سياحة الريف في خراسان الجنوبية: لوحة متكاملة من التراث والطبيعة

وكالة تسنيم الدولية للأنباء - يمكن اعتبار خراسان الجنوبية ربما أرض التناقضات المذهلة؛ حيث صاغت الصحراء وبساتين النخيل، وحقول الزرشك الحمراء ومزارع الزعفران الأرجوانية، والبيوت الطينية والقرى المدرجة معاً صورةً مغايرة للسياحة الريفية في إيران.

ويكفي هنا أن تهطل قطرات المطر الخفيفة على الجدران الطينية للقرية، أو أن يفوح عبق نبات السذاب في الأزقة الترابية، أو أن تفترش أوراق الخريف ممرات البساتين، لكي يبعث جانبٌ من الحياة الريفية الأصيلة حياً أمام ناظري السائح؛ وهي تجربة قد تبدو جميلة في مخيلة سكان المدن، لكنها قابلة للّمس في القرية.

كما يُشكل موسم حصاد المحاصيل الزراعية بذاته سبباً ومبرراً للسفر؛ بدءاً من بساتين الزرشك الحمراء في أفين وفورغ، وصولاً إلى حقول الزعفران وبساتين العناب. وبامكان السائح مشاركة المزارعين جانباً من عملية حصاد المحاصيل، والتعرف على نمط المعيشة وثقافة المنطقة وأطعمتها التقليدية.

وتتمتع خراسان الجنوبية، التي تضم 1778 قرية ونحو 40% من السكان الريفيين، بإمكانات ملحوظة لتطوير السياحة الريفية. وقد أُدرجت حالياً 14 قرية ضمن قائمة القرى المستهدفة سياحياً في المحافظة، وهي: أفين، فورغ، خور، كريمو، باغستان، خرو، أصفهك، أزميغان، نايبند، سرند، ملوند، بيرحاجات، ماخونيك، وتشنشت.

أفين؛ عاصمة الزرشك بلا بذور

تُعدّ قرية أفين الواقعة في مدينة زيركوه إحدى أبرز وجهات السياحة الريفية في خراسان الجنوبية؛ وهي قرية تضم بين ثناياها بساتين البرباريس، والنسيج التاريخي، والمسجد الجامع، والقلعة، والخانات، والطواحين المائية، والأبراج التاريخية.

وتتحول بساتين الزرشك في أفين خلال موسم الحصاد إلى بحر أحمر، ومثل هذه الميزة أوجدت طاقة استيعابية هائلة لتطوير السياحة الزراعية والقائمة على التجربة. كما جرى السعي في الأعوام الأخيرة نحو تنظيم مهرجان الزرشك وإطلاق ورش عمل مرتبطة بالأطعمة وتعبئة وتغليف ومعالجة الزرشك بغية تعزيز هذه القدرات. وفي هذا السياق، يمكن لتدريب نساء القرى على إعداد الأطباق الأصيلة، وتصنيع المنتجات وعرضها على السياح، أن يشكل حلقة الوصل بين الزراعة وسياحة الطعام والاقتصاد المحلي.

فورغ؛ حكاية التاريخ عند سفح الجبل

تُعرف قرية فورغ في مدينة درميان بقلعتها التاريخية؛ إلا أن جاذبية القرية لا تقتصر على القلعة وحدها. فالنسيج المدرج، والأزقة الضيقة، والممرات المسقوفة (الساباط)، والبيوت المصنوعة من الطوب اللبن والآجور، وبساتين الزرشك، تتألف معاً لتشكل مجموعة من العناصر التاريخية والطبيعية المتلاصقة. وقد تكيفت عمارة القرية مع الظروف المناخية للمنطقة، حيث شكلت الأزقة الضيقة والممرات المسقوفة — فضلاً عن إضفائها هوية بصرية مميزة — وسيلة تاريخية لمواجهة حرارة الطقس.

تشنشت؛ أرض الألوان

تُعدّ قرية تشنشت التابعة لمدينة سربيشة إحدى أكثر قرى خراسان الجنوبية تميزاً؛ إذ إن أزياءها المحلية الملونة وعاداتها وتقاليدها الخاصة وكهوفها ومعالمها التاريخية جعلت منها وجهة استثنائية للسياح. وتُعتبر الأزياء التقليدية لنساء تشنشت بألوانها المبهجة والمتنوعة جزءاً من التراث غير المادي للمنطقة، ويضع الحفاظ على هذه الخصائص الثقافية قرية تشنشت على مسار التعريف بها كوجهة متميزة في السياحة الريفية. كما تُقام في هذه القرية ورش عمل بحضور الأطفال والفتيان والنساء بهدف نقل الفن والثقافة المحلية إلى الأجيال القادمة.

ماخونيك؛ قرية مختلفة في شرق إيران

تُعتبر ماخونيك الواقعة بالقرب من الحدود الأفغانية قرية أخرى من قرى خراسان الجنوبية المعروفة، حيث تجذب عماراتها التقليدية ونمط حياة أهلها التاريخي اهتمام الباحثين والسياح. فالبيوت الطينية والحجرية، والنسيج التاريخي، والطريقة الفريدة لتنظيم القرية، جعلت من ماخونيك إحدى وجهات السياحة الثقافية المختلفة في المحافظة.

خور؛ عمارة الصحراء في إطار الطين اللبن

تُعدّ قرية خور في خوسف نموذجاً بارزاً لتكيف العمارة مع المناخ الحار والجاف. فالبيوت الطينية، والملالق (مواقف الهواء) أحادية الاتجاه، والممرات الضيقة، والقلعة، وخزانات المياه (الآبار المسقوفة)، والحمامات، والطواحين المائية، والنسيج التاريخي، تشكل بمجملها معالم الجذب في هذه القرية الصحراوية. كما أن وقوع خور على أطراف صحراء لوت يعزز من قدرتها على ربط السياحة الريفية بالسياحة الصحراوية.

دهسلم؛ بوابة صحراء لوت

تقدم دهسلم التابعة لنهبندان — ببساتين نخلها الوارفة، وقنواتها المائية الغزيرة، وبيوتها الطينية، وكثبانها الرملية، وقربها من صحراء لوت — صورة مختلفة للقرى الصحراوية. وفتحت النزل البيئية (الإقامات الريفية) التي أُنشئت في هذه المنطقة الباب أمام إطالة أمد إقامة السياح، مما يسهم في زيادة المبيعات المباشرة للمنتجات المحلية وتطوير المشاريع الريفية.

أزميغان؛ مكان بين الشمال والجنوب

قد تكون أزميغان في طبس واحدة من أدهش نماذج التنوع المناخي في خراسان الجنوبية؛ فهي قرية تجمع في قلب المناخ الصحراوي بين بساتين النخيل وحقول الأرز. وجعل التدفق الدائم للمياه، وبساتين النخيل، وحقول الأرز، والوديان الضيقة، والشلالات، من أزميغان مشهداً مختلفاً لطبيعة طبس؛ وكأن جزءاً من شمال إيران وجنوبها قد التقيا في قلب الصحراء.

أصفهك؛ إحياء قرية بمشاركة أهلها

تُمثل أصفهك في طبس نموذجاً فريداً للسياحة الريفية؛ وهي قرية هُجر جُزء كبير منها عقب زلزال عام 1978، لكنها استعادت حياتها في الأعوام الأخيرة بجهود المجتمع المحلي، حيث أُحيي نسيجها الطيني والتقليدي وأُنشئت فيها النزل البيئية.

وقد أُدرجت هذه القرية في أواخر عام 2024 ضمن قائمة أفضل القرى السياحية في العالم، وباتت اليوم نموذجاً يُحتذى به في ربط التراث بمشاركة المجتمع المحلي وتطوير السياحة المستدامة.

كما أن تنظيم مهرجان «دستينه؛ اكتشاف أصفهك» المتمحور حول الأطفال، يُعد نموذجاً للجهود المبذولة لنقل تراث القرية إلى الأجيال القادمة، والانتقال من السياحة القائمة على المشاهدة فقط إلى سياحة قائمة على التجربة.

كريمو، نايبند، وغيرها من الوجهات الريفية

تمثل كل من كريمو في سرايان بمناطقها الجبلية وينابيعها وشلالاتها وكهوفها الطبيعية، ونايبند في طبس بعمارتها المدرجة وبساتين نخلها، وبيرحاجات بمزيجها من المعالم التاريخية والطبيعية، وخرو بطريقها المؤدي إلى عين المياه السخنة «مرتضى علي»، وسرند ببساتينها وينابيعها، وملوند بجبالها المحيطة، جزءاً من تنوع السياحة الريفية في خراسان الجنوبية.

وقد أدى هذا التنوع إلى ألا يقتصر السفر إلى قرى المحافظة على فصل واحد بعينه؛ فحصاد الزرشك والزعفران، والأزهار وثمار البساتين، والتقاليد المحلية، والمهرجانات الريفية، والصناعات اليدوية، والطبيعة الجبلية والصحراوية، كلها تشكل أسباباً للدعوة إلى السفر في مختلف فترات السنة.

السياحة الريفية؛ أبعد من مجرد زيارة

يؤكد مسؤولو التراث الثقافي في خراسان الجنوبية أن تطوير السياحة الريفية لا يمكن أن يقود إلى اقتصاد مستدام إلا إذا كان للمجتمع المحلي الدور الأساسي فيها. وتُعدّ تنمية النزل البيئية، وتدريب النساء والشباب، وإحياء الصناعات اليدوية، وتعبئة المنتجات المحلية وتغليفها، وتطوير سياحة الطعام، وإقامة المهرجانات المحلية، وتأسيس الجولات الريفية؛ من جملة التدابير التي جرى اعتمادها في شتى مناطق المحافظة خلال الأعوام الأخيرة.

وفي مدينة قائنات أيضاً، يُعدّ تنظيم الجولات السياحية ليوم واحد إلى القرى الأقل شهرة، ومهرجانات الزرشك والزعفران والرمان، وتقاليد حصاد المحاصيل والبرامج الثقافية؛ مساعي للتعريف بالإمكانات التي ظلت لفترة طويلة بعيدة عن أعين السياح.

ومن جهة أخرى، يمكن لتعليم الصناعات اليدوية في قرى مثل معصوم‌ آباد التابعة لخوسف أن يُكمل حلقة اقتصاد السياحة عبر توفير فرص العمل المنزلي؛ إذ إن سائح اليوم لا يبحث عن مجرد زيارة وجهة ما، بل يسعى وراء التجربة، والمنتج، والطعام، والقصة، والتواصل مع المجتمع المحلي.

مع ذلك، فإن إدراج القرية ضمن قائمة القرى المستهدفة سياحياً يتطلب تقييماً واعتماداً من وزارة التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية، ولا يُعد التمتع بالمعالم السياحية وحده كافياً للاصطفاف في هذه القائمة.

ثلاث قرى مرشحة للعالمية

أُعدّت وحُضّرت الآن ملفات قرى أفين، وخور، وشنشت لتوضع على مسار ترشيح القرى العالمية الإيرانية؛ وهو مسار قد يتيح في حال نجاحه فرصة جديدة للتعريف بالطاقات الثقافية والطبيعية والاقتصادية لخراسان الجنوبية على المستويين المحلي والدولي.

وقرى خراسان الجنوبية — وإن تفرقت في زوايا المحافظة وأرجائها — تحمل كلّ منها قصة ترويها؛ قصةً عن الزرشك والزعفران، والطين والقنوات المائية، والصحراء والجبل، والطعام والصناعات اليدوية، وبشراً ما زالوا يحتفظون بجزء من أصالة هذه الأرض في غمرة حياتهم اليومية.

إن تطوير السياحة في مثل هذه القرى، متى ما اقترن بالحفاظ على البيئة، وصيانة الثقافة المحلية، والمشاركة الحقيقية للسكان، من شأنه أن يصنع تجربة لا تُنسى للمسافر، وأن يعيد الروح والحياة من جديد إلى الاقتصاد والمجتمع الريفيين.

/انتهى/