.
وتستمر هذه العمليات في ظل عجز كبير يعاني منه جهاز الإنقاذ والإسعاف بسبب نفاد الوقود بالكامل وتدمير معظم المركبات والآليات الثقيلة والأجهزة اللازمة لإزالة الركام المتساقط، الأمر الذي حوّل عمليات البحث والإنقاذ إلى عملية طويلة ومستنزفة.


وقال «محمود بصل»، المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، في وصفه لوضع معدات الإغاثة في القطاع بعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة: «لدينا حالياً جرافة واحدة فقط نعمل بها في غزة، وأضيفت جرافة جديدة في شهر يونيو تعمل الآن في المنطقة الوسطى. إننا نعتمد على جرافتين فقط في عمليات استخراج مجموعة كاملة من الضحايا».

وأضاف في حديثه عن آخر إحصائيات الشهداء الفلسطينيين: «يوجد نحو ثمانية آلاف شهيد تحت الأنقاض. وقد تمكنت قواتنا خلال مرحلتي الهدنة من استخراج نحو ألف شهيد. نعمل اليوم في أحد المباني التي استُهدفت في ديسمبر 2023، وهو منزل عائلة عطا الله الذي لا يزال عدد من أفرادها بداخله. هناك ما بين 30 إلى 40 شهيداً داخل هذا المنزل، ونحن الآن بصدد استخراج رفات الجثامين. ومنذ بدء الهجمات وحتى هذه اللحظة، نادراً ما نجحنا في العثور على جثمان كامل لشهيد؛ فالغالبية العظمى هي أشلاء وبقايا جثث، وأحياناً لا نجد أي أثر لجثمان مواطن».

وتتجلى فداحة هذه الكارثة الناتجة عن العجز الميداني في مبنى السعادة بمدينة غزة، حيث انهارت بقايا جدرانه المتداعية فوق نازحين لجأوا إلى ظله هرباً من الحر اللافح داخل الخيام. وفي ظل هذه الظروف، تواصل الفرق الميدانية عملها بأدوات يدوية بسيطة فقط، محاولةً سد الفجوة بين سرعة الوصول إلى المحاصرين وثقل الحجارة الضخمة التي يتطلب نقلها آليات عملاقة. ويُظهر هذا الوضع أن المنقذين يواجهون ليس فقط حجم الأنقاض الهائل، بل أيضاً نقصاً حاداً في الأدوات اللازمة للوصول السريع إلى العالقين.


ويروي «طلال الحرازين»، أحد الشهود العيان على الحادث، لحظات ما بعد انهيار المبنى قائلاً: «عندما انهار المبنى، بدأ الناس ينادون بعضهم بعضاً، وأقبل الجميع مسرعين... وعندما وصل الدفاع المدني سمعنا الصوت؛ كان هناك شخصان نسمع أصواتهما، فكانت القوات تفحص المكان وتُخرج من تجده. أخرجوا من استطاعوا إخراجه، والباقي كما ترون، الدفاع المدني لا يزال يعمل على إخراجهم».

ولا تقتصر هذه المأساة على الحوادث الأخيرة، بل تتواصل وتعيد فتح الجراح العميقة. ومن أمثلتها وضع عائلة عطا الله، التي لا تزال جهود البحث والتنقيب الشاقة مستمرة لإخراج جثامين أبنائها المفقودين من تحت الأنقاض بعد أكثر من ثلاث سنوات من الانتظار والقلق. فقد بقيت الجثامين محاصرة تحت الركام طوال هذه السنوات بسبب غياب المعدات الثقيلة التي تحول دون إزالتها، وتظل هذه العائلة شاهداً على معاناة الحصار والحرمان، متمسكةً بالأمل في تكريم شهدائها ودفنهم بما يليق.


وتروي جميلة عطا الله، إحدى الناجيات من مجزرة عائلة عطا الله التي لا يزال جميع أفراد أسرتها تحت الأنقاض، لحظات وقوع الحادث قائلة: «كانت الساعة السادسة والنصف عندما رأيت الأشياء تسقط فوق رؤوسنا. ظل ابني يناديني طوال الليل قائلاً: أمي أخرجيني، ولم أكن قادرة على فعل شيء. كنت أقول: والله لو استطعت لأخرجتك... كنت أنا تحت الأنقاض وابني بعيداً عني قليلاً، وهناك فقدت ابنتي، وكذلك ابني الثالث. أُخرج أبنائي أحياء ونُقلوا إلى مستشفى المعمداني لكنهم فارقوا الحياة هناك. انتظرت أياماً وساعات حتى يأتي يوم إزالة الأنقاض من هنا، وانتظر لحظة الحفر والتعرف على جثمان ابنتي وأخواتي وعائلتي، واليوم جاء هذا اليوم».

أما عبد الكريم الجرجاوي، زوج جميلة، فيقول مشيراً إلى الظروف القاسية لعمليات إزالة الأنقاض واستخراج جثامين الشهداء: «لو توفرت الإمكانيات والمعدات اللازمة، ربما كانوا قد بقوا على قيد الحياة، لكن جميع أفراد العائلة استشهدوا. لا توجد أي إمكانيات ولا يمكن فعل شيء».

ويؤكد أن معظم الأهداف مدنيون، وأن هناك مسنين لم يتمكن أحد حتى الآن من إخراجهم. من نحو 50 شخصاً أُخرج ثلاثة فقط، ويبقى السؤال معلقاً: لماذا لم يُخرجوا في وقت أبكر رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على احتجازهم تحت الأنقاض؟

ويُجبر هذا النقص الحاد في المعدات قوات الإنقاذ والأهالي على الاعتماد على الأيدي العارية والأدوات البدائية في الحفر، مما يطيل زمن عمليات استخراج الضحايا من ساعات قليلة إلى أيام وأشهر وسنوات طويلة. وتحوّل هذه الكارثة اليومية كل دقيقة تأخير إلى ضياع فرص الإنقاذ. وفي خضم هذا الواقع، يقف أهالي الضحايا المنتظرون حول مواقع القصف آملين أن تتمكن عمليات البحث من إعادة جثامين أحبائهم إليهم.


هنا تُجرى عمليات البحث بأدوات بدائية لا تقوى على تحريك المباني، وفي هذه الظروف يُسعى إلى إخراج جثامين شهداء عائلة عطا الله من تحت الأنقاض، بينما يعيش الناجون في حزن عميق. كارثة ميدانية تتكرر مع كل انهيار مبنى جديد، حيث يزيد غياب المعدات الثقيلة من المسافة الزمنية بين وقوع الحادث ووصول المنقذين إلى الضحايا.
/إنتهي/