غريب آبادي: التطبيق الانتقائي للقانون الدولي يضعف مصداقيته

وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية، شارك في الاجتماع رفيع المستوى للدفاع عن القانون الدولي الذي عقد في الأمم المتحدة، حيث استعرض مواقف إيران حيال عدد من القضايا الدولية المهمة. وفيما يلي النص الكامل لكلمته:

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد الرئيس،
أصحاب السعادة،
السيدات والسادة،

يسرني أن نلتقي اليوم في هذا الاجتماع المعنون بـ«الدفاع عن القانون الدولي»، والذي ينعقد بمبادرة من بلدين صديقين هما ماليزيا وجنوب أفريقيا.

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تؤمن بأن القانون الدولي، إذا أُريد له أن يكون بالفعل حامياً للسلام والعدالة والكرامة الإنسانية، فلا يمكن أن يتحول إلى مجموعة من القواعد الانتقائية التي تُطبَّق بصرامة على بعض الدول، بينما يتم التغاضي عنها تجاه دول أخرى بسبب اعتبارات سياسية أو موازين القوة.

إن مصداقية القانون الدولي تقوم على مبدأ المساواة بين الدول أمام القانون، لا على المساواة أمام القوة.

لقد رسخ ميثاق الأمم المتحدة مبادئ حظر استخدام القوة، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وحماية الحقوق الأساسية للشعوب، باعتبارها ركائز النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.

لكننا اليوم نواجه أكثر من أي وقت مضى سؤالاً جوهرياً:

هل تُطبَّق قواعد القانون الدولي بالفعل على الجميع بالمعيار ذاته؟

إذا كانت الإجابة نعم، فعلى المجتمع الدولي أن يثبت ذلك عملياً.

تمثل فلسطين اليوم أحد أبرز الاختبارات لمصداقية منظومة القانون الدولي. فقد أظهرت عقود من الاحتلال والاستيطان وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه ومن حقه في تقرير المصير، ثم الكارثة الإنسانية الواسعة في غزة، مدى الفجوة العميقة بين قواعد القانون الدولي وتطبيقها على أرض الواقع.

وترى الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن الشعب الفلسطيني، شأنه شأن سائر الشعوب، يتمتع بحقوق لا يجوز إخضاعها للاعتبارات السياسية أو التحالفات أو الحسابات الجيوسياسية.

فحق تقرير المصير، وحماية المدنيين، وحظر العقاب الجماعي، ليست مبادئ قابلة للمساومة السياسية.

فالقانون الدولي إما أن يكون عالمياً وشاملاً، أو أن يتحول عملياً إلى أداة للتمييز.

وفي هذا السياق، تكتسب المبادرة التي اتخذتها جمهورية جنوب أفريقيا باللجوء إلى محكمة العدل الدولية في القضية المتعلقة باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها بشأن غزة أهمية خاصة.

فقد أصدرت المحكمة في يناير/كانون الثاني 2024، ضمن التدابير المؤقتة، إجراءات لحماية حقوق الفلسطينيين في إطار الاتفاقية المذكورة. وما زالت القضية مدرجة على جدول أعمال المحكمة، كما استمرت إجراءاتها القضائية خلال عام 2026.

ولا تكمن أهمية هذا المسار في النتيجة النهائية للقضية فحسب، بل في حقيقة أن دولة ما سعت، بالاستناد إلى الآليات القانونية متعددة الأطراف، إلى تحويل مبدأ المساءلة وتحمل المسؤولية إزاء معاناة شعب بأكمله إلى قضية قابلة للنظر أمام هيئة قضائية دولية.

وهذا هو النهج الذي ينبغي على النظام الدولي تعزيزه:

حصانة أقل ومساءلة أكبر؛

نفوذ سياسي أقل في مواجهة القانون، وقانون أكثر في مواجهة النفوذ السياسي.
السيدات والسادة،

لقد واجهت إيران أيضاً خلال السنوات الأخيرة انتهاكات واضحة للمبادئ الأساسية الواردة في الميثاق.

ففي 28 فبراير/شباط 2026، بدأت جولة جديدة من العدوان العسكري الأمريكي والإسرائيلي على إيران في إطار ما سُمي بـ«حرب الأربعين يوماً». وفي اليوم الأول من الحرب، استشهد القائد الراحل للجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى جانب 168 تلميذاً ومعلماً في مدرسة ابتدائية بمدينة ميناب.

وموقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية واضح: إن سيادة الدول ووحدة أراضيها ليستا قابلتين للانتهاك أو المساومة.

ولا يحق لأي دولة أن تتجاوز مبدأ حظر استخدام القوة استناداً فقط إلى ادعاءات سياسية أو إلى تفسير أحادي الجانب للتهديدات.

وإذا جرى إضعاف المبدأ الأساسي الوارد في الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، فلن تتمكن أي دولة، كبيرة كانت أم صغيرة، من الاطمئنان إلى أمنها وسيادتها.

كما ترى إيران أن حق الدفاع الشرعي عن النفس، في حال التعرض لهجوم مسلح، هو حق مشروع وقانوني للدولة المعتدى عليها وفقاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.

وفي الوقت نفسه، تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين، والتمييز بين الأهداف العسكرية وغير العسكرية. ويجب احترام هذه المبادئ دون استثناء، سواء في فلسطين أو إيران أو لبنان أو اليمن أو أي مكان آخر في العالم.

إن المشكلة الرئيسية اليوم ليست نقص قواعد القانون الدولي، بل التطبيق الانتقائي لهذه القواعد.

ففي أزمة معينة يُستشهد بميثاق الأمم المتحدة، بينما تُقدَّم المصالح الجيوسياسية على الميثاق في أزمات أخرى.

وفي بعض الحالات تُطالب قرارات مجلس الأمن بالتنفيذ الجاد، بينما تستمر في حالات أخرى انتهاكات هذه القرارات لسنوات دون أي إجراء فعال.

وفي قضية ما تُطرح مطالبات بالتحقيق والمساءلة، بينما تمنع الحماية السياسية تحقيق المساءلة في قضايا أخرى.

إن هذا النهج لا يضعف العدالة فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى تآكل ثقة الشعوب بالتعددية وبالمؤسسات الدولية.

فإذا لم يكن القانون الدولي واحداً بالنسبة للقوي والضعيف، والحليف وغير الحليف، والشرق والغرب، والشمال والجنوب، فإن مصداقيته ستكون عرضة للتآكل.

ومن هذا المنطلق، تكتسب محكمة العدل الدولية أهمية مضاعفة. إذ ينبغي أن تكون، بصفتها الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، قادرة على النظر في النزاعات بين الدول بصورة مستقلة بعيداً عن الضغوط السياسية، وأن توضح الالتزامات القانونية للدول.

ويُعد تحرك جنوب أفريقيا في القضية الفلسطينية مثالاً مهماً على استخدام الآليات القضائية المتاحة في النظام الدولي.

كما ينبغي الإشارة إلى أن جنوب أفريقيا قدمت في أغسطس/آب 2026 ملفاً موثقاً إلى المحكمة بشأن عدم تنفيذ التدابير المؤقتة التي سبق أن أصدرتها.

وتحمل هذه الخطوة رسالة مهمة مفادها أن إصدار الأحكام أو الأوامر القضائية لا يمثل نهاية المطاف، بل إن تنفيذها يشكل جزءاً لا يتجزأ من العدالة الدولية. فإذا لم تُنفذ قرارات الهيئات القضائية الدولية، فإن الضرر لن يلحق بحقوق الضحايا فحسب، بل سيمس أيضاً مصداقية منظومة القانون الدولي ذاتها.

أصحاب السعادة،

ترى الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن اجتماع اليوم يجب أن يتجاوز مجرد التعبير عن القلق، فنحن بحاجة إلى مجموعة من الإجراءات العملية:

أولاً: احترام ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ حظر استخدام القوة دون تمييز.

ثانياً: ضمان التنفيذ الفعلي لقرارات وأوامر محكمة العدل الدولية.

ثالثاً: وضع حد للإفلات من المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة للجرائم الدولية والقانون الدولي الإنساني.

رابعاً: دعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، بما في ذلك الشعب الفلسطيني.

خامساً: تعزيز دور دول الجنوب العالمي في صياغة نظام دولي أكثر عدالة وتمثيلاً حقيقياً داخل المؤسسات متعددة الأطراف.

سادساً: إصلاح الهياكل التي تتيح التطبيق الانتقائي للقانون الدولي.
السيدات والسادة،

أما في الختام،

فإن العالم يقف اليوم عند نقطة تحول.

إما أن نشهد تراجعاً تدريجياً للقواعد التي أرساها المجتمع الدولي على مدى عقود لمنع الحروب والعدوان والاحتلال والجرائم،

وإما أن نقرر إعادة القانون الدولي ليكون المعيار المشترك لسلوك الدول.

لقد أظهرت فلسطين وإيران والعديد من الحالات الأخرى أن هذا الخيار لم يعد مجرد نقاش نظري.

إنه خيار يتعلق بحياة البشر.

ويتعلق بسيادة الدول.

ويتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها.

ويتعلق بمستقبل النظام متعدد الأطراف الذي تحتل الأمم المتحدة موقع القلب فيه.

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية مستعدة للتعاون مع جميع الدول التي تؤمن بالمساواة في السيادة، والتعددية، والحل السلمي للنزاعات، والتطبيق غير التمييزي للقانون الدولي، من أجل تعزيز هذا النظام.

فلنمنع أن يصبح القانون تابعاً للقوة.

ولنجعل القوة خاضعة للقانون.

وأتوجه بالشكر إلى ماليزيا وجنوب أفريقيا على تنظيم هذا الاجتماع المهم، وعلى جهودهما المتواصلة في الدفاع عن التعددية والقانون الدولي.

/انتهى/