قفزة كبيرة لأقمار إيران الصناعية .. كيف غيّر الإنجاز الفضائي الجديد المعادلات؟
- الأخبار تکنولوجیا الفضاء
- 2026/10/04 - 11:25
وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء ان تطوير البنى التحتية الفضائية في الدول الرائدة يسلك دائماً مساراً يبدأ من تثبيت تقنيات الإطلاق الأساسية ويتجه نحو تطوير أنظمة الملاحة المعقدة والنقل المداري.
وفي أدبيات الهندسة الفضائية، تتطلب إمكانية الوصول إلى مدارات أعلى من المدار الأرضي المنخفض (LEO)، وكذلك إنشاء شبكات أقمار صناعية معقدة، أدوات تتجاوز قدرات الصواريخ الحاملة للأقمار الصناعية من الجيل الأول التقليدية.
إن تصريحات مدير معهد أبحاث الفضاء الإيراني أمس حول إعادة تعريف دقيقة للمشاريع الفضائية ودخول مجال "الوقود السائل" في مشاريع سلسلة كبسولة النقل المداري "سامان"، تُشير إلى نقطة تحول وتغيير جوهري في العقيدة الفضائية للبلاد. هذا الانتقال التكنولوجي ليس مجرد ترقية هندسية بسيطة، بل هو الكلمة المفتاحية الرئيسية لدخول عصر بناء المنظومات واقتصاد الفضاء والوصول المستدام إلى المدارات الاستراتيجية مثل المدار الجغرافي المتزامن مع الأرض (GEO).
مفهوم وهندسة كبسولة التنقل المداري (Space Tug)
لفهم أهمية التصريحات المطروحة بشأن دخول مجال الوقود السائل، يجب أولاً توضيح موقع كبسولة التنقل المداري في هندسة المهام الفضائية بدقة. في صناعة الطيران والفضاء، تتولى الصواريخ الحاملة (Launch Vehicles) مهمة التغلب على جاذبية الأرض وعبور طبقات الغلاف الجوي الكثيفة.
وقد صُممت الصواريخ الحاملة الثقيلة ومتعددة المراحل بحيث تنقل الحمولة إلى الفضاء بتوليد قوة دفع هائلة. ومع ذلك، نظراً للوزن الكبير لهيكل لهذه الصواريخ ومحركاتها العملاقة، فإن استخدامها لتنفيذ مناورات دقيقة في الفضاء أو نقل الحمولة إلى مدارات بعيدة جداً يُعدّ غير منطقي وغير فعال من حيث كفاءة الصواريخ.
أما كبسولة التنقل المداري (Orbital Transfer Block)، المعروف في الأدبيات الدولية بمصطلحات مثل "القاطرة الفضائية" (Space Tug) أو "المرحلة المعجّلة" (Kick Stage)، فهو مركبة فضائية مستقلة تماماً تتولى، بعد انتهاء عمل الصاروخ الرئيسي والإفراج عنها في مدار أولي (مدار الانتظار)، مهمة نقل القمر الصناعي إلى المدار النهائي والتشغيلي. وتمتلك هذه الأنظمة هيكلاً خفيفاً جداً ونظام ملاحة وتحكم بالوضعية مستقلاً ومحركات مُحسّنة للعمل في ظروف الفراغ المطلق.
ويزيد استخدام هذه الكبسولات في هندسة الإطلاق من عوامل النجاح بشكل كبير، ويفتح يد مصممي المهام لإرسال حمولات أثقل. فعلى سبيل المثال، في حال استخدام كبسولة النقل المداري في المرحلة الأخيرة من عمل صواريخ الفضاء، يصبح من الممكن نقل حمولات أثقل بكثير إلى مدارات ذات ميل مختلف، وهو ما كان مستحيلاً سابقاً بالنسبة لصواريخ الفضاء التقليدية.
وتتولى كبسولة النقل المداري مهام مثل تنفيذ مناورة الانتقال لزيادة الارتفاع المداري، وتغيير زاوية الميل المداري، وكذلك مناورات الخروج من المدار لمنع إنتاج النفايات الفضائية.
تشريح الدفع الفضائي: معنى الدخول إلى مجال الوقود السائل
إن جوهر حديث مدير معهد أبحاث الفضاء الإيراني هو الاستجابة لهذه الحاجة الاستراتيجية المتمثلة في أن كبسولة النقل المداري السابقة لم تعد تلبي المهام الحديثة. وإن عبارة "إلى جانب الوقود الصلب، بدأ النشاط في مجال الوقود السائل أيضاً في مشاريع أقمار سامان الصناعية"، تتطلب تحليلاً دقيقاً للاختلافات الفيزيائية والتشغيلية بين هذين النوعين من الدفع.
تعمل المحركات الصاروخية بناءً على خروج الغازات الساخنة الناتجة عن الاحتراق بسرعة عالية، لكن طريقة تخزين هذه الدفعات وتركيبها وإدارتها هي التي تحدد الحد الفاصل بين "معجّل بسيط" و"قاطرة فضائية ذكية".
القيود الذاتية لمحركات الوقود الصلب في البيئة المدارية
في تقنية الوقود الصلب، تتحول المادة الوقودية والمؤكسد إلى مركب كيميائي موحّد (بوليمري أو مطاطي) ويُصبّان داخل حاوية معدنية أو مركبة. ومن المزايا التي لا يمكن إنكارها لهذه المحركات: بساطة الهيكل، والقدرة على التخزين الطويل الأمد، وتوليد قوة دفع هائلة نسبةً إلى الوزن والأبعاد. فمحرك الوقود الصلب يخلو من أي مضخة أو توربين أو شبكة أنابيب معقدة.
ومع ذلك، فإن استخدام الوقود الصلب في كبسولات النقل المداري يواجه قيوداً هندسية خطيرة جداً. وأكبر نقطة ضعف وأكثرها حرجاً في هذه المحركات في المهام الفضائية هي عدم قابليتها للتحكم.
فبمجرد إرسال أمر الاشتعال، يعمل محرك الوقود الصلب ويستمر في الاحتراق حتى نفاد آخر ذرة من الوقود. وفي هذه الأنظمة، لا توجد إمكانية "إطفاء المحرك" (Shutdown)، أو "إعادة التشغيل" (Restartability)، أو "التحكم في قوة الدفع وتنظيمها" (Throttling).
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الدفعة النوعية، وهي مؤشر لقياس كفاءة استهلاك الوقود، تكون في المحركات الصلبة أقل عموماً من الأنظمة السائلة. وفي المهام الفضائية التي يحظى فيها كل غرام من الوزن بأهمية استراتيجية، فإن انخفاض الكفاءة يعني تقليل وزن الحمولة المفيدة.
المزايا الاستراتيجية للدفع بالوقود السائل
في الدفع بالوقود السائل، تُخزَّن المادة الوقودية والمؤكسد في خزانات منفصلة وتحت ظروف مُتحكَّم بها. وتُحقَن هذه السوائل عادةً بواسطة غازات مضغوطة (مثل الهيليوم) أو أنظمة توربومضخات معقدة داخل غرفة الاحتراق. وإن دخول مشروع "سامان" إلى مجال الوقود السائل يجلب لهذه المنظومة قدرات تشغيلية هائلة كانت مستحيلة أساساً في هندسة الوقود الصلب.
وأهم إنجاز لدخول مجال الوقود السائل هو القدرة على إعادة الاحتراق (Restartability). فالمحركات السائلة، بفضل استخدامها صمامات تحكم دقيقة، يمكنها أن تعمل وتتوقف في البيئة الفراغية مرات عديدة. وهذه الميزة تتيح لكبسولة التنقل المداري أن يشغّل محركه في نقطة من المدار لثوانٍ قليلة ليدخل في مدار انتقال بيضاوي، ثم يطفئ المحرك ويتحرك في مرحلة الطيران الحر (Coasting) حتى الوصول إلى نقطة الذروة المدارية. وعند الوصول إلى النقطة المستهدفة، يُشغَّل المحرك مجدداً لجعل المدار دائرياً وإطلاق القمر الصناعي في موقعه الدقيق.
أما الميزة الثانية فهي إمكانية التحكم المستمر في الدفع (Throttling). فبتغيير معدل تدفق الوقود والمؤكسد عبر صمامات تناسبية، يمكن زيادة شدة قوة الدفع أو تقليلها. وهذه القدرة حيوية جداً لإطلاق الأقمار الصناعية الحساسة بسلاسة وأمان، دون إدخال صدمات جاذبية شديدة (G-force) على الحمولة. وهذه الدقة والمرونة هما الشرط الأساسي للمهام المعقدة بما في ذلك الالتقاء المداري (Rendezvous) ونشر المنظومات.
التحديات الهندسية في تطوير محركات الوقود السائل الفضائية
لفهم قيمة عمل معهد أبحاث الفضاء، يجب الإشارة أيضاً إلى تعقيدات تقنية الوقود السائل في البيئة الفضائية. ومن أكبر التحديات إدارة الدفعة في ظروف انعدام الوزن (Zero-G Propellant Management). ففي غياب الجاذبية، يتحول الوقود السائل في الخزان إلى فقاعات معلقة ويلتصق بالجدران (ظاهرة Sloshing).
وفي مثل هذه الظروف، إذا فُتحت صمامات الخروج، يوجد احتمال لشفط الغاز بدلاً من السائل إلى داخل المحرك، مما يؤدي إلى إطفاء المحرك أو انفجاره. وإن تطوير أجهزة إدارة الدفعة (PMD) باستخدام هياكل شعرية وإسفنجات معدنية يُعدّ من الإنجازات الخفية والمعقدة جداً في تطوير كبسولات الوقود السائل.
كما أن استخدام الدفعات السائلة في الفضاء يتطلب عادةً وقوداً "هايبرغوليكياً" (Hypergolic) مثل الهيدرازين أو UDMH أو MMH مع رباعي أكسيد النيتروجين (NTO). وهذه الوقودات شديدة السمية والتآكل، لكن ميزتها الرئيسية أنها تشتعل تلقائياً بمجرد تلامسها مع بعضها البعض ولا تحتاج إلى نظام شرارة (Igniter).
وهذا يضمن موثوقية الاحتراق المتكرر في الفراغ المطلق. وقد كان معهد أبحاث الفضاء قد بلغ النضج سابقاً في مجال الدافعات أحادية الدفعة للتحكم في الوضعية، لكن دخوله إلى المحركات الرئيسية لكبسولة التنقل المداري يُظهر إتقانه للدورة الكاملة للمحركات ثنائية الدفعة (Bipropellant) ذات الدفع العالي.
مسار تطور مشروع "سامان"؛ من النماذج الأولية إلى القاطرات الفضائية المتقدمة
يتولى مشروع سلسلة سامان، كأحد البنى التحتية الرئيسية لمنظمة الفضاء الإيرانية، مهمة سد الفجوة بين قدرات صواريخ الفضاء الحالية في طبقة LEO والحاجة الملحة للبلاد لنشر الأقمار الصناعية في المدارات المتوسطة والبعيدة.
تطوير وإطلاق سامان-1 بنجاح (نسخة الوقود الصلب)
بدأ تطوير سامان-1 حوالي عام 2015)، وتم الكشف عن أول نموذج أولي له في فبراير 2017 بالتزامن مع اليوم الوطني لتقنية الفضاء. وكانت هذه المنظومة في تكوينها الأولي عبارة عن كبسولة بوزن إجمالي يبلغ حوالي 240 كيلوغراماً، تستخدم محرك وقود صلب يُدعى "آرش" (نسختا آرش-20 وآرش-24) كمحرك رئيسي. وكان محرك آرش، بتوليده حوالي 13 كيلونيوتن من قوة الدفع، قادراً على إحداث دفعة قوية لتغيير المدار. كما كانت سامان-1 مجهزة للتحكم في وضعيته في الفضاء بحاسوب طيران مستقل ودافعات غاز بارد (Cold gas thrusters) لتحييد الاضطرابات بعد الانفصال.
وبعد إجراء اختبارات تحت مدارية ناجحة في عامي 1400 و1401، أرسل أخيراً في 6 ديسمبر 2024 حامل الأقمار "سيمرغ" في إطلاق تاريخي وناجح بلوك النقل المداري سامان-1 مع القمر الصناعي "فخر-1" وحمولة أخرى إلى الفضاء. وفي هذا الإطلاق الذي حطم الرقم القياسي لإيران في إطلاق أثقل حمولة فضائية (300 كيلوغرام إجمالاً)، نُقل سامان-1 إلى ارتفاع 400 كيلومتر، واختُبرت أداء أنظمته الفرعية في المدار بنجاح.
على الرغم من إثبات التقنية ونجاح سامان-1 في استخدام الوقود الصلب، فإن احتياجات خارطة الطريق الفضائية للبلاد شهدت تغييرات جوهرية. وستتحول صواريخ الفضاء الحالية مثل قاصد وسفير وقائم-100 وسيمرغ، إلى جانب الجيل المستقبلي من الصواريخ الثقيلة مثل "سَرير" و"سُروش"، إلى منصة لنقل الحمولات إلى مدارات أكثر تعقيداً.
وإن حديث مكاري عن بدء تطوير أنظمة "الوقود السائل" في مشاريع سلسلة سامان هو انعكاس لهذا التغيير في العقيدة. فكبسولة سامان بالدفع السائل لن يكون مجرد محرك معجّل لدفع القمر الصناعي، بل سيعمل كمنصة متحركة تحتضن القمر الصناعي، وتطير في الفضاء لساعات، وتصحح المسار باحتراقات دقيقة وثوانٍ معدودة، ثم تطلق القمر الصناعي في النقطة المطلوبة بدقة تصل إلى كسر من الدرجة. ويُعرَّف تطوير كبسولة النقل المداري 2 لتحقيق مدارات أعلى مثل مدار 10 آلاف كيلومتر والمدار الجغرافي المتزامن في هذا الإطار ذاته.
الرابط بين الدفع السائل وثورة بناء المنظومات الفضائية
إن ربط تطوير الوقود السائل في كتلة سامان بـ"تنفيذ تقنيات بناء المنظومات المتقدمة في مشاريع سلسلة ناهيد" من المسائل المهمة. ففي الواقع، بدون الوصول إلى بلوكات النقل المداري بالوقود السائل، يصبح إنشاء منظومات الأقمار الصناعية مستحيلاً عملياً من الناحية الفنية والاقتصادية.
تقنية الحقن المتعدد والنشر الشبكي
تتمثل الخطة الاستراتيجية لمنظمة الفضاء الإيرانية في إنشاء منظومات أقمار صناعية مثل "منظومة الشهيد سليماني". وتشمل المرحلة الأولى من هذه المنظومة 24 قمراً صناعياً ضيق النطاق (18 قمراً رئيسياً و6 أقمار احتياطية) تتولى مهمة تأمين اتصالات إنترنت الأشياء (IoT)، وإدارة الأزمات، ومراقبة حرائق الغابات، ونقل البيانات في المناطق التي تفتقر إلى بنية تحتية أرضية.
إن إطلاق 24 قمراً صناعياً واحداً تلو الآخر بـ24 صاروخاً مختلفاً يفتقر إلى المبرر الاقتصادي والزمني. والحل المنطقي هو استخدام قاذفات قوية لإرسال عدة أقمار صناعية في وقت واحد (الحقن المتعدد). لكن التحدي الرئيسي هنا هو أن أقمار المنظومة لا يجب أن تُطلق في نقطة واحدة من الفضاء، بل يجب توزيعها على فواصل زاوية محددة (Phasing) في مستوى مداري واحد لإنشاء تغطية اتصالية مستمرة بلا نقاط عمياء.
ولا يمكن تنفيذ هذه العملية التوزيعية إلا بكبسولة نقل مداري بالوقود السائل. وسيكون السيناريو التشغيلي على النحو التالي:
يضع حامل الأقمار الكبسولة الحاملة لعدة أقمار صناعية في المدار الأولي.
تشغّل كبسولة النقل المداري محركه السائل وتصل إلى المستوى المداري المطلوب.
تطلق الكبسولة القمر الصناعي الأول.
يُشغَّل المحرك السائل للكبسولة مجدداً لتغيير سرعته وزاويته المدارية (وهذا يتطلب الإطفاء والتشغيل المتكرر وهو مستحيل بمحرك صلب).
بعد الوصول إلى نقطة التوزيع الثانية، يتطلق القمر التالي، وتستمر هذه الدورة حتى نهاية المهمة. وهكذا، فإن دخول كبسولة سامان إلى مجال الوقود السائل يعني بالتحديد توفير المنصة الفيزيائية لتحقيق المشاريع الكبرى لبناء المنظومات مثل منظومة الشهيد سليماني.
السيطرة على المدار الجغرافي المتزامن (GEO) ومهام الاتصالات عريضة النطاق
ومن المجالات الأخرى التي تلعب فيها بلوك النقل المداري دوراً مصيرياً: الوصول إلى المدار الجغرافي المتزامن مع الأرض (GEO) على ارتفاع 36 ألف كيلومتر. وهذا المدار هو النقطة الأكثر استراتيجية في الفضاء لنشر أقمار الاتصالات وبث الراديو والتلفزيون والاتصالات عريضة النطاق.
وبعد النجاحات المبهرة للقمر الصناعي للاتصالات "ناهيد-2" في مدار LEO (بما في ذلك إجراء أول مكالمة هاتفية عبر القمر الصناعي، وتبادل البيانات بطريقة Store and Forward، واختبار النطاق Ku)، بدأت إيران بناء القمر الصناعي "ناهيد-3". وناهيد-3، بوزن يبلغ حوالي 110 كيلوغرامات، هو قمر صناعي عريض النطاق مصمم خصيصاً للاستقرار في مدار GEO، وهو الآن في مرحلة تصميم وبناء الأنظمة الفرعية الرئيسية.
ويتم الوصول إلى هذا المدار البعيد جداً عبر مناورة تُسمى النقل المداري الجغرافي (GTO). وفي هذا السيناريو، يضع الصاروخ الحمولة في مدار بيضاوي شديد يكون حضيضه قريباً من الأرض وذروته على ارتفاع 36 ألف كيلومتر. وللاستقرار النهائي، يجب أن تسافر المركبة الفضائية ساعات في صمت حتى تصل إلى نقطة الذروة. ثم في تلك النقطة، يجب تشغيل محرك لجعل المدار دائرياً وجعل ميله مماساً لخط الاستواء.
وتتمتع كبسولة سامان بهندسة الوقود السائل بالقدرة على تنفيذ هذه المناورة المعقدة المصحوبة بتأخير زمني بأعلى دقة وتثبيت القمر الصناعي ناهيد-3 في الموقع المداري (Slot) الخاص بإيران.
اقتصاد الفضاء ودورة تسويق البنى التحتية المدارية
إن الأبعاد الفنية للانتقال إلى الدفع السائل مرتبطة مباشرة بالمفاهيم الاقتصادية الكبرى. فتطوير التقنية بمعزل عن الاقتصاد لا معنى له، وقد أصبح اقتصاد الفضاء أحد الأجزاء المهمة في الاقتصاد الرقمي واقتصاد الدول.
الانخفاض الكبير في تكاليف الوصول إلى الفضاء
كانت تكلفة الإطلاق لكل كيلوغرام دائماً عنق الزجاجة الرئيسي في تسويق الفضاء. وتحقق كبسولة النقل المداري المتقدمة بالوقود السائل أقصى استفادة من كفاءة صواريخ الفضاء الثقيلة.
فبدلاً من إطلاق صواريخ باهظة الثمن لقمر صناعي صغير واحد، يمكن إطلاق قاذف بحمولة رئيسية ثقيلة وعدة أقمار صناعية صغيرة (أقمار كيوب ست). وبعد نشر الحمولة الرئيسية، تغيّر كبسولة النقل المداري مساره باستخدام قدرتها على إعادة الاحتراق وتطلق الأقمار الميكروية في مدارات مختلفة؛ وهذه القدرة تخفض بشدة تكاليف الإطلاق للشركات الناشئة والشركات القائمة على المعرفة والفرق الجامعية.
المنصات الوطنية القائمة على البيانات: "راز" و"إيران زمين"
إن الناتج النهائي لكل هذه البنى التحتية الفضائية هو إنتاج ومعالجة البيانات القائمة على الفضاء. وتتولى أقمار الاستشعار مثل "بارس-1" والنسخة المطورة "بارس-2" وكذلك "راد-1" (أول قمر صناعي راداري محلي) مهمة التصوير المستمر لسطح الأرض. وإن النشر الدقيق لهذه الأقمار في المدارات المتزامنة مع الشمس (SSO) بواسطة بلوكات النقل المداري يضمن جودة البيانات وتكرارها.
وتُحقَن البيانات البصرية والرادارية (SAR) الناتجة عن هذه الأقمار وبيانات القمر الصناعي خيام، كمدخلات إلى المنصات الوطنية المطورة في معهد أبحاث الفضاء مثل منصة "راز" ونظام "إيران زمين" (المعروف بـ"غوغل إيرث الإيراني").
وهذه المنصات، المجهزة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي المتقدمة والقدرة على التفكيك الفائق (Super-resolution)، تُعدّ البنية التحتية الرئيسية لمراقبة المحاصيل الزراعية، والتنبؤ بالجفاف، وتقييم المسطحات المائية، وتسجيل التعديات على الأراضي، ومراقبة هبوط الأرض.
كما أُطلقت منصة أخرى بعنوان "المنصة الذكية لاقتصاد الفضاء" لإجراء التحليلات الاقتصادية لهذه الصناعة. ويُظهر تشابك هذه الطبقات أن التقدم في طبقة الأجهزة (مثل كبسولة سامان بالوقود السائل) يرفع مباشرة القيمة المضافة لطبقة البرمجيات وإدارة المدن.
إعادة هيكلة المعهد: من محورية التقنية إلى محورية المسألة
وللاستجابة لهذه السلسلة القيمية الجديدة، أجرى معهد أبحاث الفضاء تغييراً في هيكله الداخلي. وإن الانتقال من مهام "محورية المشروع" إلى مهام "محورية المسألة" وتأسيس "معهد الأبحاث التطبيقية"، هو رد هيكلي على حاجة الأجهزة التنفيذية في البلاد. فسابقاً، كانت معاهد الأقمار الصناعية والأنظمة الفرعية تركز على تطوير التقنية فحسب، لكن النهج الجديد يقوم على مراقبة وتوقع وحل التحديات اليومية للصناعات القائمة على البيانات الفضائية. وإن التفاعل لتطوير أقمار صناعية مخصصة مع العملاء الحكوميين والخاصين هو نتيجة أخرى لهذا النضج التنظيمي.
الاتصالات بين الأقمار الصناعية ومحطات التحكم المداري
يتطلب دعم المنظومات الدوارة في الفضاء تطويراً متزامناً للبنى التحتية الاتصالية والتحكمية. ومن العقبات الفنية الرئيسية للمنظومات الكبيرة محدودية رؤية المحطات الأرضية.
ولحل هذه المشكلة، أعلن مدير معهد أبحاث الفضاء عن بدء مشروع توطين تقنية الاتصالات بين الأقمار الصناعية (Inter-Satellite Link - ISL). وهذه التقنية تتيح للأقمار المستقرة في منظومة واحدة تبادل البيانات في الفضاء وإعادة ترحيلها إلى بعضها البعض دون الحاجة إلى المرور فوق محطة أرضية معينة، ثم إرسالها إلى الأرض في أول محطة متاحة. وهذا يخفض بشكل كبير التأخير في نقل الرسائل ويزيد القدرات الفورية (Real-time) للمنظومات في ظروف الأزمات.
وفي الوقت نفسه، يجري تطوير شبكة موحدة من مراكز التحكم بالأقمار الصناعية الموزعة على مستوى البلاد (مثل مركز سلماس وتطوير قاعدة تشابهار الفضائية) في جدول أعمال منظمة الفضاء. وإن توزيع المحطات الأرضية الثابتة والمتحركة يقصّر الفترة الزمنية للوصول إلى الأقمار الصناعية ويسرّع عملية الاختبار في المدار واستقبال القياسات عن بعد.
ويظهر التحليل الشامل لبرامج منظمة ومعهد أبحاث الفضاء الإيراني أن حديث مدير معهد أبحاث الفضاء حول بدء تطوير أنظمة "الوقود السائل" في بلوك النقل المداري "سامان" هو خارطة طريق لدخول إيران إلى نادي الدول القليلة التي تمتلك تقنية "القاطرات الفضائية الذكية".
إن محركات الوقود الصلب، رغم أدائها الفريد كمعجلات أولية ونهائية وإثباتها جدارتها في الإطلاق الناجح لسامان-1 إلى ارتفاع 400 كيلومتر، تفتقر إلى المرونة اللازمة لمتطلبات عصر بناء المنظومات.
إن استبدال هذه الأنظمة بهندسة الدفع السائل المعقدة، التي توفر قدرات مثل الاحتراق المتكرر في الفراغ المطلق والتحكم في قوة الدفع والمناورات الدقيقة لتوزيع الأطوار المدارية، هو الشرط المطلق لتنفيذ المشاريع الوطنية الكبرى مثل حقن 24 قمراً صناعياً في منظومة الشهيد سليماني ونقل الأقمار الثقيلة من سلسلة ناهيد-3 إلى المدار الجغرافي المتزامن (GEO).
وسيكون هذا التحول في الأجهزة مباشرة محرك "اقتصاد الفضاء". فإمكانية النشر الدقيق والمجدٍ لعدة حمولات في مدارات مختلفة عبر عمليات إطلاق مشتركة، تفتح المجال لدخول قوي للقطاع الخاص وتطوير الشركات الناشئة الفضائية وإنتاج كميات كبيرة من بيانات الاستشعار.
وإن الجمع بين هذه البنية التحتية المدارية ومنصات رصد الأرض المتقدمة مثل نظام "إيران زمين" يشكّل دورة كاملة من التقنيات القائمة على الفضاء، تركز بدلاً من التركيز على إظهار القوة فحسب، على حل التحديات الحيوية للبلاد بما في ذلك إدارة الموارد المائية والزراعة الذكية ومراقبة البيئة وتوسيع البنى التحتية للاقتصاد الرقمي.
/انتهى/