أمل شبيب
ليست كلّ مؤشرات القوة دليلاً على القدرة على الحسم، وليست كلّ التحالفات ضمانة للخروج من المأزق. ففي الحروب، لا تُقاس النتائج بحجم الترسانة وحده، ولا بعدد الجنود الذين يمكن استقدامهم من الخارج، ولا باتساع شبكة العلاقات الأمنية، بل بقدرة القوة العسكرية على فرض أهدافها وإنهاء المواجهة بالشروط التي تريدها. ومن هذه الزاوية، تبرز مسألتان تستحقان القراءة معًا: اعتماد الكيان الإسرائيلي على استقطاب مقاتلين من خارج حدوده، ومحاولاته توسيع نطاق الإسناد الأمني والإقليمي في مواجهة جبهات تتجاوز محيطه المباشر، وفي مقدمتها اليمن.
قد تبدو المسألتان منفصلتين للوهلة الأولى، فالأولى تتعلق بالموارد البشرية التي تحتاج إليها المؤسسة العسكرية، والثانية بحسابات الأمن الإقليمي وممرات الملاحة ومواجهة القوات المسلحة اليمنية. لكن جمعهما في سياق واحد يفتح الباب أمام سؤال أكثر عمقاً: ماذا يعني أن يسعى الكيان، في حرب طويلة ومتعددة الجبهات، إلى توسيع قاعدة الأفراد الذين يستند إليهم، وإلى البحث عن أشكال إضافية من التعاون خارج حدوده، فيما تبقى الجبهات التي يريد احتواءها حاضرة في حساباته؟
حين تصبح الحرب عبئًا يتجاوز حدود الداخل
إن استقدام جنود من الخارج ليس ظاهرة جديدة في التجربة العسكرية للكيان الإسرائيلي، لكن دلالته تتجاوز إجراءات التجنيد المعتادة عندما يُقرأ في سياق حرب ممتدة، تتعدد فيها ساحات الاشتباك وتتزايد متطلبات الانتشار والاستنفار والاحتفاظ بالقدرة على مواصلة القتال.
فالحرب لا تستنزف الذخائر والمعدات فحسب، بل تفرض أعباءً متراكمة على الأفراد، وعلى القدرة على تدوير القوات، وعلى المجتمع الذي يتحمل تبعات التعبئة الطويلة. وكلما اتسعت المهام العسكرية وتداخلت الجبهات، ازدادت أهمية الموارد البشرية، وبرزت التحديات المرتبطة بالحفاظ على القدرة على الاستمرار بالوتيرة نفسها، من دون أن تتفاقم الأعباء الداخلية.
في هذا السياق، تكتسب برامج استقطاب المتطوعين والمهاجرين الراغبين في الخدمة العسكرية أهمية تتجاوز مجرد رفد الصفوف بأفراد إضافيين. فالمسألة ترتبط بموقع هذه الموارد ضمن منظومة تسعى إلى الحفاظ على قدرتها على خوض حرب طويلة، في بيئة لا تتيح لها دائماً اختيار توقيت المواجهة أو مكانها أو نهايتها.
إنّ توسيع دائرة استقطاب المقاتلين من الخارج يفتح سؤالاً يتجاوز الأرقام وبرامج التجنيد: إلى أي مدى تستطيع المؤسسة العسكرية تحمّل حرب طويلة ومتعددة الجبهات من دون أن تتراكم أعباؤها على بنيتها البشرية؟ فالحرب التي تطول لا تستنزف السلاح والموارد فحسب، بل تضع القدرة على الاستمرار أمام اختبار متصاعد، وتكشف الفارق بين امتلاك أدوات القتال والقدرة على مواصلة استخدامها من دون أثمان متزايدة.
وحين تتزامن الحاجة إلى رفد الصفوف مع اتساع ساحات المواجهة، يصبح التجنيد الخارجي جزءاً من مشهد أوسع عنوانه كلفة الحرب وصعوبة احتواء تداعياتها. فالموارد البشرية الإضافية قد تساعد على تلبية احتياجات المؤسسة العسكرية، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: هل تستطيع هذه المؤسسة تحويل قدرتها على مواصلة القتال إلى نتائج سياسية وعسكرية تنهي المواجهة؟
اليمن… الجبهة التي لا يمكن اختزالها بالمسافة
على الضفة الأخرى من المشهد، يبرز اليمن بوصفه إحدى الجبهات التي تفرض تحديًا مختلفاً على الحسابات الإسرائيلية. فالمسافة الجغرافية لا تلغي الأثر الاستراتيجي، ولا تجعل المواجهة البعيدة عن المركز أقل أهمية بالضرورة. وحين تتصل الجبهة اليمنية بالبحر الأحمر وممرات الملاحة، تمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد من حدود الاشتباك المباشر.
لقد أظهرت المواجهة مع القوات المسلحة اليمنية أن الجغرافيا ليست مجرد مسافة على الخريطة، بل عنصر يمكن أن يتحول إلى مصدر ضغط سياسي واقتصادي وأمني. فالموقع اليمني المطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم يمنح التطورات هناك أبعادًا تتصل بحركة التجارة وأمن الملاحة وحسابات القوى الإقليمية والدولية.
وهنا تكمن أهمية الجبهة اليمنية: ليست المسألة فقط في نوع السلاح المستخدم أو عدد العمليات المنفذة، بل في قدرة المواجهة على فرض تكاليف متزايدة، وإرباك الحسابات، وإجبار الأطراف المعنية على تخصيص موارد واهتمام مستمرين لجبهة تقع خارج نطاقها الجغرافي المباشر.
بالنسبة إلى الكيان الإسرائيلي، يطرح هذا الواقع معضلة لا تُحل بمجرد الإعلان عن أهداف عسكرية أو توسيع نطاق الردود. فالتعامل مع جبهة كهذه يتطلب مواجهة بيئة سياسية وجغرافية وعسكرية معقدة، حيث لا تكفي الضربات وحدها لضمان إنهاء التحدي، ولا يضمن التفوق في بعض أدوات القتال القدرة على فرض النتيجة النهائية.
ومن هنا، لا يُقاس أثر اليمن بما يستطيع إحداثه في لحظة واحدة فقط، بل بما يفرضه استمرار المواجهة من استنفار وموارد وتبدّل في الأولويات. فالجبهة التي تستمر في التأثير في الحسابات الإقليمية تتحول إلى عبء متواصل على الطرف الذي يسعى إلى احتوائها، خصوصاً عندما تتجاوز تداعياتها ساحة الاشتباك لتطال أمن الملاحة ومصالح أطراف أخرى.
إنّ أهمية هذه الجبهة لا تنبع من بعدها الجغرافي وحده، بل من قدرتها على فرض نفسها ضمن معادلة أوسع، تجعل تجاهلها مكلفاً، وتضع حدوداً أمام إمكان التعامل معها باعتبارها مسألة محلية يمكن عزلها عن بقية المنطقة.
من المجندين إلى شبكات الإسناد
حين تتزامن محاولات استقطاب المقاتلين من الخارج مع اتساع الاهتمام الأمني والإقليمي بجبهة اليمن، تبرز ملامح حرب تتجاوز حدود المواجهة المباشرة. فالمسألة لم تعد محصورة في تأمين الأفراد والموارد اللازمة لاستمرار القتال، بل باتت مرتبطة أيضاً بكيفية التعامل مع جبهة فرضت حضورها على حسابات المنطقة، وجعلت موقعها الجغرافي وتأثيرها في أمن الملاحة جزءاً من معادلة الصراع.
وفي هذا السياق، يكتسب الحديث عن التعاون الأمني والاستخباراتي مع أطراف إقليمية أهمية خاصة، بوصفه جزءاً من التحركات الرامية إلى التعامل مع تداعيات الجبهة اليمنية. فكلما اتسعت دائرة التحركات المحيطة بها، برز السؤال عن أسباب هذا الاهتمام المتزايد، وعن حدود القدرة على تقليص تأثيرها.
إنّ توسيع نطاق الإسناد قد يتيح أدوات إضافية للمراقبة والتنسيق والتعامل مع المخاطر، لكنه لا يضمن وحده تغيير واقع المواجهة. فالمعلومات والتنسيق والموارد البشرية وسائل لإدارة الحرب، أما الحسم فيتطلب نتائج تتجاوز مجرد زيادة الإمكانات المتاحة.
وهنا تلتقي المسألتان: استقطاب المجندين من الخارج يرتبط بمتطلبات الموارد البشرية في حرب ممتدة، والتحركات الأمنية والإقليمية ترتبط بتعقّد التعامل مع جبهة تتجاوز آثارها حدود اليمن. لكن المعيار في الحالتين يبقى واحداً: هل تستطيع هذه الإجراءات تغيير واقع المواجهة، أم أنها تتيح إدارة أعبائها من دون معالجة أسباب استمرارها؟
فبين القدرة على مواصلة الحرب والقدرة على فرض نهايتها مسافة لا تختصرها كثرة المجندين ولا اتساع دوائر التنسيق. وقد تتعدد الأدوات وتتوسع قنوات الإسناد، فيما يبقى التحدي الأساسي قائماً، وتظل النتائج رهينة قدرة الأطراف على تحويل ما تحشده من موارد إلى أهداف قابلة للتحقق.
المعضلة ليست في خوض الحرب… بل في إنهائها
يمتلك الكيان الإسرائيلي قدرات عسكرية وأمنية كبيرة، لكن امتلاك هذه القدرات لا يعني ضمان القدرة على فرض الإرادة في كل جبهة. فالتفوق في السلاح والموارد لا يتحول تلقائياً إلى مكاسب سياسية مستقرة، كما أن القدرة على توجيه الضربات لا تعني بالضرورة القدرة على دفع الخصم إلى التراجع عن خياراته.
والخلط بين القدرة على مواصلة العمليات والقدرة على إنهاء الصراع أحد أبرز الأخطاء في قراءة الحروب. فقد ينجح طرف في إلحاق أضرار بخصمه، لكنه يعجز عن تحقيق الأهداف السياسية التي أعلنها، وقد يوسّع نطاق عملياته، فيما تتسع في المقابل كلفة المواجهة وتتعدد ساحاتها. وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال متعلقاً بما يستطيع فعله عسكرياً فقط، بل بما يستطيع تحقيقه سياسياً، وبالثمن الذي يدفعه للحفاظ على مستوى الضغط نفسه.
وتضع الجبهة اليمنية هذه المعادلة أمام اختبار واضح. فالتعامل مع تداعياتها لا يتوقف عند توجيه الضربات أو توسيع نطاق التحركات الأمنية، بل يرتبط بمدى القدرة على الحد من تأثيرها وإنهاء أسباب استمرار المواجهة. وهنا تظهر الفجوة بين القدرة على استخدام القوة والقدرة على تحويلها إلى نتيجة سياسية وعسكرية مستقرة.
فكلما طال أمد المواجهة، أصبح تأمين الموارد اللازمة لاستمرارها تحديًا بحد ذاته، وازدادت أهمية السؤال عن جدوى الأدوات المستخدمة في تحقيق الأهداف المعلنة. وبين استقدام المقاتلين من الخارج وتكثيف التحركات المحيطة بجبهة اليمن، يواجه الكيان الإسرائيلي معادلة لا تجيب عنها كثرة الإمكانات وحدها: كيف يمكن تحويل هذا الحشد إلى حسم، فيما تظل الجبهة اليمنية حاضرة في حسابات الصراع، وتبقى تداعياتها عصية على التجاهل؟
لا تكمن المعضلة في القدرة على مواصلة القتال فحسب، بل في أن تتحول هذه القدرة إلى نتيجة تنهي المواجهة وفق الأهداف المعلنة. فالحرب قد تستمر بفعل ما يُحشد لها، لكن استمرارها لا يعني أن نهايتها باتت أقرب، كما أن توسيع الموارد وشبكات الإسناد لا يضمن أن تكون النتيجة النهائية مطابقة لما أراده أصحابها.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ملف التجنيد الخارجي عن الأسئلة التي تطرحها الحرب الممتدة، كما لا يمكن قراءة التحركات المرتبطة باليمن بمعزل عن أثر هذه الجبهة في الحسابات الإقليمية. فالمساران يلتقيان عند تحدٍّ واحد: الحفاظ على القدرة على المواجهة لا يكفي إذا لم يؤدِّ إلى تغيير واقعها.
لقد أعادت جبهة اليمن إبراز أثر الجغرافيا والممرات البحرية في معادلات الصراع، وأظهرت أن الجبهات البعيدة ليست بالضرورة جبهات هامشية، وأن تداعيات المواجهة قد تتجاوز حدود المكان الذي تبدأ فيه. وفي المقابل، يفتح الاعتماد على الموارد البشرية القادمة من الخارج سؤالًا حول أعباء الحرب الطويلة ومتطلبات استمرارها.
وبين هذين المسارين، يبقى الاختبار الحقيقي في النتائج: هل تستطيع زيادة الموارد وتوسيع أدوات المواجهة تقليص التحديات القائمة، أم أن هذه الإجراءات ستبقى جزءاً من إدارة حرب تتواصل أعباؤها من دون أن يتحقق الحسم؟
فالمعضلة الكبرى ليست في العثور على مزيد من المقاتلين أو توسيع دوائر الإسناد، بل في أن كثرة أدوات الحرب لا تضمن وحدها نهايتها، وأن القدرة على إطالة المواجهة لا تعني بالضرورة القدرة على حسمها.
/إنتهى/