة في مواجهة عدو واحد، وساحات متعددة تتكامل في ما بينها، تقول :"كان يحمل المفاهيم حتى داخل المنزل ويحاول أن يقدمها للأولاد بأسلوبه الخاص".

وحول ما اذا كان يرى أن خدمته لقضية فلسطين هي في الوقت نفسه وفاء للثورة الإسلامية في إيران؟ تجيب السيدة زهراء بأن الحاج رمضان كان يرى الأمور بهذه الصورة تحديداً، وأنه لم يكن يفصل بين إيران وفلسطين ولبنان، بل كان يرى أن العنوان واحد، وأن وحدة الساحات هي شرط أساسي لمواجهة العدو: " كان يذكر لنا أن عدونا واحد، والعدو الأساسي لإيران هو "إسرائيل"، وهناك مقاومون في فلسطين، وهناك مقاومون في لبنان، ولذلك يجب أن نكون يداً واحدة حتى نستطيع الانتصار على العدو.

 

الثورة الإسلامية راية القوة والإنتصار

وإذا كانت إيران في وجدان الحاج رمضان مرتبطة بالثورة الإسلامية، فإن الحديث عن هذه الثورة يقود حكماً إلى الإمام الخميني، الذي كان حاضراً في أحاديثه مع أولاده، بوصفه صاحب المشروع الذي رأى فيه نقطة تحول تاريخية، قبل أن يرى في الإمام الخامنئي من حمل الراية وأكمل الطريق.

 فقد كان الحاج رمضان يتحدث لأولاده عن الإمام الخميني وعن الثورة الإسلامية بوصفها حدثاً غيّر واقعاً كاملاً، وكان يؤكد أن ما قام به الإمام أعاد للإسلام حضوره، ثم يربط ذلك باستمرار المسيرة مع الإمام الخامنئي: " كان يقول لولا الإمام الخميني لما كان الإسلام موجوداً بهذا الشكل، وكان يتحدث دائماً عن الثورة القوية التي قام بها الإمام الخميني، والتي أبقت الإسلام حاضراً إلى اليوم. وكان يقول إن الإمام القائد، الإمام الخامنئي، حمل الراية وأكمل هذا المسير.

 

في حضرة القائد... يصبح الإصغاء مسيراً

لكن علاقة الحاج رمضان بالإمام الخامنئي لم تكن بالنسبة إلى زوجته مجرد حديث عن شخصية قيادية، بل كانت ترى أثر اللقاءات به في طريقة عودته إلى المنزل، وفي ابتسامته وحضوره. وكان احترامه لهذه اللقاءات يصل إلى حد أنه لم يكن يرى نفسه ذاهباً ليطرح الأسئلة، بل ليستمع إلى كل كلمة. وفي سؤال عن الإمام القائد الذي حمل الراية وماذا اذا كان يذكر بعض المواقف أو اللقاءات مع الشهيد السيد علي الخامنئي؟

تستعيد السيدة زهراء هذه التفاصيل، وتقول إنها كانت تستطيع أحياناً أن تعرف من أين عاد الحاج رمضان بمجرد دخوله إلى البيت، من طريقة مشيته وابتسامته. وكانت تسأله إن كان قد التقى بالسيد حسن أم بالإمام القائد، فيجيبها ضاحكاً. وحين سألته يوماً عمّا كان يفكر فيه وهو يجلس مع شخصية بهذا المستوى، جاءها جوابه كاشفاً عن حجم الإصغاء الذي كان يحمله تجاهه.ثم تستعيد جوابه الذي يلخص نظرته إلى تلك اللقاءات: " نظر إليّ مستغرباً ...أيعقل أن أكون عند الإمام القائد وأضيّع وقتي في طرح الأسئلة؟ فوجودي هناك كان من أجل أن أستمع، وألا أضيّع ثانية واحدة، لأن كل حرف ينطق به الإمام القائد مهم، وأريد أن أسمع كل كلمة منه".

 

إيران... أمّاً للراية وقلباً للقضية

وهذا الحضور للإمام القائد والثورة الإسلامية في حياة الحاج رمضان يعيد السؤال إلى العلاقة بين إيران وفلسطين؛ هل كان يراهما قضيتين منفصلتين، أم أنه كان يرى أن العلاقة بينهما جزء من رؤية واحدة للمنطقة والمستقبل؟

تقول السيدة زهراء إن الحاج رمضان لم يكن يرى أي فصل بين القضيتين، بل كان يعتبرهما جزءاً من منطق واحد، في مواجهة عدو واحد، ومن أجل قضية يرى أنها تتجاوز الحدود: "كان يراهما شيئاً واحداً، منطق واحد، وقضية واحدة، ومظلومية واحدة، وعدو واحد. ولذلك لم يكن يتجزأ هذا الموضوع أبداً."

وهذا الاختصار يقود إلى السؤال الأكثر مباشرة عن طبيعة علاقته بإيران؛ هل كانت علاقة رجل بوطنه، أم علاقة مؤمن بثورة، أم أنها كانت بالنسبة إليه شيئاً أعمق من الاثنين؟

تختصر السيدة زهراء هذه العلاقة بكلمة واحدة؛ الأم. فإيران، كما تصفها، كانت بالنسبة إلى الحاج رمضان بلداً يحمل معنى الأم، وكانت علاقته بها متداخلة مع علاقته بالثورة وبولاية الفقيه، بحيث لم يكن يرى إمكانية الفصل بين هذه المعاني: "إيران بالنسبة إليه كانت الأم، كان يرى إيران بلداً مثل الأم، وهذه العلاقة لا تنفصل عن الثورة، وكان دائماً يقول للأولاد إذا أردتم أن تعيشوا في إيران، فعليكم أن تعيشوا تحت راية وولاية الفقيه"، وكان لا يفصل بين الأمرين أبداً.

 

في كل اسم حكاية... أسماء كتب بها الحاج رمضان ذاكرته

حتى أسماء الأطفال في هذه العائلة لم تكن بعيدة عن هذه الذاكرة الدينية والوجدانية التي حملها الحاج رمضان. فكل اسم اختير لسبب، وكل ولادة ارتبطت عنده بمكان أو ذكرى أو محبة دينية عميقة، وفي الحديث عن الطفلين فاطمة المعصومة ومحمد حسين واختيار الأسماء، تشرح السيدة زهراء أن اسم فاطمة معصومة ارتبط بمكان ولادتها في مدينة قم، وقربها من حرم السيدة المعصومة، إضافة إلى قرب ولادتها من ذكرى ولادتها. أما محمد حسين، فكان الاسم الذي حمله الحاج رمضان منذ سنوات كأمنية ونذر مرتبط بمحبة الإمام الحسين: "ولدت فاطمة معصومة في قم، بالقرب من حرم السيدة المعصومة، وكانت ولادتها قريبة من ذكرى ولادة السيدة فاطمة المعصومة، ولذلك سميت فاطمة معصومة. أما محمد حسين، فمنذ فترة طويلة كان الحاج يقول لي: "لدي نذر، وأتمنى أن يرزقني الله أولاداً، وقد نذرت أن أسميه محمد حسين، لعشقي للإمام الحسين". كانت لديه علاقة قوية جداً بالإمام الحسين.

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

الحاج قاسم... أثر باق وغياب حاضر

ومن أسماء الأطفال إلى الأشخاص الذين ارتبطوا مباشرة بذاكرة العائلة، يبرز اسم الحاج قاسم سليماني، الذي لم يكن بالنسبة إلى الحاج رمضان مجرد رفيق في الطريق، بل كان حاضراً في تفاصيل الأسرة، وفرحاً بولادة الأطفال، ومشاركاً في بعض أكثر لحظاتها خصوصية، لنسال عن التواصل بين الحاج رمضان والحاج قاسم سليماني والهدايا التي كان يهديها لهم الحاج قاسم، وخصوصاً عند ولادة الطفلين.

هنا تأخذنا زهراء الى العلاقة بينها، وتخبرنا عن سعادة الحاج قاسم بأن أصبح للحاج رمضان أطفال، وتبريكه لهما بفاطمة ومحمد حسين، واتصاله الأخير ليبارك بولادة محمد حسين، واعداً بأن يزوره ويحمله بين يديه بعد عودته من العراق :"كان الحاج قاسم سعيداً جداً عندما أصبح لدى الحاج رمضان أطفال. وكان دائماً يبارك لنا بفاطمة وبمحمد حسين. وحتى في الفترة الأخيرة، اتصل وبارك للحاج رمضان ولادة محمد حسين، وقال له إنه سعيد جداً لأنه أصبح لديه ولدان. وقال له: "سأسافر إلى العراق، وإن شاء الله بعد عودتي من العراق سأزوركم وأحمل محمد حسين بيدي". لكن للأسف، لم يعد الحاج قاسم من العراق.

لكن العلاقة لم تكن فقط كلمات وتهاني، بل حملت معها هدايا ذات معنى ديني وروحي بقيت في ذاكرة العائلة. ومنها: " عندما ولدت ابنتي فاطمة، أعطانا قطعة من القماش متبركة من حرم الإمام الرضا، وتربة حسينية. وأوصى الحاج رمضان بأنه عندما تحمل فاطمة، يضع في فمها شيئاً من تربة الإمام الحسين".

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

   إنها من يدِ السيد... وما بين اليد والهدية حكاية

   وإذا كان الحاج قاسم حاضراً في ذاكرة العائلة من خلال تلك التفاصيل، فإن السيد حسن نصر الله كان له أيضاً حضور خاص، من الهدايا الخاصة إلى الأسرة، كالقرآن والدعاء والسجادات والهدايا التي كانت تصل إلى السيدة زهراء خلال الحمل.

فبعد الحديث عن الحاج قاسم سليماني، صديق الحاج رمضان العزيز، رفقاء الدرب والطريق والشهادة، توقفنا عن هدايا السيد حسن نصر الله لهم، وهنا تستذكر السيدة زهراء تفاصيل من بدايات زواجها، حين أهدى إليها السيد حسن قرآناً ودعاء، ثم واصل إرسال الهدايا عندما عرف بحملها، وكانت تصلها على يد الحاج رمضان محمّلة بمعنى التبرك والمحبة: "في بداية زواجي من الحاج رمضان، أهداني السيد حسن قرآناً مكتوباً، ودعاءً صغيراً لي وللحاج. وبعد أن عرف أنني حامل، كان يرسل مع الحاج محرمة فيها قطع من الزبيب والتمر والجوز واللوز، ويقول لي رمضان: "هذه من يد السيد حسن، قرأ عليها دعاء، لكي تأكلي منها وأنت حامل، تبركاً".

ولم تتوقف الهدايا عند ذلك، بل كانت سجادة الصلاة حاضرة أكثر من مرة، إلى أن وصلت آخر سجادة، التي أراد الحاج رمضان أن تكون للسيدة زهراء تحديداً، باعتبار أنها هدية من السيد حسن.

 

رجال الله في لبنان... جبال ثابتة في جنوبه

لكن فلسطين لم تكن وحدها في مسيرة الحاج رمضان، وإيران لم تكن وحدها في رؤيته للمقاومة. فلبنان والمقاومة كانا جزءاً أساسياً من المشهد الذي عمل عليه طوال سنوات، وكانت علاقته بالمقاومين في لبنان تقوم على احترام كبير للشباب الذين رأى فيهم صورة مختلفة من الصمود والتضحية، فكيف كان يتحدث عن المقاومة في لبنان، وعن الشهادة، وعن شهادة السيد حسن، وعن الجرحى والمقاومين والاحتلال الإسرائيلي للبنان؟

تخبرنا زهراء كيف كان الحاج رمضان ينظر إلى شباب المقاومة نظرة مختلفة، وكيف كان يرى فيهم نموذجاً استثنائياً للشباب القادرين على الصمود في أصعب الظروف، إذا كان يصفهم بالقوة والجبال الثابتة، ويستعيد صور صمودهم في جبال الجنوب: "كان ينظر إلى شباب المقاومة نظرة قوية جداً. كان يقول إن شباب المقاومة متميزون، وإن شباب المقاومة ليسوا مثل بقية الشباب. كان يقول إنهم أقوياء، ولا يعرفون التعب، ولا الجوع، ولا البرد، ولا العطش. وكانوا يصمدون في جبال الجنوب، ويصفهم بالجبال الثابتة".

لكن هذه القوة لم تكن تمنع الحزن. فعندما كان يسمع باستشهاد أحد الشباب، كان يتألم لفقدان واحد من هؤلاء الذين يعتبرهم أبناءه ورفاقه في الطريق، وإن كان في الوقت نفسه يرى الشهادة توفيقاً عظيماً.

 

على طريق فلسطين... حاج فلسطين في فلسطين

ومن لبنان إلى العلاقة مع فلسطين، يظهر جانب آخر من رؤية الحاج رمضان؛ فهو لم يكن يرى الساحات منفصلة، بل كان يعتبر أن القضية الفلسطينية تتقاطع فيها ساحات المقاومة، وأن وحدة هذه الساحات هي جزء من المعركة التي آمن بها.

وحول كيف كان يرى أن طريق فلسطين لا يمر بفلسطين وحدها، بل تتقاطع فيه ساحات المقاومة في المنطقة، كيف كان ينظر إلى العلاقة بين المقاومة في لبنان والمقاومة الفلسطينية، وإلى تكامل هذه الساحات في الدفاع عن فلسطين والقدس، توضح حمادة أن الحاج رمضان كان يعتبر هذا التكامل جزءاً أساسياً من عمله، وكان يحرص على التواصل مع المقاومين الفلسطينيين واللبنانيين، انطلاقاً من اعتقاده بأن الجميع يتحركون ضمن قضية واحدة، وأن وحدة الهدف تفرض وحدة الجهد: "كان يرى أنها جزء لا يتجزأ. وبما أن العدو واحد، كان الحاج رمضان يعمل دائماً لقاءات مع المقاومين الفلسطينيين واللبنانيين، حتى يكونوا يداً واحدة".

وتضيف أن هذا المعنى كان يظهر أيضاً في بعض اللقاءات والمناسبات التي كان يظهر فيها مع الإمام القائد إلى جانب الفصائل الفلسطينية واللبنانية، حيث كان يرى في الجميع امتداداً واحداً لقلب المقاومة: " كان يعتبر أن الجميع قلب واحد، وأن العدو واحد".

وحين يصبح الحديث عن رجل حمل ملف فلسطين لعقود، يصبح السؤال عن فلسطين نفسها داخل حياته الشخصية أمراً طبيعياً، حتى لو كانت الإجابة محكومة دائماً بالسرية.هل زار فلسطين؟ هل لديكِ علم بذلك؟

كانت إجابة الحاج رمضان، كما تستعيدها زوجته، تحمل من الطرافة بقدر ما تحمل من الإيحاء، فحين سألته عمّا اذا زار فلسطين يوماً: "ضحك وقال لي لماذا تسألين كثيراً؟"

 

قلب القائد... أمانة أولاد الشهداء

لكن كل ما سبق يبقى خارج الصورة الأهم التي تريد السيدة زهراء استعادتها؛ صورة الأب. فالحاج رمضان الذي عرفه الناس قائداً، عرفته العائلة أباً، ولم يكن أباً لأطفاله البيولوجيين فقط، بل احتضن أيضاً ابنتي زوجته الشهيد الأول، وفتح لهما قلبه منذ اللحظة الأولى. فهو الذي كان يتعطش لفكرة الأولاد، وكان يحب أن يكون لديه أطفال ليكملوا طريق المقاومة، وأن يكون له أثر من حياته. العالم كله عرف الحاج رمضان قائداً، لكن الأولاد عرفوه أباً حنوناً، فكيف كان الأب محمد مع الأولاد، وكيف كان يتابع حياتهم اليومية،وكيف كان يتعامل أيضاً مع الطفلتين من الشهيد؟

عندما تزوجت السيدة حمادة من الحاج رمضان، كانت آية وليان لا تزالان طفلتين صغيرتين، وقد فقدتا والدهما الأول في سن مبكرة جداً. لذلك، فتحَتا عيونهما على الحاج رمضان بوصفه الأب الذي يعرفانه، ولم تشعرا أنه رجل دخل حياتهما بصفته زوج الأم، بل أباً بكل معنى الكلمة: "عندما تزوجت الحاج رمضان، كانت آية وليان بعمر أربع سنوات وسنتين، فتحَتا عيونهما على أنه أبوهما، لأن والدهما استشهد عندما كانت ليان في عمر عشرين يوماً، وكانت آية في عمر سنتين، فلم يكن لديهما وعي بوالدهما الأول، وعرفتا أن "بابا" هو الحاج رمضان، وأن باباهما هو محمد سعيد إيزدي".

وتكشف السيدة زهراء أن الحاج رمضان كان يخشى حتى من أن تتغير مشاعره تجاههما بعد أن يُرزق بأطفاله، لذلك كان يدعو الله ألا تصبح محبته لطفله أكبر من محبته لليتيمتين اللتين دخلتا حياته قبل ذلك، وهنا تضيف: " عندما عرف أنني حامل، كان يبكي ويدعو رب العالمين ويقول: "يا رب، لا تجعل محبتَي لابني أو ابنتي أكبر من محبتي لهاتين اليتيمتين".

وبعد ولادة فاطمة، لم يتغير هذا الشعور، بل بقيت آية وليان في مكان متقدم جداً في قلبه، وكان يحرص على ألا تشعران بأي فرق بينهما وبين ابنته، معتبراً ان هذا الحنان  سبباً في توفيقخ بأن الله رزقه اولاداً. تخبرنا حمادة : "وبعد أن أصبح لدي طفل، لم يكن يفرّق بينهما أبداً. وعندما جاءت فاطمة، لم يكن يفرق بينها وبينهما، بل على العكس، كان يهتم بآية وليان أكثر من ابنته. كنت أقول له انه ربما تكبر ابنتي وتشعر بهذا الفرق في التعامل، فيجيبني أنه لديه آية وليان أولاً، وبعدهما فاطمة ابنتنا".

 

 في آية... إرث إيماني وامتداد سيرة

وبعد كل هذه التفاصيل، لا يبقى الحاج رمضان في ذاكرة زوجته مجرد رجل حمل مسؤوليات كبيرة، بل إنساناً ترك وراءه طريقة في النظر إلى الناس، وإلى الشهداء، وإلى الأطفال، وإلى المظلومين. ولذلك، يصبح السؤال عمّا تعلمته منه سؤالاً عن الإرث الإنساني الذي تركه فيمن عاشوا معه.

تقول السيدة زهراء إن أول ما تعلمته من الحاج رمضان هو التواضع والحنان، لكنها سرعان ما توسع الدائرة لتتحدث عن درس آخر تركه فيها: الإصغاء إلى وجع الناس، والبحث عمن يحتاج إلى الرعاية، خصوصاً الأيتام وأولاد الشهداء: "الكلام الجميل. كان دائماً الحنان الذي لا حدود له. وتعلمت أن أستمع إلى مشاكل الناس، وأن أستمع إلى وجعهم. كان الحاج رمضان، أينما سمع أن هناك شخصاً لديه مظلومية، يحاول بكل الطرق أن يساعده، وأن يرفع عنه هذا الظلم. وتعلمت منه الرأفة بالناس، وبالأيتام، وبأولاد الشهداء".

فنذهب معها بالذاكرة لنتعرف كيف كان الحاج رمضان يعتبر رعاية عائلات الشهداء مسؤولية شخصية، فيزور من يستطيع زيارتهم، ويدعو من لا يستطيع الوصول إليهم إلى مكتبه، ويبقى على تواصل مع أولادهم، حتى في ظل ظروفه الأمنية الصعبة: "دائماً كنت أفكر: من يحتاج إلى رعايتهم؟ من يسأل عنهم؟ من يجعلهم لا يشعرون بأنهم وحدهم؟ وكان الحاج رمضان أهلاً لهذا الأمر. كان دائماً يزور بعض عائلات الشهداء التي يستطيع زيارتها، ومن لا يستطيع زيارتها كان يدعوها إلى مكتبه. وكان دائماً على تواصل مع أولاد الشهداء".

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

حتى تواصله مع الأطفال لم يكن عادياً؛ ففي الظروف التي لم يكن فيها الاتصال الهاتفي ممكناً، كانت الرسائل المكتوبة وسيلة تصل من خلالها أسئلته ومتابعته واهتمامه: " كانوا يتواصلون معه عن طريق رسائل مكتوبة، تُرسل عن طريق الشباب حتى تصل إلى يد الحاج رمضان".

ولم تكن هذه الرسائل مجرد تحية أو اطمئنان، بل كان يتابع من خلالها الدراسة والصلاة والحياة اليومية، ويحرص على أن يكون أولاد الشهداء متفوقين في دراستهم، ملتزمين في صلاتهم، وأن يشعروا بأن هناك من يتابعهم ويهتم بهم.: "وكان دائماً يصر على أن يكون الأولاد متفوقين في الدراسة. وكان يسأل عن الصلاة في كل رسالة، ويكتب لهم: "كيف صلاتكم؟ لا تؤخروا الصلاة".

وعندما كبرت فاطمة، لم تكن القدوة التي يقدمها لها والدها بعيدة؛ كان يشير إليها إلى آية، ويطلب منها أن ترى فيها نموذجاً لما يريد لها أن تكون عليه، حتى أصبحت آية نفسها تحمل شيئاً من أثر الحاج رمضان في عبادتها وسلوكها: "عندما تكلفت فاطمة، كان يقول لها: "كوني مثل آية"، لأن آية هي التي صنعها، والتي رآها قدوة لها، وهي التي نشأت على ما كان هو ملتزماً به. حتى اليوم، آية ملتزمة بصلاة الليل، كما كان هو ملتزماً بزيارة عاشوراء، ودعاء العهد، والزيارة الجامعة، وقراءة الأدعية قبل النوم. وعندما أرى آية في بعض حركاتها وتصرفاتها، أرى الحاج رمضان من جديد."

 

بينهما... وجه واحد من اليقين والإصرار

وبينما تستعيد السيدة زهراء أثر الحاج رمضان في أبنائه، يعود السؤال إليها هي؛ إلى المرأة التي عاشت معه سنوات طويلة، وعرفت تفاصيله التي لم يعرفها الآخرون. ما الذي كانت تراه في نفسها منه؟ وما الصفة التي كانت تشعر أنها تجمعها به؟

تقول زوجة الشهيد إن الحاج رمضان كان يرى بينهما شبهاً واضحاً في الإصرار، وفي رفض فكرة المستحيل. فحين كان يريد شيئاً، كان يؤمن أن الوصول إليه ممكن مهما بدا بعيداً، وهي تقول إنها تحمل الفكرة نفسها، تضيف: "كان يقول إنه عندما يريد شيئاً، لا يوجد شيء اسمه مستحيل. وأنا أيضاً لا أؤمن بوجود شيء اسمه مستحيل. عندما يكون هناك شيء أريده، يجب أن أصر عليه. وهذه القصة كانت مشتركة جداً بيننا".

لكن ما يجمعهما لم يكن الإصرار وحده، بل الأمل أيضاً؛ وهو ما تستعيده من تجربة شخصية مرتبطة بمحمد حسين، حين تأخر الحمل، وبدلاً من أن يرى الحاج رمضان في ذلك سبباً للإحباط، كان يرى في الدعاء والزيارة وعداً بالجواب: "الفارق بين فاطمة ومحمد حسين ثلاث سنوات. كنت مستعجلة للإنجاب، لكن الحمل تأخر. ذهبنا في ذلك الوقت إلى العراق، وظهرت النتيجة بأنه لا يوجد حمل. أنا بكيت وقلت له: ألم تتأثر؟ فقال لي: أنا عند أمير المؤمنين، وعند الإمام الحسين. لقد طلبت، فكيف يمكنني أن أحبط؟ أنا حتماً طلبت، والجواب سيأتي".

وبالفعل، تقول إن الجواب جاء بعد عودتهما من زيارة الأربعين، وبعد شهرين أصبحت حاملاً بمحمد حسين، لتصبح هذه الحادثة واحدة من الذكريات التي تختصر إيمانه بالأمل وعدم الاستسلام.

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

ورود قلب الحاج وفرحته الكبرى

ومع ولادة الأطفال، ظهرت صورة أخرى من الأبوة؛ فرحة الحاج رمضان بالأبناء، وخصوصاً بالبنات، اللواتي كان يحمل تجاههن محبة خاصة، حتى إن فرحته بولادة فاطمة بقيت في ذاكرة زوجته بصورة مختلفة، وفي سؤال حول كيفية استقبال خبر أن الطفل القادم سيكون ولداً، تقول إن الحاج رمضان لم يكن ينظر إلى الأمر بهذه الطريقة، فلم تكن فرحته مرتبطة بكون المولود صبياً أو بنتاً. بل كانت البنات بالنسبة إليه يحملن مكانة خاصة، وكان يرى فيهن رقة وجمالاً ويحرص على مشاعرهن: "بصراحة، استقبل الخبر بشكل عادي. رأيت الفرح في عينيه مع ولادة فاطمة، كان يحب البنات كثيراً، وكان يقول إن البنات مثل الوردة، وكان يعتني بهن كثيراً ويخاف على مشاعرهن. وبالطبع كان فرحاً بمحمد حسين أيضاً، لكنني رأيت أن فرحته الأكبر كانت بفاطمة".

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

وهذه المحبة الخاصة للبنات لم تكن تعني أنه لم يفرح بولادة ابنه، بل كان حاضراً معه في لحظة الولادة، يعيش فرحته ويبكي، ويرفض أن يترك زوجته وطفله حتى بعد أن طلب منه أصدقاؤه أن يعود إلى المنزل ويرتاح، فهو الثمرة التي جاءت لتكمل طريق المقاومة أيضاً، ورغم ذلك، بقيت البنات في مكان خاص من قلبه: "بالتأكيد. كان يحب البنات كثيراً. وكان معي في المستشفى عند ولادتي بمحمد حسين، كان يبكي كثيراً وكان فرحاً، طلب منه أحد أصدقائه الذهاب الى البيت للإستراحة، رفض قائلاً: أريد أن أقضي الليل كله هنا، بالقرب من زهراء ومحمد حسين".

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

الطريق إلى الحبيب... أحلى من العسل

بعد أن عاشت زهراء مع الحاج رمضان سنوات طويلة في ظل ظروف أمنية دقيقة، لم تكن تفاصيل هذه الحياة خافية عليها، بل كانت جزءاً من يوميات العائلة؛ سفر طويل، إجراءات أمنية، وانتظار قد يمتد لشهور حتى يلتقي الحاج رمضان بأسرته. ومع ذلك، لم تكن زهراء ترى في هذه الحياة عبئاً، بل كانت ترى فيها الطريق الذي اختارته معه منذ البداية.

وكان الحاج رمضان نفسه أكثر من يشعر بثقل هذه المسؤولية، حتى إنه كان يعتذر باستمرار لزوجته وأولاده، وكأنه يحمل في داخله هاجساً دائماً بأنه أدخلهم في حياة لم يختاروها بكل تفاصيلها. تقول السيدة زهراء: "كان دائماً يعتذر مني قائلاً: ادخلتك معي في مسير حياة ربما لم تكوني تريدن الدخول فيها، لأجلي حملتي مسؤوليات لم تريديها، وبسببي تعرّضت للخطر مع بناتك. وكان أكثر شيء يزعجه أنني عندما آتي من سوريا إلى لبنان، الطريق ساعة أو ساعة ونصف، لكن بسبب الإجراءات الأمنية كانت تأخذ خمساً أو ست ساعات حتى أصل إليه. وكان يعتذر من البنات ومن محمد حسين قائلاً: بابا أنا تعبتكم".

لكن زهراء لم تكن ترى ما يراه هو، فبالنسبة إليها، الطريق الطويل لم يكن تعباً، لأن نهايته كانت اللقاء بالحبيب: "كنت أقول له: نحن بجد لم نشعر بالتعب، بل كنت أقول له أن التعب للوصول إليك أحلّى من العسل، أنا ذاهبة لرؤية الحبيب ومن الطبيعي لن أشعر بالتعب".

ولعل هذه الجملة تختصر جانباً من علاقتها بالحاج رمضان؛ فالحياة التي بدت من الخارج شاقة وثقيلة، كانت بالنسبة إليها حياة اختارتها بقلبها، ولذلك لم يكن ما يدفعها إلى الاستمرار هو تحمّل الظروف، بل محبتها للطريق ومن اختارت أن تمشيه معه.

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

حين تصبح صفات القلب إرثاً

وبعد سنوات من هذه الحياة، لا تتحدث السيدة زهراء عن إرث الحاج رمضان بوصفه كلمات أو نصائح حفظتها، بل بوصفه سلوكاً أصبح جزءاً من شخصيتها. فالشيء الأول الذي بقي معها بعد شهادته هو ذلك القلب الذي لا يستطيع أن يسمع مظلومية ويمرّ عليها، ولا أن يرى يتيماً من دون أن يشعر أن عليه أن يحتويه.

تقول: "ماذا ورثت من الحاج رمضان، إني دائماً أسمع المظلومين. إذا وُجد ظلم، أحاول أخفف هذا الظلم. إذا وُجد يتيم، أحتويه، يعني دائماً هذا القلب الحنون لازم يكون حاضر بكل وقت."

وهكذا، لم يكن الحاج رمضان بالنسبة إليها رجلاً عاشته فقط، بل إنساناً ترك طريقة في النظر إلى الناس؛ أن تسمع وجعهم، وأن ترى مظلوميتهم، وأن تجعل الرحمة فعلاً لا مجرد شعور.

 

حين تجتمع العائلة... يكتمل قلبه

أما أجمل ما بقي في ذاكرة الزوجة  زهراء، فليس موقفاً كبيراً ولا حدثاً استثنائياً، بل تلك اللحظات التي كانت تجمع العائلة حول مائدة واحدة. هناك، بعيداً عن ثقل العمل والسرية والمسؤوليات، كان الحاج رمضان يستعيد صورته الأبسط؛ يمازح الأولاد، يضحك معهم، ويستمتع بأن يكون بينهم.

تقول زهراء إن الحاج كان يشعر بالتعب عندما تطول الفترة التي لا يستطيع فيها الاجتماع بعائلته، حتى إنه كان يقول إن أجمل لحظاته هي تلك التي يكون فيها مع زوجته وأولاده: "أجمل الاوقات هي اجتماعنا جميعاً على سفرة وحدة، كان الحاج يمزح كثيراً مع الأولاد ونتحدث ونضحك، وكان يفتقد اللقاءات معنا كعائلته ويشعر بالتعب عندما تطول اللقاءات، ودائم الإعتراف بأن أجمل اللحظات التي أكون فيها مع العائلة، أكون فيها مع الأولاد."

حتى في رسائله الأخيرة، كان هذا الاشتياق حاضراً. لم تكن الرسائل مجرد وسيلة للتواصل في ظل البعد، بل كانت تحمل قلب أب يشعر بأن شيئاً منه غائب ما دام بعيداً عن أولاده.

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

كربلاء... حزن يورث الطريق

وإذا كان الفرح له مكانه حول مائدة العائلة، فإن للحزن عند الحاج رمضان معنى آخر. كان شهر محرّم يأخذ مساحة خاصة في البيت، وكان حريصاً على أن يعيش أولاده أجواءه، لا بوصفها أياماً للبكاء فقط، بل بوصفها مدرسةً لمعنى كربلاء.

كان يحرص على أن يبقى التلفزيون مفتوحاً على مجالس العزاء، ويجلس مع أولاده ليتحدث معهم عن كربلاء، وعن الإمام الحسين، وعن معنى أن يكون الحزن موقفاً ومسؤولية. وهنا تستعيد زهراء فكرته التي كان يكررها لهم:

"كان أكثر شيء يحزنه هو شهر محرم، كان حريصاً دائماً أن يكون التلفزيون شغالاً على المجالس، ويجلس مع الأولاد يحدثهم عن كربلاء وعن الإمام الحسين، وان واجبنا ليس فقط ذرف الدموع، بل يجب علينا ان نبكي عملاً وفعلاً، وحزناً وبكاء أيضاً."

ففي تربيته، لم تكن كربلاء ذكرى تُستعاد، بل طريقاً يُترجم إلى فعل.

 

كبر السؤال... وكبرت معه السرية

ومع مرور السنوات، بدأ الأطفال يدركون أن والدهم ليس ككل الآباء. لم يكن الأمر يحتاج إلى أن يخبرهم الحاج رمضان بكل تفاصيل حياته؛ كانت التفاصيل نفسها تتكفل بطرح الأسئلة.

كانت فاطمة، وهي تكبر، تقارن حياتها بحياة الأطفال من حولها: آباء يوصلون أبناءهم إلى المدرسة، يحضرون احتفالاتهم، ويشاركونهم تفاصيل يومهم. أما والدها، فكان غيابه جزءاً من طبيعة حياته.

تقول زهراء: "عندما بدأت ابنتي فاطمة تكبر كانت تسألني لماذا يتواجد الآباء مع اولادهم في المدرسة، في الصباحات وفي احتفالات نهاية السنة، ونحن بابا لا يرافقنا؟ "

وكانت زهراء تحاول أن تشرح لها أن والدها يعيش وضعاً حساساً، وأن غيابه لا يعني غياب حضوره عنها. لكن مع الوقت، لم يعد الاشتياق مجرد سؤال طفلة عن أبيها، بل أصبح وجعاً حقيقياً، خصوصاً في الفترة الأخيرة.

 

حين سبقت الرؤيا حضن الرحيل

في الفترة الأخيرة، وحين كانت العائلة في لبنان والحاج رمضان في إيران، كان الشوق أكبر من أن تخفيه فاطمة. كانت تبكي لأنها لا تفتقد والدها فقط، بل تفتقد تفاصيل صغيرة كانت تصنع عالمها معه؛ أن تصلي إلى جانبه، أن تأكل من يده، وأن تتشارك معه يومياتها.

تقول زهراء: كان بكاء "فاطمة مختلفاً، يرافقه الشوق لصلاة الجماعة مع والدها، لتناول الطعام من يديه، والطعام الذي يحضره".

ثم جاءت الرؤيا التي بقيت عالقة في ذاكرة أمها. قبل استشهاد الحاج رمضان بأيام، رأت فاطمة في المنام أنها عند مقام الإمام الرضا، وكان كل شيء أخضر، ثم رأت والدها، وركضت نحوه تريد أن تعانقه، لكنه تحول أمامها إلى ما يشبه الروح بلا جسد، وارتفع إلى السماء.

تضيف زهراء: "كانت تبكي وتخبرني عن المنام الذي رأته تلك الليلة".

وتستعيد زهراء هذه الرؤيا اليوم بذاكرة مختلفة، خصوصاً أن الحاج رمضان استشهد بعد ذلك بأيام قليلة.

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

حين أمسكت يد الطريق... كانت المقاومة بوصلة والشهادة مآلاً

ورغم أن زهراء كانت قد عاشت تجربة استشهاد زوجها الأول، فإن اختيارها الزواج من الحاج رمضان لم يكن بالنسبة إليها اختياراً لرجل فحسب، بل اختياراً لطريق تعرف مسبقاً أنه قد يقود إلى الفقد من جديد.

لكنها تقول إنها لم تدخل هذه الحياة خائفة، لأنها كانت تعرف منذ البداية من اختارت، وماذا يعني الطريق الذي اختارته: "الحاج رمضان في اول كلمة قال لي: أنا جندي عند الإمام القائد والسيد حسن، مع هذه الكلمات لمعت عيوني. كانت الإغراءات كبيرة بالنسبة إليّ، لأني أخيراً وجدت هذا الطريق الذي أردت أن اكمل مسيري فيه، طريق المقاومة، طريق السيد حسن، طريق الإمام القائد."

وكان إيمانها أن من يمسك بيدها في هذا الطريق سيقودها إلى الجنة. لذلك لم تكن الشهادة بالنسبة إليها احتمالاً مجهولاً، بل جزءاً من الطريق الذي قبلت به منذ البداية، تضيف: " "كنت سعيدة جداً، وكنت أعرف أن نهاية طريق الحاج هي الشهادة، فكان دائم الدعاء في ختام صلاته بان يرزقه الله الشهادة".

 

منهم يبدأ الطريق... وفيهم يستمر

أما الحاج رمضان، فلم يكن يتحدث عن الشهادة أمام أولاده باعتبارها نهاية، بل باعتبارها مقاماً عظيماً، وحياة أخرى تليق بمن اختار طريقها. كان يربط الشهداء دائماً بمحمد وآل محمد والإمام الحسين، ويحرص على أن يعرف أولاده سيرهم، وأن يروا فيهم نماذج تُقتدى.

تحدثنا زهراء عن الشهادة في فكر الحاج رمضان: "كان يهنئ من استشهد، ويرى أن الشهداء مع محمد وآل محمد، مع الإمام الحسين، والشهداء كانوا مميزين حتى اختارهم الله للشهادة، وكان دائماً يحكي للأولاد عن الشهادة، ويشتري الروايات والقصص للأولاد عن الشهادة، حتى أصبحت ابنتي آية متعلقة بالشهداء وسِيَر الشهداء من خلال الروايات اللي كان يحضرها لهم الحاج رمضان."

وهنا لا تعود الشهادة مجرد فصل في سيرة الحاج رمضان، بل إرثاً أراد أن يتركه في أولاده؛ أن يعرفوا الشهداء، ويحفظوا سيرهم، ويروا فيهم طريقاً يستمر بعد غياب أصحابها.

 

حين انكسر الغياب... شهادة سيد الأمة

كان استشهاد السيد حسن نصر الله من أصعب اللحظات التي عاشتها السيدة زهراء، وكانت يومها إلى جانب الحاج رمضان في طهران، وسط أخبار متداولة لم تكن قد تأكدت بعد. ومع ازدياد القلق، لم تعد قادرة على احتمال الانتظار، فطلبت منه أن يقول لها الحقيقة، لكن الحاج كان يحاول أن يؤخر عنها وقع الخبر، تقول: "كان ما في شي مؤكد، مجرد تداول بالإعلان، فطلبت من الحاج أن خبرني الحقيقة لأني لم اعد احتمل، لكنه كان يقول بأن الخبر جاء من القنوات المعارضة ونحن لا يجب ان نسمع لهم،  لكني كنت أبكي من داخلي، دموعي تذرف دون ان ادري ماذا أصابني في ذلك الوقت، فنحن بهذه الوضع ما عندنا موبايل، ما عندنا إنترنت، ما توصلنا الأخبار أصلًا. قاعدين ببيت مغلق".

ومع اقتراب ساعات الفجر، بدأت تلاحظ أن شيئاً تغيّر في تصرفاته، وأن محاولته إخفاء ما يجري باتت أكثر وضوحاً، فتضيف: "حدود الساعة الرابعة فجراً، وجدت الحاج  قد تغيذر وجهه، سألته ماذا حصل؟ هل من أخبار جديدة عن السيد حسن؟ فأجابني بالنفي وحاول اطفاء التلفاز واخفاء الأجهزة، ومنعني من مشاهدة التلفزيون."

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

ولأن الحاج رمضان كان يعرف أن بقاءها في إيران قد يعرّضها للخطر، قرر أن يعيدها إلى سوريا من دون أن يكشف لها الحقيقة كاملة. تقول زهراء" "بعدها قال لي لقد جهزت لك حقائب السفر وعليك العودة الى سوريا، سألته عن السبب فأجاب بأن لديه عمل طارئ، ثم سمعت حديثاً بينه وبين أحد أصدقائه الساعة 6 صباحاً، يقول له أن زهراء لا يجب أن تعرف شيئاً إلا بعد أن تصل الى سوريا، وانه لا يجب عليه أن يرتدي السواد الآن، ولأنني لم اتقن اللغة الفارسية، سألته حينها هل هذا ما قلته لصديقك؟ أجاب بالنفي وطلب مني تجهيز نفسي والأولاد لأن طيارتنا بعد قليل، سألته اين ستبقى، قال في ايران، وغادرت ايران الى سوريا، وعندما وطأت اقدامي مطار دمشق وفتحت الهاتف، وصلتني رسالة "عظم الله أجوركم" ويقول لك الحا انتبهي على الأولاد".

 

حين غاب الخبر... وحضر اليقين: مواجهة الغياب الأخير

بعد نحو شهرين من انقطاع أخبار الحاج رمضان، عادت السيدة زهراء إلى لبنان ، كانت تنظره بشغف، حتى جاء إلى لبنان، لم يكن الرجل الذي عرفته خلال سنوات زواجها منه، كان أمامها رجل أنهكه ما عاشه بعد استشهاد السيد حسن نصر الله. وعندما رأته، أدركت أن غيابه لم يكن كما ظنت، فسألته عن وجوده في لبنان، ليخبرها أنه كان هناك بالفعل :" أنت كنت هنا؟ فأجابني: طبعاً، بعد استشهاد السيد حسن، كنت هنا."

ولأنها كانت تعرف حجم العلاقة التي جمعت الحاج رمضان بالسيد حسن نصر الله، لم تستطع أن تتجاوز مشهد التعب الذي رأته أمامها، فسألته كيف استطاع أن يتحمل فقدان عزيز بهذا الحجم، وكيف واجه تلك اللحظة: "كيف استطعت أن تتحمل فقدان شخص عزيز، فقال لي: سلّمت أمري إلى ربي، ولدي ثقة برب العالمين بأنه لن يتركنا. مثلما أنه عندما استشهد السيد عباس جاء بعده السيد حسن، واليوم إن شاء الله الشيخ نعيم قاسم، الله يحفظه، هو أملنا بإذن الله."

 

موعد لم يكتمل... وشهادة سبقت اللقاء

ومن هذه الذكرى، ننتقل مع زهراء إلى الأيام الأخيرة التي سبقت استشهاد الحاج رمضان؛ أيام كان فيها اللقاء مؤجلاً مرة بعد مرة، فيما بقيت هي والأولاد في لبنان، وهو يحاول العودة إليهم وسط ظروف الحرب: ""كنت في لبنان أنا والأولاد، كان دائماً يرسل لي رسائل يقول فيها: هذا الأسبوع سآتي، وفي هذا الأسبوع سآتي، ثم يتأجل الأمر بسبب الحرب في لبنان، وبعدها وعدني بأنه سيأتي إلى تشييع السيد حسن، فانتظرناه أنا والأولاد، لكنه أرسل لي رسالة اعتذار وقال إنه لن يستطيع الحضور، لأنه إذا أراد المجيء فسوف يعرّض نصف العالم الموجودة في بيروت للخطر، خصوصاً أن الإسرائيلي كان مصراً على اغتياله في تلك الفترة."

لكن ذلك اللقاء لم يحصل. وبعد تعذّر وصوله إلى لبنان، اقترح عليها أن تأتي إلى إيران، غير أن موعد اللقاء تأجل مرة أخرى بسبب امتحانات الأولاد، قبل أن تندلع الحرب ويأتي خبر استشهاده قبل أن تراه: "للأسف لم يأتِ. وبعدها قال لي إن الأفضل أن آتي أنا إلى إيران، فقلت له: فقط أجّل الأمر قليلاً، لأن الأولاد لديهم امتحانات. وللأسف اندلعت الحرب في إيران، وتم اغتياله قبل أن نراه."

وهكذا، بقي آخر ما بين زهراء والحاج رمضان انتظاراً مؤجلاً ورسائل متقطعة، قبل أن يتحول انتظار عودته إلى انتظار خبر عنه. وفي بيروت، عاشت زهراء والأولاد ليلة ثقيلة، وسط توتر دائم ومتابعة للأخبار، من دون أن يعرفوا ما الذي ينتظرهم: ""كانت الساعة نحو الثانية وخمس وأربعين دقيقة فجراً في بيروت. في تلك الفترة لم نكن نعرف شيئاً، ولم نكن نعرف ماذا يجري. كنا نتابع الأخبار دائماً، أنا والأولاد، وكنا متوترين، ولم نكن نستطيع النوم ولو لثانية واحدة في تلك الليلة."

وفي ذروة القلق، غفت زهراء لدقائق قليلة، قبل أن تستيقظ وهي تشعر بالاختناق، في مشهد يعكس حجم التوتر الذي كانت تعيشه: "جاءت صديقتي إليّ، وغفوت ربما خمس دقائق، من الساعة الثالثة إلا ربعاً إلى الثالثة إلا عشر دقائق تقريباً، ثم شعرت أنني أختنق. ركضوا إليّ وأحضروا لي الماء، وقلت لهم: لا أستطيع التنفس. فأحضرت لي صديقتي الماء وقالت لي: الآن أذان الصبح، اجلسي قليلاً وانتظري الأذان."

ثم عادت إلى النوم، قبل أن تستيقظ نحو الثامنة صباحاً على اتصال حمل أول إشارة إلى ما كانت تخشاه. لم تكتفِ زهراء بالاحتمالات، بل طلبت الحقيقة مباشرة: "اتصل بي أحد الأشخاص وقال لي: أم حسين، ابقي في المنزل، من المحتمل أن يكون الحاج قد أُصيب. فقلت له: كن صريحاً معي، هل هو مصاب أم استشهد؟ فقال لي: من المحتمل أنه مصاب، ولا يوجد خبر مؤكد بعد. لكنني فتحت الإنترنت والتلفزيون، فظهر خبر اغتياله. كانت من أصعب اللحظات، لكن سبحان الله، أنزل الله عليّ سكينة."

ومع ظهور الخبر، لم يكن أمام زهراء وقت طويل لاستيعاب ما حدث، فقد انتقلت فوراً إلى التفكير في أولادها وأهلها، وكيف يمكن أن تحميهم وتتعامل مع الخبر في تلك الظروف الحساسة: "بدأت أفكر: ماذا سأقول للأولاد؟ ماذا سأقول لأهلي؟ وكيف سأخبرهم؟ فأخذت نفساً عميقاً، وأول شيء فعلته أنني تحدثت مع أهلي. قلت لهم: إذا أردتم المجيء من سوريا إلى لبنان، فوضعكم حساس، فلا تلفتوا الأنظار. وكانت أمي لا تقبل أن تجيب على الهاتف. كلما اتصلت بها لا تجيب، وعندما تجيب يكون أبي هو من يجيب. فقلت له: أعطني أمي."

وكانت والدتها عاجزة عن الكلام من شدة البكاء، فيما حاولت زهراء أن تتمالك نفسها وأن تكون الأقوى في تلك اللحظة، مستندة إلى ما كانت تعرفه منذ بداية زواجها من الحاج رمضان، وإلى الطريق الذي اختاره منذ البداية: "كانت أمي بالكاد تستطيع التحدث معي من شدة بكائها. فقلت لها: أمي، لا تبكي. نحن جميعاً نعرف الحاج، هو كان يريد الشهادة. وفي بداية زواجي، أنت نبهتِني وقلت لي: يا زهراء، طريق الحاج هو طريق الشهادة، هل أنت مستعدة؟ وأنا كنت موافقة، واليوم أنا موافقة وراضية، ورب العالمين كتب لي هذا الطريق وأنا راضية به. خوفي الآن عليكم فقط، اخرجوا بهدوء، وأنا قوية."

وحين سمعت والدتها هذا الكلام، أرادت أن تتأكد من أن من يحدثها هي زهراء نفسها، لتجيبها زهراء بالجملة التي اختصرت محاولتها التماسك أمام هذا الفقد: "فقالت لي أمي: هل أنت زهراء فعلاً؟ فقلت لها: والله أنا زهراء، والله يبرد على القلوب. سبحان الله."

لكن أصعب مواجهة بقيت أمامها: كيف ستوقظ الأولاد وتخبرهم أن والدهم قد استشهد؟ وهنا عادت إلى الدعاء الذي كان الحاج رمضان يردده دائماً في صلاته، وإلى ما كان أولاده يعرفونه عنه: أيقظتهم بهدوء، وقلت لهم: أريد أن أسألكم، ما آخر شيء كان بابا يدعو به في الصلاة؟ فقالت آية، ابنتي الكبيرة: بابا استشهد. فقلت لها: يعني أن بابا كان يدعو بأن ينال الشهادة؟ إذا استشهد، فنحن سنفرح كثيراً."

لكن لحظة سماع الخبر لم تكن سهلة على الأطفال، فبدأوا بالبكاء، وحاولوا التأكد بأنفسهم من صحة ما سمعوه، فيما كانت زهراء تحاول الحفاظ على تماسك البيت: "كنت قوية جداً، ولا أعرف من أين جاءتني تلك القوة. قلت لهم: نحن لا نريد أن نبكي، ولا نريد أن نرفع أصواتنا، يجب أن نتعامل بهدوء. وضعنا حساس، ونحن في بيروت، وكنا في منطقة خارج الضاحية، وأريد منكم أن تساعدوني قليلاً حتى نعرف ماذا سنفعل."

ومع مرور الساعات، وصل أهلها إلى لبنان، لكن زهراء بقيت معلقة بخيط أخير من الأمل، تتمنى أن يكون الخبر غير صحيح، إلى أن جاء الإعلان الرسمي ليضع حداً لذلك الانتظار: "بقيت أعيش على أعصابي وأقول: يا رب، ربما يظهر أن الخبر كاذب، إلى أن أعلنت الجمهورية الإسلامية خبر الاستشهاد." وكان استشهاد الحاج من أصعب اللحظات في حياتي.

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

خلف صورة القائد... رجل الوفاء والعهد

لم يكن استشهاد الحاج رمضان نهاية الحكاية بالنسبة إلى زهراء، بل فتح لها باباً آخر على شخصيته. فكلما ابتعدت صورة القائد والمسؤول، ظهرت أمامها تفاصيل الرجل الذي عاش معها في البيت، وعرفته في لحظاته الخاصة. كانت تعرف أنه يكرّس وقته لفلسطين وللطريق الذي اختاره، لكنها اكتشفت بعد شهادته أن ما كانت تعرفه عنه لم يكن إلا جزءاً صغيراً.

تقول: "ما اكتشفته بعد الشهادة أنه لم يكن بهذا القدر الذي كنت أظنه، بل كان أكثر بكثير. الحاج رمضان، فعلاً، لم يكن يرى النوم راحة، حتى عندما كان يعود إلى البيت بعد يومين من دون نوم، لم يكن يرى في التعب سبباً للتوقف، بل كان يقول لا أستطيع، يجب أن أنجز أعمالي، الصلاة، والزيارة الجامعة، وزيارة عاشوراء."

وفي إحدى المرات، رأته يقرأ الزيارة الجامعة ثم يغفو من شدة التعب، قبل أن يعود إلى القراءة. وحين طلبت منه أن يتركها ويرتاح، أخبرها أن الأمر بالنسبة إليه ليس مجرد عادة، بل عهد. تقول: "لا، الزيارة الجامعة بالنسبة إليّ عهد مع رب العالمين، بأن أظل أقرأها كل ليلة إذا  رزقني الله بالأولاد، لقد وضعت شرطاً في البداية، ثم عدت وبكيت وقلت: يا رب، لا يعقل أن أضع عليك شرطاً. سواء رزقتني أم لم ترزقني، فأنا ملتزم بزيارة عاشوراء والزيارة الجامعة. يا زهراء، نحن جميعاً ملتزمون بهذا العهد." حتى عبادته كانت بالنسبة إليه التزاماً لا يتغير، وكأن الرجل الذي حمل الكثير في حياته كان يرى أن عليه أن يبقى وفياً لكل عهد قطعه.

 

وراء القائد... قلبٌ يسكنه الأب

ومع انكشاف هذه التفاصيل، يصبح السؤال عن الصورة التي عرفها الناس عن الحاج رمضان أكثر إلحاحاً: هل عرفوا فعلاً الرجل الذي كان خلف كل تلك المسؤوليات؟ بالنسبة إلى زهراء، هناك جانب أساسي تتمنى أن يصل إلى الناس، جانب الأب والزوج والإنسان الذي كان يتألم لمجرد أن يرى طفلاً مظلوماً: "أحب أن يعرف الناس كم كان أباً حنوناً، وكم كان رجلاً عظيماً بكل معنى الكلمة داخل البيت. فبقدر ما كان شديداً خارج البيت، كان حنوناً في البيت، كان شديد البكاء حين يرى في الأخبار طفلاً يتأذى في غزة، وأن أي مظلومية كانت تترك أثراً كبيراً فيه".

حتى الطبيعة كانت تكشف لها شيئاً من هذا القلب، كان يحب الأشجار والشمس والخضار، ويحب المشي تحت المطر، لكن صوت المطر كان يأخذه بعيداً إلى أطفال غزة الذين يعيشون في الخيام. تقول: "كنت أتمنى أن أمشي تحت المطر، لكن بكائي كان من أجل أطفال غزة. كيف يعيشون في الخيام؟ وكيف يستطيعون تحمّل هذا الوضع؟" وهكذا، حتى في أكثر تفاصيل حياته بساطة، كانت فلسطين حاضرة معه.

 

حين يصبح الشوق وصية... ويغدو الغياب حضوراً

ومن هذا الرجل الذي بقي حاضراً في تفاصيل البيت، رغم غيابه، يأتي السؤال الأصعب: ماذا يمكن أن تقول له زوجته لو كان أمامها الآن؟ لا تحتاج زهراء إلى كثير من الكلمات، فكل ما بقي لديها تختصره في الشوق، وفي وعد الاستمرار.،قول: "أول ما سأقوله له: اشتقت إليك كثيراً، كثيراً. الأولاد اشتاقوا إليك كثيراً. نحن على طريقك، ونحن ملتزمون بكل حرف وكل كلمة كنت تقولها لنا."

وهكذا، لا ينتهي حضور الحاج رمضان عند غيابه، بل يبدأ من المكان الذي ترك فيه وصيته، في البيت، وفي أولاده، وفي الطريق الذي اختاره. وحتى آخر رسالة بينهما، كان الشوق متبادلاً رغم المسافة. كانت قد عاتبته على طول الغياب، بعدما مرّ نحو خمسة أشهر من دون أن تراه، فجاء رده كاشفاً عن وجه الزوج والأب الذي لا يظهر في البيانات: "أنت أفضل مني، أنت تعيشين مع الأولاد، أما أنا فغريب من دونهم، وقلبي يحترق."

 

بين الفقد والفخر... كيف بقي الحاج رمضان في قلب زوجته؟

بعد كل ما عاشته زهراء إلى جانب الحاج رمضان، لا يمكن اختصار علاقتها به في صورة الزوج الذي فقدته فقط. فهو بالنسبة إليها كان أيضاً الصديق والحبيب ورفيق الدرب وأب أولادها، ولذلك جاءت مشاعرها بعد استشهاده محمّلة بأكثر من معنى، حزن على الغياب، وفخر بالرجل الذي شاركته سنوات من حياته.

وعن هذه المشاعر تقول: "بالتأكيد، أول ما أشعر به هو الحزن والفقد. فقدت صديقي وحبيبي ورفيق دربي، وفقدت أيضاً أبا أولادي. وفي الوقت نفسه أشعر بالفخر والاعتزاز، لأنني عشت اثنتي عشرة سنة مع هذا الرجل العظيم. وأشعر أنني متميزة لأنني عشت هذه السنوات مع الحاج رمضان وأنجبت منه أولادي. وهكذا أرى محبة رب العالمين وتوفيقه لي في هذه الحياة."

ولهذا، حين تُسأل إن كانت ستختار الحاج رمضان من جديد لو عاد بها الزمن، لا تتردد في الإجابة، لأنها لا ترى تلك السنوات من زاوية الألم وحده، بل بكل ما حملته من حلاوة وصعوبة. تقول: "كثيراً ما يسألونني: لو عاد بك الزمن، هل كنت ستختارين الزواج من الحاج رمضان من جديد؟ أقول لهم: نعم، بكل تفاصيله، بكل ما فيه من حلاوة وكل ما فيه من صعوبات، لكنه كان أحلى من العسل، إن شاء الله."

 

أكبر من الكلمات... وأثرٌ بحجم الغياب

وحين يُطلب من زهراء أن تختصر شخصية الحاج رمضان في ثلاث كلمات، تبدو المهمة أصعب من أن تُحسم سريعاً. فالرجل الذي عرفته يحمل أكثر من وجه، بين قوته خارج البيت وحنانه داخله، وبين دوره ومسؤوليته وحضوره كأب وزوج.

تتردد قبل أن تقول: "ثلاث كلمات؟  كثيرة جداً بحقه، بس هو الرجل العظيم، رجل الظل، الأب الحنون." كلمات قليلة، لكنها تختصر في نظرها الرجل الذي عاشته، وتجمع بين عظمته كما عرفها الناس وحنانه كما عرفته العائلة. تضيف: "افتقدناك كثيراً كثيراً، لا سيما هذه الفترة ولست فقط أنا من يشعر بغيابه، بل الكثير من الفصائل الفلسطينية شعرت بفقدان الحاج رمضان، فالملف الذي يعمل به الحاج رمضان كان يحتاج الى أكثر من 10 اشخاص لإنجازه".

الحاج رمضان الشهيد محمد سعيد ايزدي , فلسطين المحتلة , الشهيد السيد حسن نصر الله , سوريا , لبنان ,

ما بعد الشهادة... العهد مفتاح المسير

ويبقى ما تركه الحاج رمضان وراءه أكبر من الذكريات، عهد تشعر زهراء أنها مسؤولة عن حمله مع أولاده، والاستمرار فيه رغم صعوبة الطريق. فهي لا ترى الأمانة في حفظ اسمه فقط، بل في أن تبقى العائلة وفية لما آمن به وما أراده لها، وهنا تضيف: "بيني وبين الشهيد عهد، عهد أمام الله، إن نكون عائلة، عائلة لصاحب العصر والزمان. فأنا، حاج رمضان، على العهد وسأكمل هالطريق، وسأربي الأولاد كما كنت تحب، وسأكمل هالمسير إن شاء الله، رغم كل شيء، صعوبات التي مرينا فيها، رغم أي ضغوطات، سنبقى في إيران كما تحب، وسيدرس اولادي تاريخ إيران تحت راية الإمام القائد، سيد مجتبى، حفظه الله، سنكمل  المسير بإذن الله، إن شاء الله."

 

 

/إنتهى/

 

 
R1694/P
المواضيع ذات الصلة
  • الحاج رمضان الشهید محمد سعید ایزدی
  • فلسطين المحتلة
  • الشهید السید حسن نصر الله
  • سوریا
  • لبنان
tasnim
tasnim
tasnim
  • من نحن
  • اتصل بنا
  • الأكثر قراءة
  • الأرشيف
مواقع التواصل الاجتماعي
  • RSS
  • Telegram
  • Instagram
  • Twitter

All Content by Tasnim News Agency is licensed under a Creative Commons Attribution 4.0 International License.