وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، شدد في كلمته أمام القمة الاستثنائية لقادة الدول المطلة على بحر قزوين، على أنه في عالمنا المعاصر الذي يواجه أزمات متعددة، وتنافسات جيوسياسية، وحروباً، وعقوبات أحادية الجانب، وتضعيفاً للتعددية القطبية، يمكن للتعاون البيئي أن يشكل أحد الميادين الهامة لبناء الثقة والتكامل بين دول المنطقة. وصرح بالقول: "نحن نؤمن بأن البيئة لا ينبغي أن تقع ضحية للخلافات السياسية، أو التنافسات الاقتصادية، أو التدخلات من خارج المنطقة. ويتعين على الدول الساحلية، بالاتكاء على طاقاتها العلمية، والفنية، والمالية، والبشرية، أن تحدد مصير بحر قزوين في إطار التعاون الإقليمي، ومع الاحترام الكامل للسيادة الوطنية والمصالح المشروعة لبعضها البعض".
واعتبر رئيس الجمهورية اتفاقية الإطار لحماية البيئة البحرية لبحر قزوين (اتفاقية طهران) التي وقعت عليها الدول الساحلية الخمس عام 2003، مهمة للغاية. وأشار إلى أنه بالتزامن مع الذكرى العشرين لدخولها حيز التنفيذ، عقدت مؤخراً اجتماعها السابع في طهران بمشاركة فاعلة من جميع الأعضاء، لتمثل الإطار القانوني الإقليمي الإلزامي الأهم لحماية بيئة قزوين، قائلاً: "إن اتفاقية طهران، إلى جانب بروتوكولاتها، وضعت بين أيدينا إطاراً من التعاون الناجح والشامل للدول الساحلية في مختلف المجالات؛ بدءاً من التعاون في مكافحة التلوث النفطي والتلوث الناجم عن الأنشطة البرية، وصولاً إلى حماية التنوع البيولوجي، وتقييم الآثار البيئية العابرة للحدود، والتغير المناخي، وانخفاض منسوب مياه بحر قزوين".
وأكد بزشكيان أنه لا يمكن لأي دولة ساحلية أن تنقذ بحر قزوين بمفردها، لأن مياه هذا البحر وتلوثه، والتغيرات المناخية في المنطقة، وآثار انخفاض منسوب المياه، كلها أمور لا تعترف بالحدود السياسية؛ مبيناً أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفي الوقت الذي ترحب فيه بقرار هذه القمة لإنشاء لجنة رفيعة المستوى تضم نواب رؤساء الحكومات الساحلية، تقترح تدوين وتنفيذ برنامج إقليمي طويل الأمد لمواجهة انخفاض منسوب مياه بحر قزوين في إطار اتفاقية طهران.
نص خطاب رئيس الجمهورية في القمة الاستثنائية لقادة دول بحر قزوين:
بسم الله الرحمن الرحيم
أصحاب الفخامة، قادة الدول الساحلية لبحر قزوين المحترمون، السيدات والسادة؛
بدايةً، أعرب عن تقديري لرئيس جمهورية تركمانستان الصديقة والشقيقة على إتاحة الفرصة للمشاركة في هذه القمة الهامة؛ القمة التي لا نتباحث فيها بشأن مسطح مائي فحسب، بل نناقش المصير المشترك لشعوبنا، ومستقبل الأجيال القادمة، ومسؤوليتنا التاريخية تجاه أحد أثمن المواريث الطبيعية في العالم.
إن هذا الميراث المشترك يواجه اليوم تهديدات جادة ومتزايدة؛ فإن الانخفاض المستمر في منسوب مياه البحر، والتغيرات المناخية، وارتفاع درجات حرارة الجو والمياه، والتلوث النفطي والصناعي، وتدمير البيئات الطبيعية، وتراجع المخزون السمكي، وتهديد الأنواع الحية النادرة، والضغوط المفروضة على المجتمعات الساحتى، كلها تمثل ناقوس خطر لا يمكن ولا ينبغي تجاهله.
إن انخفاض منسوب مياه بحر قزوين لم يعد مجرد قلق بيئي، بل تحول إلى قضية اقتصادية، واجتماعية، وإنسانية، بل وأمنية للمنطقة. إن تراجع المياه يضع الموانئ والبنى التحتية الساحلية أمام صعوبات بالغة، ويقضي على البيئات الطبيعية، ويهدد معيشة الصيادين والمجتمعات المحلية، ويؤثر سلباً على الأمن الغذائي وآفاق التنمية للدول الساحلية.
والواقع أنه لا توجد دولة قادرة بمفردها على كبح جماح هذه الأزمة. فقزوين يمثل نظاماً بيئياً مترابطاً، وأي ضرر يلحق بجزء منه ستظهر آثاره عاجلاً أم آجلاً في سائر هذا المسطح المائي. ومن هذا المنطلق، فإن حماية بحر قزوين تتطلب، قبل كل شيء، إرادة سياسية مشتركة، وتعاوناً مستمراً، وتحركاً منسقاً من قِبل جميع الدول الساحلية.
وتؤمن الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأن الأزمات البيئية لا تعترف بالحدود السياسية، وأن المواجهة المؤثرة معها تستلزم العبور فوق الرؤى الوطنية الضيقة وتعزيز المسؤولية الإقليمية المتبادلة.
وفي عالم اليوم الذي يعاني من أزمات متعددة، وتنافسات جيوسياسية، وحروب، وعقوبات أحادية الجانب، وتضعيف للتعددية القطبية، يمكن للتعاون البيئي أن يشكل أحد الميادين الهامة لبناء الثقة والتكامل بين دول المنطقة. ونحن نرى أن البيئة لا ينبغي أن تقع ضحية للخلافات السياسية، أو التنافسات الاقتصادية، أو التدخلات الخارجية. ويتعين على الدول الساحلية، بالاعتماد على طاقاتها العلمية، والفنية، والمالية، والبشرية، أن تقرر مصير بحر قزوين في إطار التعاون الإقليمي والاحترام الكامل للسيادة والمصالح المشروعة لبعضها البعض.
أصحاب الفخامة؛
ترى الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن المبدأ الأول في مواجهة هذه الأزمة هو الاعتماد على العلم، والبيانات المشتركة، والتعاون الإقليمي. ونحن لم نتوصل بعد إلى صورة نهائية وشاملة بشأن الحصة الدقيقة للعوامل المختلفة في انخفاض منسوب مياه بحر قزوين؛ فالتغيرات المناخية، وارتفاع درجات الحرارة والتبخر، وتغير أنماط هطول الأمطار، وتغير تدفق الأنهار، والتدخلات البشرية، كلها تشكل هيكلاً متشابكاً من القضايا التي يجب دراستها في إطار علمي وموحد للوصول إلى مقاربة تحل هذه التداعيات. إن سرعة المتغيرات بلغت حداً يوجب علينا الانتقال من مرحلة "المراقبة والتوصيف" إلى فصل جديد من "الإدارة المشتركة للأزمة".
وفي هذا المسار، تؤكد إيران على الدور المحوري لـ "اتفاقية طهران". وهي اتفاقية الإطار لحماية البيئة البحرية لبحر قزوين التي وقعت عليها الدول الخمس عام 2003، وصارت الإطار القانوني الإقليمي الإلزامي الأهم لحماية بيئة هذا البحر.
إن اتفاقية طهران، وبروتوكولاتها، توفر لنا إطاراً من التعاون الناجح والشامل بين الدول الساحلية في مختلف المجالات؛ من مكافحة التلوث النفطي والتلوث الناجم عن الأنشطة البرية، إلى حماية التنوع البيولوجي، وتقييم الآثار البيئية العابرة للحدود، والتغير المناخي، وانخفاض منسوب المياه.
أصحاب المعالي ورؤساء الحكومات الساحلية؛
اسمحوا لي أن أؤكد على نقطة أساسية أيضاً؛ يقع بحر قزوين في منطقة تؤثر تحولاتها الجيوسياسية والأمنية بشكل مباشر على مستقبل التعاون الاقتصادي، والترانزيتي، والبيئي للدول الساحلية.
وفي وقت يواجه فيه العالم تصاعداً في التنافسات، والنزاعات، وزيادة المساعي لفرض الإرادة السياسية والاقتصادية عبر أدوات الضغط، فإن الحفاظ على بحر قزوين كفضاء للتعاون، والاستقرار، والتنمية المشتركة يكتسب أهمية مضاعفة.
ونحن على قناعة بأن السلام، والاستقرار، والأمن المستدام في منطقة بحر قزوين سيُضمن عندما تمنع الدول الساحلية – مع احترام سيادة ومصالح بعضها البعض – تحويل هذه الرقعة الاستراتيجية إلى ساحة للتنافس المدمر، وتمنع كذلك تواجد وتدخل القوات من خارج المنطقة.
وفي هذا الصدد، فإن أي هجوم عسكري على المنشآت الساحلية، أو الموانئ، أو السفن، أو خزانات الوقود، أو المنشآت الصناعية والبنى التحتية المرتبطة بالبحر – مثل الهجوم على ميناء أنزلي خلال الحرب العدوانية لأمريكا والكيان الصهيوني ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والهجوم المسلح من قِبل أوكرانيا ضد سفينة تجارية إيرانية – فضلاً عن كونه يهدد السلام والأمن الإقليميين، فإنه يحمل تداعيات بيئية عابرة للحدود بالتبعية؛ ومن ثم يجب إدانته فوراً وبقوة من قِبل جميع الدول الساحلية، ومحاسبة المعتدي أو المعتدين.
إن تسرب الوقود والمواد الملوثة إلى البيئة البحرية، والإضرار بالبيئات الساحلية، وتلوث الرسوبات والمياه، وكذلك الإضرار بالتنوع البيولوجي، هي آثار يمكن الشعور بها في بحر خاص كبحر قزوين بأبعاد تتجاوز بكثير مكان وقوع الحادث نفسه. ولهذا السبب، تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أهمية الحفاظ على الطابع السلمي لبحر قزوين وضرورة حماية بيئته في ظروف النزاعات المسلحة.
أصحاب الفخامة؛
نحن اليوم بحاجة إلى دبلوماسية البيئة أكثر من أي وقت مضى. ويمكن لقزوين أن يقدم نموذجاً ناجحاً لحقيقة أنه حتى في ظل وجود خلافات سياسية وجيوسياسية، يمكن للدول أن تتعاون حول مصلحة مشتركة. ورغم أنه قد تكون لدينا وجهات نظر متفاوتة في العديد من القضايا، إلا أنه لا يوجد شك في حقيقة واحدة: وهي أنه لا يمكن لأي من الدول الساحلية أن تنقذ بحر قزوين بمفردها؛ فمياه هذا البحر وتلوثه، والتغيرات المناخية في المنطقة، وآثار انخفاض منسوب المياه، لا تعترف بأي حدود سياسية.
بناءً على ذلك، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفي الوقت الذي ترحب فيه بقرار هذه القمة لإنشاء لجنة رفيعة المستوى تضم نواب رؤساء الحكومات الساحلية، تقترح تدوين وتنفيذ برنامج إقليمي طويل الأمد لمواجهة انخفاض منسوب مياه بحر قزوين في إطار اتفاقية طهران. وينبغي لهذا البرنامج أن يتمحور حول سبعة محاور أساسية على الأقل:
أولاً: الرصد العلمي والمشترك للعوامل المؤثرة في انخفاض منسوب المياه، وتدوين وتنفيذ برنامج شامل لمواجهة انخفاض تراز بحر قزوين.
ثانياً: تعزيز الآليات المشتركة لمكافحة التلوث البحري وحماية التنوع البيولوجي.
ثالثاً: الارتقاء بمكانة اتفاقية طهران وتعزيز آلياتها التنفيذية.
رابعاً: ملاءمة البنى التحتية الساحلية والموانئ مع المتغيرات المستقبلية.
خامساً: حماية وإعادة إحياء الأراضي الرطبة، والموائل، والمناطق الحساسة بيئياً.
سادساً: دعم المجتمعات المحلية، قطاع الثروة السمكية، ومعيشة ملايين البشر الذين تعتمد حياتهم على بحر قزوين.
سابعاً: تأمين الموارد المالية والتكنولوجية لتنفيذ إجراءات الملاءمة والحماية البيئية.
السيدات، والسادة؛
إننا اليوم أمام خيار تاريخي؛ فإما أن نكتفي بالتعامل مع انخفاض منسوب مياه بحر قزوين بمجرد اعتباره مساراً طبيعياً ومحتوماً لنقف متفرجين عليه وننتظر تبعاته؛ أو أن نتحرك – بالاعتماد على العلم، والتعاون الإقليمي، والإرادة السياسية – للحد من الخسائر ورفع مستوى مرونة وصمود هذا النظام البيئي الفريد. إن خيار الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو التعاون، وخيارنا هو العلم، وخيارنا هو حماية بحر قزوين، وخيارنا هو نقل هذا الميراث المشترك إلى الأجيال القادمة. فلنجعل من بحر قزوين رمزاً جديداً للتعاون الإقليمي؛ بحراً يكون جسراً يربط بين شعوبنا بدلاً من أن يكون حدوداً تفصل بينها. ولنثبت للأجيال القادمة أنه عندما واجهتنا أزمة مشتركة، وقفنا كدول ساحلية لبحر قزوين جنباً إلى جنب.
أشكركم على حسن إصغائكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
/انتهى/