شرايين الإنترنت الهشة: أزمة سفن الإصلاح تضع اقتصاد الخليج الفارسي الرقمي في مهب الريح

وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأنه في الوقت الذي يركز فيه العالم على التحركات العسكرية والأساطيل الحربية في الشرق الأوسط، تدور معركة خفية وحاسمة في أعماق الخليج الفارسي.

يعتمد الاقتصاد الرقمي العالمي والمنافسون الإقليميون على شبكة هشّة من الكابلات البحرية التي ستواجه، في حال تعرضها للتلف، نفقاً مظلماً وشللاً طويلاً؛ وذلك بسبب نقص أساطيل الصيانة الكافية والتحديات القانونية التي تفرضها إيران. ومع ذلك، فإن الاستجابة الاستراتيجية للمنافسين عبر تطوير مسارات بديلة جعلت معادلة القوة أكثر تعقيداً.

وبحسب بيانات مؤسسة "TeleGeography" وتقرير مجلة "Scientific American"، يقع ما بين 150 إلى 200 انقطاع في الكابلات سنوياً حول العالم، وأكثر من 80% منها ناتج عن اصطدام مراسي السفن ومعدات الصيد.

ورغم الاستثمارات بمليارات الدولارات لمد كابلات جديدة، فإن الكارثة الحقيقية تكمن في قطاع الدعم والصيانة: فمن بين نحو 60 سفينة متخصصة في مد الكابلات حول العالم، هناك أقل من 20 سفينة مخصصة ومجهزة حصرياً لعمليات الإصلاح، كما أن أكثر من 25% من هذا الأسطول يتجاوز عمره 40 عاماً.

ويشبّه "مايك كونستابل" من شركة "Infra-Analytics" هذه الفجوة العميقة بـ "شراء سيارة مرسيدس بنز باهظة الثمن دون تأمين"؛ حيث يبدو هذا القطاع غير مستعد لتوفير ميزانية قدرها 3 مليارات دولار لتحديث الأسطول من أجل حماية شرايين معلوماته.

وقد تحولت هذه الأزمة اللوجستية إلى كعب أخيل جيوسياسي في منطقة الخليج الفارسي. إذ تقع إدارة إصلاح الكابلات في هذه المنطقة بشكل أساسي على عاتق شركة "إي مارين" (E-Marine) الإماراتية.

ونظراً لتعدد الكابلات المتضررة في البحر الأحمر، فإن سفن هذه الشركة (مثل CS Maram) غالباً ما تكون مشغولة في مناطق أخرى، وفي الأوقات الحرجة، تبقى سفينة إصلاح واحدة فقط متمركزة في الخليج الفارسي بأكمله؛ وهو واقع يخلق مخاطر مركزة وكارثية للاقتصاديات القائمة على الإنترنت في المنطقة.

إن التهديد بإلزام سفن الإصلاح بالحصول على تراخيص ودفع تكاليف الحماية في المياه الإقليمية، قد حوّل عملية الإصلاح من مهمة فنية تستغرق أسبوعين إلى أزمة بوروكراتية وعسكرية لا رجعة فيها.

وقد كانت رافعة الضغط القانوني هذه قوية لدرجة أن شركة "Alcatel Submarine Networks" أعلنت حالة القوة القاهرة، وأوقفت عمليات تطوير الكابلات الحيوية (مثل 2Africa Pearls) في المنطقة.

ومن ناحية أخرى، لم يقف المنافسون ــ مثل السعودية ــ مكتوفي الأيدي؛ بل بدأوا في خلق طبقات من الوفرة والبدائل (Redundancy) عبر الاستثمار في شبكات العمود الفقري البرية (من خلال شركة center3) التي تربط الخليج الفارسي بالبحر الأحمر مباشرة، وتطوير كوكبات الأقمار الصناعية في المدارات المنخفضة (مثل TeraWave).

إن مسألة "وجود سفينة إصلاح واحدة فقط للخليج الفارسي بأكمله" تثبت أنه في عصر الاقتصاد الرقمي، لا تنحصر القوة في ملكية البنية التحتية فحسب، بل تكمن في القدرة على تعطيل عملية صيانتها وإصلاحها. وستكون المعركة السيبرانية المستقبلية سباقاً بين القدرة على فرض روافع الضغط القانوني على المنصات البحرية، وسرعة إنشاء مسارات موازية برية وفضائية.

تظهر الهندسة الفيزيائية للإنترنت تناقضاً عميقاً بين بنية تحتية منطقية غير مركزية (بروتوكولات IP) وبنية تحتية فيزيائية مركزية وهشة للغاية (الكابلات وسفن الإصلاح).

ولم تعد المضايق البحرية مجرد ممرات تجارية لنقل النفط أو البضائع، بل أصبحت "شرايين رقمية" ترتبط بها الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي للدول.

إن الاستراتيجية الذكية للاستفادة من الفراغات اللوجستية والقانونية لإحداث تأخير في عملية استعادة البنية التحتية، تشير إلى تغير طبيعة الحروب الهجينة في القرن الحادي والعشرين.

ويظل الاستثمار الفوري في أساطيل بحرية حديثة، وإنشاء صناديق دولية لتمويل سفن الإصلاح، والتطوير الموازي للشبكات البرية الهجينة، هي الحلول العملية الوحيدة للخروج من هذا المأزق الهيكلي.

/انتهى/