مرقد "الخضر" (ع) في همدان؛ خانقاه صوفية جمعت "بابا طاهر" بالسلطان طغرل

وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن ديار "هكمتانه" العريقة وعاصمة التاريخ والحضارة الإيرانية، تفتخر باحتضان ثلة من الأعلام الأجلاء من سلالة السادة الأشراف، الذين يسطعون كالنجوم المضيئة في سماء هذه المدينة. وبحسب إعلان دائرة الأوقاف، تزدان محافظة همدان بوجود أكثر من 40 مرقدًا ومزارًا شريفًا، تشكل مراقدهم مأمنًا وملاذًا للقلوب الحائرة؛ وهي مزارات تتنوع أنساب أصحابها، ويمتاز بعضها بأسلوب معماري فريد أهّلها للإدراج في قائمة الآثار التاريخية الوطنية.

وتضم همدان بوصفها محافظة ترتكز في محور تنميتها على القطاع السياحي، وتستقطب سنويًا أعدادًا غفيرة من السياح والمسافرين في مختلف فصول السنة، نحو 250 بقعة ومزارًا شريفًا، حيث تحظى زيارة هذه البقاع المتبركة بمكانة أساسية ضمن البرامج السياحية للوافدين.

يقع مرقد الشيخ خضر من أحفاد الإمام الحسن المجتبى (ع) على بعد ثلاثة كيلومترات شمال شرقي مدينة همدان في منطقة "خضر". ويقوم المرقد كبناء مستقل على ربوة مرتفعة نسبيًا وسط مقبرة قديمة، وقد سُجّل هذا المعلم في قائمة الآثار الوطنية الإيرانية بتاريخ 18 حزيران عام 1955 تحت الرقم 1077/3. وتحيط بالمبنى حاليًا حديقة عامة تُعرف باسم "متنزه الخضر".

ويعود هذا المعلم، الذي يطلق عليه سكان المنطقة اسم " ابن الإمام خضر"، إلى القرنين الرابع والخامس الهجريين، في حين تُنسب زخارفه إلى العهد الإيلخاني.

يظهر المبنى في النظرة الأولى بسيطًا ومجردًا من التكلف، وهو من الناحية المعمارية بناء رباعي الأضلاع تعلوه قبة. ويستدعي هذا المعلم التأمل والدراسة بفضل احتوائه على نقوش خطية بالخط الكوفي الإيراني (وهو مزيج من خطوط النسخ، والثلث، والرقاع)، تضم أبياتًا شعرية من "الشاهنامه" للفردوسي، وهو أمر يندر وجوده في الصروح الأخرى. كما يزدان الداخل بمحراب جصي بديع يكتسب أهمية بالغة لاحتوائه على كتابات بخطي الثلث والكوفي تحمل مضامين قرآنية وعبارات صوفية.

وعلى بعض الشواهد المتبقية حول المبنى، تظهر كتابات ونقوش بخط الثلث يُرجح أنها تعود إلى تاريخ تشييد البقعة نفسه، على الرغم من أن سطح التلة والمقبرة المحيطة بها قد تعرضا لتغيير كلي في السنوات الأخيرة.

وتتميز الواجهة الخارجية لمرقد الخضر بـ كسوة طوبية، وتأخذ قبته نمط "الرص البسيط"، في حين بُنيت بوابة الدخول بارتفاع عادّي، لعل الغاية منها كانت إحناء رؤوس الداخلين إظهارًا للتواضع والوقار. كما تظهر على الواجهة الخارجية بقايا من الزخارف الجصية والتصاميم الآجرية والنقوش الخطية التي اندثرت أجزاء واسعة منها.

وفي داخل المرقد، تتعدد النقوش الخطية التي تزين الجدران، ورغم أنها لم تُقتبس من فصل واحد في الشاهنامه، إلا أنها تتمتع بانسجام ملحوظ وقيمة فنية وأدبية رفيعة.

ويُستشف من المدونات التاريخية والجغرافية أن هذا المبنى هو المكان الذي استقبل فيه شيوخ همدان الثلاثة، وهم: "بابا طاهر"، و"بابا جعفر"، و"الشيخ حمشا"، السلطانَ "طغرل السلجوقي".

كما تشير مصادر تلك الحقبة إلى شيخ يُدعى "بابا خضر"، وبناءً على الوثائق المتاحة، يُرجح أن هذه البقعة كانت خانقاهًا أو زاوية خاصة به، وربما تلقى فيها عارفون مثل "بابا طاهر" و"بابا جعفر" و"الشيخ حمشا" علومهم العرفانية والصوفية. وما يؤكد هذا الطرح هو الكتابات التاريخية والعبارات الصوفية المنقوشة بالجص على الجدران الداخلية والخارجية للمبنى.

ويوجد داخل الضريح شواهد قبر من الرخام، تعرضت معظم أجزائها للأسف للتلف والامحاء جراء الوطء والاحتكاك، مما جعل ارتباط المعلم بشاهد القبر يكتنفه الغموض.

وبالنظر إلى الهيكل الهندسي، وبقايا الغرفة الملحقة في الضلع الغربي للمبنى، والنقوش والمحراب، يُرجح أن هذا الصرح كان خانقاهًا أو زاوية لشيخ أو عارف؛ أي أنه كان يُستخدم في حياة صاحبه كمكان للعبادة والطقوس الصوفية، وبعد وفاته دُفن الشيخ أو صاحب الزاوية في المكان نفسه ليتحول إلى مقبرة يقصدها مريدوه لإقامة مراسمهم وعباداتهم الخاصة.

وقد أجرى بعض الباحثين دراسات وبحوثًا قيمة حول طبيعة المزار للمرقد، وتحديد نسب وهوية المدفون أو المدفونين فيه، والعمق التاريخي لهذا الأثر.

ويُعد الباحث "علي جهانبور" من المحققين الذين أخضعوا الوثائق والمستندات المتعلقة بمرقد الخضر للدراسة والتمحيص، مستندًا إلى المتون التاريخية وروايات المعمرين من سكان المنطقة، وضمنها في كتابه. حيث يذكر في أحد فصول مؤلفه حول مرقد الخضر ما يلي: "ظلت تلة الخضر منذ القدم، ولا سيما من العهد السلجوقي حتى يومنا هذا، شهيرة وتحظى باحترام الخاصة والعامة بفضل وجود مزار مرقد الخضر. ويبدو أنه قبل وصول السلاجقة إلى السلطة، كانت تلة الخضر وما يعلوها مكانًا بارزًا ومرموقًا؛ إذ إنها التلة نفسها التي اعتلاها طغرل السلجوقي (425 - 455 هـ) برفقة حاشيته وجنوده عام 447 أو 450 هجري في خضم فتح همدان على يد الأتراك السلاجقة، وفي السنة نفسها التقى بـ "بابا طاهر الهمداني" وشيخين آخرين وثلة من أعيان المدينة". وقد أورد المؤرخ "الراوندي" تفاصيل هذا اللقاء في كتابه "راحة الصدور وآية السرور".

وجاء في النص: "سمعت أنه لما قدم السلطان طغرل بيك إلى همدان، كان من الأولياء ثلاثة شيوخ: بابا طاهر، وبابا جعفر، والشيخ حمشا. وكان ثمة جبل صغير عند باب همدان يُقال له "خضر"، فكانوا واقفين هنالك".

وخلاصة هذا اللقاء أن "طغرل" سأل "بابا طاهر" عن السبيل في معاملة أهل همدان، فأجابه بابا طاهر: "افعل ما أمر الله به: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان}". فامتثل السلطان لقول بابا طاهر، ونجت همدان من القتل والنهب وسفك الدماء على يد الأتراك السلاجقة، وغدت همدان منذ ذلك التاريخ حتى الغزو المغولي عاصمة للسلاجقة في غرب إيران.

ويتبين من نص كتاب "راحة الصدور" أن تلة الخضر كانت موقعًا شهيرًا، ويُرجح بقوة أن إحدى القلاع المهمة أو بوابات المدينة كانت تقع في هذا الجزء. واليوم، باستثناء "مرقد" الخضر وبعض القبور أعلى التلة، لا يوجد أثر مادي يشي بالمكانة العسكرية أو الجغرافية السابقة لهذه الربوة. وهنا يطرح السؤال نفسه: ما هي المكانة الاستراتيجية أو العلمية الخاصة التي كانت تتمتع بها "تلة الخضر" -أو "جبل الخضر الصغير" وفق تعبير كتاب راحة الصدور- حتى يقصدها طغرل السلجوقي شخصيًا ويلتقي فيها بأقطاب مدينة همدان كـ "بابا طاهر العريان"؟ لا شك أن تلة الخضر كانت تحظى بأهمية بالغة من عدة جوانب، ولعلها كانت تضم تحصينات عسكرية خاصة، وهو ما تؤكده بعض الشواهد التاريخية.

/انتهى/