7 أكتوبر يوم الطوفان: التاريخ الذي اهتزّت فيه صورة الردع
- الأخبار الشرق الأوسط
- 2026/10/07 - 12:02
أمل شبيب
قبل ثلاث سنوات، في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تستيقظ المنطقة على جولة جديدة من جولات المواجهة. استيقظت على زلزال أمني وعسكري هزّ صورة بناها الكيان الإسرائيلي على مدى عقود. في ذلك الصباح، لم تكن المسألة مجرد صواريخ تنطلق من قطاع غزة، ولا عملية عسكرية يمكن احتواؤها ثم إغلاق ملفها بعد ساعات.
كان هناك شيء أكبر.
المقاومة الفلسطينية دخلت إلى قلب الصورة التي طالما قدّمها الكيان عن نفسه: صورة القوة التي لا تُخترق، والاستخبارات التي تعرف، والحدود التي لا تُكسر، والجيش الذي يصل قبل أن يصل الخطر.
لكن في 7 تشرين، وصلت المقاومة أولاً.
وانهار جزء من الصورة معها.
لسنوات، لم يتوقف الخطاب الإسرائيلي عن تقديم منظومته الأمنية والعسكرية بوصفها واحدة من أكثر المنظومات تطوراً في العالم. جدار، أجهزة استشعار، كاميرات ومراقبة إلكترونية، استخبارات بشرية وتقنية، قوات عسكرية، طائرات، منظومات دفاع جوي، وقدرات هجومية هائلة.
كل ذلك كان يفترض أن يجعل اختراق حدود غزة أمراً بالغ الصعوبة.
لكن صباح السابع من تشرين الأول، أكتوبر وضع هذه المنظومة أمام لحظة مختلفة.
صواريخ كثيفة، واختراقات متعددة، ووصول مقاومين إلى مواقع عسكرية وبلدات في غلاف غزة، فيما احتاج الجيش الإسرائيلي إلى وقت لاستعادة السيطرة على عدد من النقاط التي وصل إليها المهاجمون. وفي التحقيقات التي نشرها الجيش لاحقاً، أقرّ بأن "آلاف المقاتلين دخلوا عبر نقاط متعددة في وقت متزامن، وأنه لم يكن مستعداً لهذا السيناريو بهذا الاتساع".
هنا تحديداً يجب التوقف.
لأن المسألة لم تكن فقط في ما الذي فعلته المقاومة.
بل في ما الذي عجزت المنظومة الإسرائيلية عن منعه.
حين وقع الردع في قبضة اليد
كان الردع الإسرائيلي يقوم، في أحد وجوهه الأساسية، على فكرة بسيطة: الخصم يعرف أن كلفة المواجهة ستكون هائلة، ولذلك سيتردد قبل أن يهاجم. لكن الردع لا يعيش في الخطابات.الردع يُختبر عندما تأتي اللحظة التي يقرر فيها الخصم أن يعبر الخط الذي قيل إنه لا يستطيع عبوره.
وهذا ما حدث في 7 اكتوبر الشهير.
المقاومة الفلسطينية لم تكتفِ بإطلاق النار من خلف الحدود؛ وصلت إلى الجانب الآخر منها.
وهنا تحولت قوة الردع من فكرة إسرائيلية متعالية إلى سؤال مفتوح.
كيف استطاعت المقاومة أن تفاجئ المنظومة؟
كيف عبرت؟
كيف وصلت إلى مواقع عسكرية وبلدات؟
كيف تحركت مجموعات متعددة في وقت واحد؟
وكيف لم يتحول ما كان موجوداً من معلومات وإشارات إلى إنذار يمنع الهجوم؟
هذه الأسئلة كانت محط إهتمام حلفاء المقاومة الفلسطينية واعداءها أيضاً..
في مراجعة إسرائيلية لاحقة، اعترف "الجيش" نفسه عن إخفاقات متعددة: فشل في التقدير، إخفاق استخباري، عدم التعامل مع خطة «حائط أريحا»، فجوة بين تقدير التهديد والاستعداد العملياتي، وأخطاء في اتخاذ القرار خلال ليلة 7 تشرين. والأهم أن المراجعة أشارت إلى أن معلومات مهمة كانت موجودة، لكن لم تُحلّل بالطريقة التي تقود إلى إنذار مناسب.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى:
المنظومة كانت تملك أدوات القوة، لكنها لم تمتلك في تلك اللحظة القدرة على منع المفاجأة.
وهذا بالضبط هو المكان الذي بدأ فيه اهتزاز الردع.
المقاومة أمام الجدار
لم يكن الجدار مجرد إسمنت وحديد، كان رمزاً. كان رمزاً لفكرة أن الكيان يستطيع أن يفصل نفسه عن غزة، أن يراقبها من بعيد، أن يتحكم بمداخلها ومخارجها، وأن يفرض عليها معادلة أمنية تجعل المبادرة العسكرية في يده.
لكن 7 تشرين قلب الصورة.
الجدار الذي كان يفترض أن يكون نهاية الطريق أصبح في ذلك الصباح نقطة عبور.
والحدود التي كان يفترض أن تمنح الأمان أصبحت مسرحاً للمواجهة.
والمستوطنات التي كان يفترض أن تكون بعيدة عن الخطر المباشر أصبحت داخل المشهد.
والجيش الذي كان يفترض أن يكون حاضراً قبل وصول "المواجهة"، وجد نفسه أمام واقع ميدانيّ تغيّر بالفعل.
وهنا لم تعد المسألة مجرد اختراق تكتيكي.
لقد أصبحت ضربة لصورة الردع نفسها.
يوم تغيّرت فيه صورة "الكيان الذي يعرف كل شيء"
كان أحد عناصر القوة الإسرائيلية الأكثر حضوراً في الوعي العام هو صورة الاستخبارات التي تعرف ما يجري.
مَن يتحرك؟
مَن يخطط؟
مَن يستعد؟
وأين سيأتي الهجوم؟
لكن 7 تشرين أعاد السؤال من الجهة المقابلة:
ماذا لو لم تعرف؟
وماذا لو كانت المقاومة قد نجحت في بناء عملية واسعة، بينما بقيت المؤسسة الإسرائيلية أسيرة تقدير مختلف لقدراتها ونواياها؟
المراجعة العسكرية الإسرائيلية وفي تقرير نشرته عام 2025 تحدثت صراحة عن فشل استخباري وفشل في فهم تطور قدرات حركة حماس، وعن قصور في تقديم الإنذار المبكر. كما أشارت دراسة إسرائيلية عسكرية أخرى إلى أن المفاجأة كشفت "فجوة ملاءمة" في التصور الإسرائيلي للردع والدفاع أمام حركة حماس.
وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات 7 تشرين دلالة:
المقاومة لم تكن تملك ما يملكه الكيان الإسرائيلي من تكنولوجيا أو طائرات أو أقمار صناعية أو منظومات مراقبة، لكنها امتلكت في ذلك الصباح عنصر المبادرة والمفاجأة.
وفي الحرب، قد يكون امتلاك المبادرة في اللحظة المناسبة أكثر تأثيراً من الصورة التي رسمتها الترسانة وحدها.
لم يسقط الكيان في يوم واحد… لكن سقطت صورة
هنا يجب أن نكون دقيقين.
7 تشرين لم يُسقط الكيان الإسرائيلي، ولم ينتهِ المشروع الصهيوني في ذلك اليوم.
لكن هذا لا يعني أن شيئاً لم يتغير.
على العكس.
الذي سقط أولاً كان الصورة.
الصورة التي تقول إن الحدود محكمة إلى درجة يستحيل معها الاختراق.
الصورة التي تقول إن الاستخبارات ترى كل شيء.
الصورة التي تقول إن الجيش قادر دائماً على حماية مستوطنيه.
الصورة التي تقول إن الردع وحده قادر على إبقاء المقاومة داخل حدود مرسومة لها.
هذه الصورة اهتزت في ساعات.
واللافت أن الاعتراف بذلك لم يأتِ من خارج الكيان فقط.
"الجيش الإسرائيلي" نفسه قال في مراجعاته إن 7 تشرين شهد فشلاً في مهمته الأساسية المتمثلة بحماية المستوطنين، وأشار إلى أن آلاف المهاجمين دخلوا من نقاط متعددة في وقت واحد.
وهكذا أصبح 7 تشرين أكثر من يوم معركة.
أصبح اختباراً تاريخياً لفكرة الردع الإسرائيلي.
من صورة القوة إلى سؤال المستقبل
بعد ذلك اليوم، لم يعد الكيان يواجه المقاومة الفلسطينية بالطريقة نفسها التي كان يواجهها قبل 7 تشرين. بدأت حرب واسعة وتوسعت العمليات وارتفعت الكلفة البشرية والمادية ووانفتحت جبهات أخرى في المنطقة، وبدأ الكيان نفسه بإعادة النظر في مفاهيمه الأمنية والعسكرية.
لكن كل ذلك لا يلغي السؤال الذي وُلد في الصباح الأول:
إذا كانت هذه القوة الهائلة لم تستطع منع 7 أكتوبر، فماذا يقول ذلك عن صورة الردع التي بُنيت عليها عقيدة الأمن الإسرائيلية؟
هنا يبدأ المعنى الأعمق، لأن المشاريع السياسية لا تعيش بالقوة العسكرية وحدها، تعيش أيضاً بالصورة وبالثقة وبالقدرة على إقناع الداخل بأن الدولة قادرة على حمايته، وبإقناع الخارج بأن تجاوز خطوطها الحمراء مستحيل أو باهظ إلى درجة تمنع "الخصم" من المحاولة.
وفي 7 تشرين، حدث العكس.
المقاومة حاولت، واخترقت، ووصلت. وهذه الحقيقة وحدها كانت كافية لفتح شرخ كبير في صورة الردع.
هل كان 7 اكتوبر بداية الزوال؟
هنا يصبح السؤال أكبر من الحرب نفسها.
هل كان السابع من أكتوبر بداية نهاية المشروع الصهيوني؟
لا يمكن التعامل مع هذه العبارة كأنها حقيقة حُسمت في يوم واحد.
لكن يمكن النظر إلى 7 أكتوبر بوصفه بداية مرحلة جديدة من التآكل في صورة المشروع وقدرته على تقديم نفسه باعتباره واقعاً ثابتاً لا يمكن كسره.
فالحدث أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي.
وأعاد طرح أسئلة الأمن والحدود والردع داخل الكيان نفسه.
وكشف فجوات في المؤسسة العسكرية والاستخبارية اعترفت بها تحقيقات إسرائيلية.
وأثبت أن المقاومة الفلسطينية، رغم الفارق الهائل في الإمكانات، استطاعت أن تنتزع المبادرة في لحظة تاريخية وأن تنقل المعركة إلى المكان الذي لم تكن إسرائيل تتوقع وصولها إليه بهذه السرعة.
ومن هنا يمكن قراءة 7 تشرين كـ بداية مسار، لا كنهاية مكتملة.
مسار تتراجع فيه صورة القوة المطلقة، وتتسع فيه الأسئلة حول مستقبل المشروع، وتصبح فيه قدرة الكيان على فرض معادلاته موضع اختبار دائم.
فالزوال التاريخي، إن حدث، لا يأتي عادة في لحظة واحدة.
تبدأ المشاريع بالاهتزاز قبل أن تسقط.
وتبدأ صورتها بالتآكل قبل أن يتغير واقعها.
وقد يكون 7 أكتوبر، في هذه القراءة، اليوم الذي بدأ فيه الشرخ يظهر إلى العلن.
وفي النهاية…
بعد سنوات من ذلك الصباح الذي أظهر قوة فريدة وعملية فريدة للمقاومة الفلسطينية، تبقى حقيقة يصعب تجاهلها:
في 7 أكتوبر، لم تدخل المقاومة الفلسطينية إلى معركة فقط؛ دخلت إلى قلب الصورة التي بناها الكيان عن أمنه وردعه.
الجدار لم يعد يبدو مستحيلاً.
الحدود لم تعد عصية على الاختراق.
الاستخبارات لم تعد تبدو معصومة من المفاجأة.
و"الجيش" لم يعد قادراً على تقديم نفسه باعتباره القوة التي تفرض إيقاع المواجهة وتتحكم بميدانها، بعدما وجد نفسه امام الصدمة الاولى له منذ اغتصاب واحتلال فلسطين على مدى عقود.
وفي تلك الساعات، حدث شيء أكبر من اختراق حدود: اهتزت صورة. وصورة القوة حين تهتز، لا تعود كما كانت بسهولة.
لهذا، ربما لن يُقرأ 7 اكتوبر في التاريخ فقط باعتباره بداية حرب غزة الأخيرة.
قد يُقرأ أيضاً باعتباره اليوم الذي أمسكت فيه المقاومة الفلسطينية بأحد أهم رموز القوة الإسرائيلية من يده: الردع.
ومن تلك القبضة، بدأ سؤال أكبر يكبر:
إذا كان الردع قد اهتزّ… فهل كان 7 أكتوبر هو بداية الطريق إلى تآكل المشروع الذي قام جزء كبير من قوته على هذا الردع؟
/إنتهى/